التمكين وتأويل الأحاديث

السبت 10 ديسمبر 2016 12:12 م بتوقيت القدس المحتلة

التمكين وتأويل الأحاديث

د. ناصر العمر

{وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]. ما أحوجنا إلى الوقوف مع هذه الآية في هذه الظروف التي تعيشها الأمة!
القنوط واليأس دخل كثيرًا من القلوب بعد ما رأوا أعداء الله يعودون إلى استعمار بعض بلاد المسلمين مرة أخرى، ومن ذلك ما يفعله اليهود في فلسطين، وما يفعله الغرب في أفغانستان والعراق، نفوس أصابها التشاؤم واليأس والقنوط، والله غالب على أمره.
 لقد تواترت الآيات مانعة من الخوف إلا من الله جل وعلا، وكذلك الخشية إلا من الله {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} [آل عمران: 175]، {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 3]، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]. فعلينا أن نثق بالله وبوعده، وأن نأخذ بالأسباب التي توصلنا إلى العز والسؤدد والمجد، فلنحسن الظن بالله ولنثق به {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51]، {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف: 110].
 هذه الآية {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: 21] من سورة يوسف الذي عاش ألوان الابتلاء، يأتي تصديقها في نفس السورة {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 21]. التمكين تمكين خاص وعام، وقد حصل عليهما يوسف u، مكَّنه الله في أول الأمر من قلب العزيز، ومكنه الله -جل وعلا- في داخل السجن، وهذا تمكين خاص.
 
ثم جاء التمكين العام عندما قال: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، فأصبح هو عزيز مصر، بل هو سيد مصر الآمر الناهي، حكم فيه بشريعة الله جل وعلا {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} [يوسف: 21]، وكأن الآية تشير إلى أن من يأخذ بالأسباب التي أخذ بها يوسف، فسيكون نهايته التمكين بإذن الله.
 
والسؤال: كيف نصل إلى ما وصل إليه يوسف؟
 
والجواب: هنالك أسباب جعلها الله -جل وعلا- من أخذ بها حصل على التمكين، إما التمكين الخاص أو التمكين العام، ولعله تأتي الإشارة بشي من التفصيل إلى ذلك لاحقًا، أما ما يهمنا هنا فهو ما يتعلق بتأويل الأحاديث، فالله  قرن به التمكين، فقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} [يوسف: 21].
 
ذكر بعض العلماء أن تأويل الأحاديث هنا ليس محصورًا فيما يتعلق بتعبير الرؤى بل هو أعم من ذلك، فيشمل تفسير الأحداث وتوقع نتائجها والقدرة على التعامل معها، فيوسف u أكرمه الله بتأويل الأحاديث أي تعبير الرؤيا، وهذا معنى أوّلي، وهو ما مشى عليه عامة المفسرين، ومعنى آخر، وهو تأويل الأحاديث، بمعنى تفسير الأحداث واستشرافها والتخطيط لها، وهذا ما حصل عندما وَلِي أمر تدبير ما بدأ تحققه مما توقعه بعد تأول الرؤيا.
 
ولعل هذا الضرب من تأويل الأحاديث فيه شبه مما أعطيه عمر بن الخطاب t، فقد كان النبي  يقول: "قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإنَّ عمر بن الخطاب منهم" [أخرجاه في الصحيحين]. وليس ذلك من ادعاء علم الغيب، كلا وحاشا، بل هي فراسة وعلم قائم بذاته، يبنى على الحقائق والدراسات والأرقام. يلهمه الله بعض خلقه، وخاصة إذا توافر فيهم الصدق، والإيمان، والتقوى، فينير الله بصيرتهم، ويجعل لهم فرقانًا.
 
ولعل الناظر إلى علم دراسات المستقبل، والذي غدا اليوم علمًا مستقلاًّ يدرس في أعرق الجامعات، يلحظ أن الذين تفارقهم التقوى والإيمان يخطئون كثيرًا في هذا الجانب، رغم عظم ما عندهم من وسائل مادية وإمكانات.
 
أما إذا توافر مع هذا العلم تقوى وورع وصدق مع الله -جل وعلا- والتجاء إليه، فيجعل الله لأصحابه فرقانًا يميزون به بين الحق والباطل، وفراسة لا تكاد تخطئ، وقد قال الله : {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29].
 
كما أن دراسة السنن الكونية من الأهمية بمكان، فالسنن لا تتخلف. وكذلك دراسة التاريخ الذي تمر به حوادث مشابهة يستفيد اللبيب من نتائج تصرفات أهل تلك الحقبة، وكل ذلك جزء مما يسمى اليوم بعلم (فقه الواقع)، والذي يجب أن يبنى على الكتاب والسنة، ويجب أن نكون فيه وسط بين الإفراط والتفريط.
 
فهناك من غلا في هذا العلم فأخرجه عن حده، وهناك من أنكره، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، فأصل هذا العلم في الكتاب والسنة، وفي سيرة السلف -رضوان الله تعالى عليهم- وهو علم له أصوله ومنطلقاته، كما أنه من أهم ما نحتاج إليه في عصرنا الحاضر، بل ما أحوجنا إلى أن تنشأ له المعاهد والكليات المتخصصة! وما أحوجنا إلى ربطه بالكتاب والسنة والسنن الكونية والأحداث التاريخية! مع ملاحظة واقعنا وقدراتنا وإمكاناتنا وأحوال أعدائنا، مع الالتجاء إلى الله بأن يهدينا سواء السبيل "اللهم اهدني وسددني"، كما ورد في حديث عليٍّ عند مسلم.
 
وبهذا يكون تعاملنا مع هذا العلم تعاملاً واقعيًّا بلا إفراط أو تفريط، ويكون عالم الشرعية على مستوى من الوعي بما يقع في أمته وما يحيط بها من أخطار.
 
وبهذا نصبح قادرين على رسم الطريق الصحيح لخروج الأمة من واقعها الأليم، قادرين على استثمار كل خطأ وكل حدث قد يصدر من الآخرين، مترقبين له متوقعين، وبهذا يحصل العز والتمكين للمسلمين، كما حصل لنبي الله يوسف من قبل {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].
 
نسأل الله أن يعز جنده، وأن يظهر كتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين.
 
نقلاً عن  موقع المسلم

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة