الإسلام ومنهج تحرير العقل والفكر

السبت 17 ديسمبر 2016 09:22 ص بتوقيت القدس المحتلة

الإسلام ومنهج تحرير العقل والفكر

شريف عبد العزيز

لقد خلق الله عز وجل الإنسان في أحسن تقويم، وجعله على أفضل هيئة، وأكرمه ونعّمه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وميّزه عن سائر مخلوقاته بالعقل الفاعل الذي جاء مختلفًا عن عقول سائر مخلوقاته، فقد اختص الله عز وجل العقل البشري بالعديد من الخصائص والملكات المهمة؛ منها: ملكة الإدراك، وهي التي يناط بها الفهم والتصور، وملكة التأمل فيما يدركه، واستخراج أسراره ومعانيه وبواطنه، ومنها ملكة الرشد، وهي من أهم وأعلى خصائص العقل البشري؛ لأنها ملكة استيفاء كل الخصائص والوظائف العقلية. 
هذه الخصائص والملكات جعلت العقل البشري مؤهلاً لأن يكون مناطًا للتكليف الشرعي، وموصولاً بكل حجة من حجج الشريعة، أمرًا ونهيًا، والعقل الذي يخاطبه الإسلام والوحي هو العقل السوي الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد، ويتبصر ويتدبر ويحسن الإدراك والرؤية، لذلك امتلأ القرآن الكريم بعشرات الآيات المختومة بالدعوة لإعمال العقل، مثل (أفلا يعقلون)، (أفلا يتذكرون)، (أفلا تتفكرون)، (أفلا ينظرون)، (أفلا يتدبرون)، (أليس منكم رجل رشيد)، (أفلا يبصرون).
ولما كان العقل في الإسلام له هذه العناية الفائقة من التقدير والخطاب، فقد اتخذ الإسلام منهجًا فريدًا في تحرير العقل والفكر، ليبقي العقل عقلاً من الضلال والضياع، ويبقى الفكر راشدًا ناضجًا. وهذا المنهج الإسلامي يقوم على عدة دعائم أساسية من شأنها حراسة العقل من تيه الفلاسفة، وتخبط المناطقة، ومن أهم هذه الدعائم:
الدعامة الأولى:
تحرير العقل من أغلال التحجر وسيطرة التبعية العمياء، وذلك بالتربية على حرية الفكر واستقلال الإرادة، ليستقل العقل، ويستقيم الفكر، واستقلال الإرادة هي أساس صحة العقائد، ومعرفة الحق الذي يجب أن يتبع، وقد عُني الإسلام ببناء هذه الدعامة عناية كبرى باتخاذ عدة خطوات؛ منها:
1- جعل البرهان أساس الإيمان الصادق والعقيدة الصحيحة، وبيّن أن كل اعتقاد أو عمل لا يقوم على دلائل الحق، فهو باطل مردود على صاحبه.
 2- أنذر بشدة الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) [لقمان: 20].
 3- طالب كل ذي عقل بالنظر في الكون الفسيح ودلائله الواضحة على وحدانية الله عز وجل وألوهيته وربوبيته، (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) [الأعراف: 185]، وقال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) [ق: 6 - 8]، فاستنهض العقول ووجه الأفهام وأيقظ الحواس ونبه المشاعر بما في الملكوت من دلائل وعلامات، ثم إنه سبحانه قد ذمّ الغافلين ونعى عليهم غفلتهم وإعراضهم عن الآيات الكونية التي يشاهدونها كل لحظة وهم عنها معرضون، فقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46].
 4- ذمّ التقليد الأعمى، وذمّ أهله المعرضين عن الحق الذي جاءت به الرسل والأنبياء، إيثارًا منهم لاتباع الآباء والأجداد، وارتكاب الفواحش باسم الدين، وتعصبًا للجمود والتبعية العمياء، فقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) [المائدة: 104] فالتقليد الأعمى من شر من ابتُلي به الأفراد والجماعات لأنه يجعلها مثل الدواب التي لا تعقل ولا تفكر، ولا تميز بين الخطأ والصواب، ولذلك فقد قرر الإسلام حق الإنسان في التفكير واستقلال الإرادة، ولكن ينبغي هنا أن نوضح أمرين:
 الأول: أن التقليد الذي ذمّه الإسلام، وشدد النكير على أهله، هو التقليد القائم على التبعية العمياء، والجمود على الموروث، ومحاربة الجديد الحديث، ولو كان الجديد أهدى سبيلاً وأقوم طريقة.
 الثاني: أن حرية الفكر التي حفظها الإسلام ودعا إليها، هي الحرية الراشدة التي تطلق العقل من أغلاله وقيوده، تطلقه من الحجر العقلي والكبت الفكري، وليست الحرية التي تنفلت من عقالها فتبحث في الغيبيات وتخترق الحجب، وتجادل فيما لم تره أو تعقله، فتؤدي بصاحبها إلى المهالك التي خاض فيها الفلاسفة ومن سار على دربهم.
 الدعامة الثانية:
 تحرير الإنسان من ظلمة الجهل وأصفاده الغليظة، فالجهل يقتل المواهب، ويئد الملكات، ويطفئ نور القلوب، ويعمي البصائر، ويميت عناصر الحياة والقوة في الأمم، الجهل يفسد دنيا الإنسان وآخرته، الجهل يفسد مناهج الدين والتدين، لأن أهل البدع يجدون في الجهل بتعاليم الدين مجالاً واسعًا لنشر بدعهم وخرافاتهم. وقد عني الإسلام بهذه الدعامة كل الاعتناء، وذلك بصور عديدة منها:
 1- ذم الجهل والجاهلين في مواطن كثيرة، وأنحى باللائمة علي الذين يتبعون الأهواء والظنون بغير علم من الله، كما قال تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى) [النجم: 23]، وقال: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) [آل عمران: 164].
 2- عظّم من شأن العلم والعلماء وحث على طلبه، ونوه بفضله وفضل طالبيه وسالكي طريقه، ورفع منزلة العلماء وجعلهم أهل خشيته، وقرن شهادتهم بشهادته، وجعلهم ينابيع العلم وموارد العرفان ورواد الحق ودلائل الهدى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء: 7]، ونوه بفضل الحكمة وما فيها من خير عميم وفضل كبير، وعندما استوعب المسلمون الأوائل هذه الحقائق حول العلم والحكمة كانوا منارات للعلم شعّ نورها على العالم بأسره، فبنوا المجتمعات العامرة والحضارات الظاهرة، وتكشّفت لهم الأسرار الكونية، فصاروا قبلة للطالبين ومهدًا للمبدعين، وتعاقبت فيهم الأجيال من العلماء والمخترعين ما لم بحدث لأمة من الأمم، حتى إن المؤرخين الاجتماعيين في الغرب لهم مقولة شهيرة في ذلك: "إن ملكة الفنون لم يتم تكوينها في أمة من الأمم الناهضة إلا في ثلاثة أجيال: جيل التقليد، وجيل الخضرمة، وجيل الاستقلال والاجتهاد، إلا العرب وحدهم، فقد تمت لهم ملكة الفنون في الجيل الأول الذي بدؤوا فيه بمزاولتها".
 الدعامة الثالثة:
 تحرير الإنسان من طاعة الأهواء، والانقياد الأعمى لنزواتها ومغرياتها؛ لأن طاعة الأهواء من أقوى عوامل انحراف الإنسان في سلوكه وتفكيره ونظره، لذلك حذّر القرآن الكريم في العديد من الآيات من اتباع الهوى، والانقياد وراء الشهوات والرغبات، ووصف اتباع الأهواء بالعبادة، وذمّ العاكفين عليها، ونعى عليهم ضلالهم، وانحرافهم عن الحق طاعة لأهوائهم، وربط سبحانه بين اتباع الأهواء وبين رفض الاستجابة له سبحانه، واتباع الظنون، والطمس على البصيرة، قال سبحانه: (أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية: 23].
 ومن أجل تنفيذ هذه المنهجية الراقية في تحرير العقل والفكر اعتمد الإسلام على أربع خطوات أساسية:
 1- محاربة التقليد والجمود؛ لأن البناء على أساس عقلي متين يقتضي تنقية الرواسب والأكداس التي خلفتها المناهج الجاهلية والأفكار البالية، وهي الرواسي التي تحوّلت عبر السنين إلى مقدسات وثوابت لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، وهي التي هيمنت على العقول والنفوس، وحجبتها عن الفكر والتأمل والنظر.
 
2- مكافحة المكابرة والعناد؛ والذي يجعل المعاندين والمكابرين يرون الحق ماثلاً أمام أعينهم واضحًا وضوح الشمس، ومع ذلك يردونه ويرفضونه ويختلقون الأكاذيب لرفضه وصرف العقول عنه، كما قال الحق: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ) [الأنفال: 6]، وإذا كان الحق واضحًا أمام أعينهم لا يمكن إنكاره كابروا كما قال الحق: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) [فصلت: 5]، وإذا أحرجتهم الحقائق الملموسة تعنتوا في جدالهم وطالبوا بالمستحيلات، قال تعالى: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً) [الإسراء: 90- 92].
 
3- التأمل والاستنباط؛ وذلك بعد أن تحرر العقول من أغلال التقاليد والمعتقدات الفاسدة وكل معوقات النظر السليم، عندها تستطيع العقول أن تنطلق حرة طليقة باحثة عن الحق، ومتطلعة إلى الهداية، وآيات التأمل في الملكوت كثيرة ومتنوعة في كتاب الله، منها ما يدعو للنظر في السموات والأرض والكون بكل ما فيه من بدائع وفرائد، بما في ذلك جسم الإنسان نفسه.
 
4- النتائج العقلية مؤيدة بالبراهين؛ وذلك لعد تحرر العقول من قيودها الموروثة، وتنطلق في سماء التدبر والتأمل، بعدها يفتح الله عليها من أسرار وخزائن المعرفة والمكشوفات، ما يجعلها تصل لنتائج باهرة مؤيدة بالبراهين العقلية التي تكون حجة على الجاحدين والمعاندين، وهو ما يسميه العلماء الإعجاز العلمي في القرآن والسنة والذي كان السبب في إسلام كثير من علماء الغرب.
 
الإسلام قد تفهم منذ البداية أن الناس في الفهم والفكر وإدراك حقائق الأشياء لن يكونوا متماثلين، فقد خلقهم الله -عز وجل- على درجات متفاوتة، لذلك طالبهم جميعًا على اختلاف أنظارهم أن ينظروا في ملكوت السموات والتأمل وإعمال عقولهم وتحريرها من الأغلال والآصار الموروثة التي أدت بعقولهم كأنها لاغية ومطموسة كما قال الله -عز وجل-: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) [الفرقان: 44].
 
 
 
نقلاً عن موقع ملتقى الخطباء

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة