المرأة الفلسطينية والعمل الجاد في الدعوة والجهاد

الجمعة 30 ديسمبر 2016 06:52 ص بتوقيت القدس المحتلة

المرأة الفلسطينية والعمل الجاد في الدعوة والجهاد

جميلة الشنقيطي

انطلاقاً من إدراك المرأة الفلسطينية أن كل من اتَّبع نبينا محمداً - صلى الله عليه ‏وسلم - من ذكر أو أنثى سبيله الدعوة إلى الله على بصيرة كما جاء في قوله - ‏تعالى -: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا ‏أَنَا مِنَ الْـمُشْرِكِينَ [يوسف: 108]؛ فإنها فهمت من ذلك أن الله - سبحانه وتعالى - ‏قد أوجب عليها الدعوة إلى الله كما أوجبها على الرجل، وعلى ذلك فهي مطالبة ‏في هذا المجال بما يلي: ‏

‏- أن تدعو إلى الله وإلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والصبر على مشاق ‏الدعوة وعدم اليأس مهما عارضها أو عاندها كثير من المدعوات. ‏

‏- أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في حدود طاقتها ووَفْق ما تسمح به ‏ظروفها. ‏

‏- أن تجاهد في سبيل الله كل أنواع الجهاد ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. ‏

ولقـد تعرضـت المرأة الفلســطينية شأنها في ذلك شأن غيرها من النـساء في ‏المجتمـعات العربـية والإسـلامية؛ لهـجمة شرسة تحت مسميات متعددة بهدف ‏انتزاعها من جذورها وهويتها، ومحاولة حرفها وجرفها في تيارات معادية لهذا ‏الدين. ‏

تعرضت المرأة الفلسطينية في مشوار حياتها إلى نكبات متتالية، ومن ثم باتت ‏بحاجة إلى من يرعاها ويوجهها الوجهة الصحيحة.‏

وأشد هذه الضربات كان عام النكبة 1948م حيث فقدت كل شيء وانتقلت إلى ‏واقع جديد، وتفرَّق الشمل في الشتات، ولكن رغم ذلك فإن القراءة لهذا الواقع في ‏هذه الفترة تشير إلى أن المرأة وقفت سداً منيعاً أمام الإحباط والانهيار، وحاولت ‏أن تكيف نفسها مع الواقع الجديد بكل آلامه، وما إن تعافت قليلاً حتى جاءت نكسة ‏عام 1967م فبدت مذهولة، غير أن ذهولها لم يدم طويلاً، حتى شرعت في البحث ‏عن كل ما يشدُّ عضد أهلها وأبناء شعبها. ‏

وفي أوائل السبعينيات الميلادية من القرن الماضي ومع بروز قوة الحركة ‏الإســلامية، التي كان يتزعمها الشيخ أحــمد ياســين؛ لم يُغفِل - رحمه الله - أهمية ‏دور المرأة، وهذه كــانت بدايات العمل الإسلامي النسائي في قطاع غزة. ‏

دور الشيخ أحمد ياسين في نهضة العمل الإسلامي النسائي: ‏

‏- كان - رحمه الله - يخصص جلسة أسبوعية يلتقي فيها بالأخوات؛ يسمع ويناقش ‏ويرشد ويوجه، ويدعمهن معنوياً ومادياً. ‏

‏- تخصيص مكان للنساء في كل مسجد يتم بناؤه ليكون شرارة الدعوة في الحي ‏الذي ينشأ فيه. ‏

‏- تخصيص قسم للأخوات في المجمع الإسلامي والجمعيات الإسلامية. ‏

‏- الاهتمام ببناء رياض الأطفال الإسلامية في المدن والقرى والمخيمات، حيث ‏يتحقق من خلال تلك الرِّياض أمران اثنان: ‏

الأول: تنشئة الأطفال تنشئة إسلامية صحيحة. ‏

الثاني: التواصل مع أولياء الأمور. ‏

‏- بناء الجامعة الإسلامية، وتخصيص قسم للطالبات، حيث كان لإنشاء الجامعة ‏الإسلامية الدور البارز في قطاع غزة، فقد بدأت الجامعة تبث في المجتمع الأفكار ‏والعقيدة والدعوة الإسلامية، في وقت كانت التيارات العَلْمانية واليسارية تملأ ‏الساحة. ‏

صراع الأفكار: ‏

‏1 - المرأة في المجتمع الفلسطيني كغيرها في المجتمعات العربية والإسلامية ‏تعرَّضت إلى هجمة ما يسمى بـ (البرنامج النسوي المعولم) والذي يطالب بحقوق ‏النساء انبثاقاً من مواثيق ومؤتمرات دولية، وتبنِّي مثل هذه الأفكار ممن ينتسبن ‏إلى التيار العَلْماني والماركسي، ولكن هذه الدعوات لم تنجح كما كان مخططاً لها ‏رغم الدعم المادي السخي المقدَّم لها من المؤسسات العالمية. ‏

ومُلِئَ القطاع بمؤسسات وجمعيات، ورغم كثرتها إلا أنه كان هناك شبه تباعد ‏بينها وبين المجتمع الفلسطيني؛ لأن كل ما تقدمه هذه الجمعيات كان بعيداً عن ‏الواقع المعاش للمرأة الفلسطينية، وهذا ما جعل الخطاب الإسلامي أقرب إلى ‏مرأى المرأة الفلسطينية ومسمعها. ‏

‏2 - الموروثات الخاطئة التي كانت تسود أوساط المجتمع الفلسطيني من عادات ‏وتقاليد وأعراف لا أصل لها في الإسلام، ومع ذلك يعدونها من الدين ويتهمون ‏الحركة الإسلامية بها وبكثير من المغالطات؛ بغرض صرف الناس عن الالتفاف ‏حول المشروع الإسلامي. ‏

من هنا واجهت الحركة الإسلامية النسائية منذ البدايات تحديات كبيرة كان لابد من ‏مواجهتها، وهذه كانت أكبر المشكلات، حيث كان هناك ما يشبه الجفول من ‏التعامل مع كل ما هو متديِّن؛ لكثرة الشبهات والشائعات التي كانت تُبَث. ‏

أمام كل هذه التحديات جاء دور الحركة الإسلامية النسائية، فبدأت تبلور برنامجاً ‏واضحاً مستنداً إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، وبدأت الحركة تميط اللِّثام عن ‏كثير من الموروثات والعادات والتقاليد وتدافع عن حقوق المرأة التي أعطاها إياها ‏الإسلام، واستطاعت - بفضل الله - وَفْق خطة مبرمجة أن تحوز على ثقة المجتمع ‏واحترامه، ومن هنا بدأ الالتفاف حول الحركة الإسلامية النسائية. ‏

وأمام انتشار الدعوة في وسط النساء؛ بدأت البرامج الإسلامية والدعوية التي ‏تقدمها الحركة الإسلامية النسوية تلقى قبولاً منقطع النظير، وبدا ظاهراً انحسار ‏البرامج الأخرى بشكل ملحوظ. ‏

تجربة الحركة الإسلامية النسائية في قطاع غزة: ‏

كثير من المحلِّلين السياسيين والإعلاميين الذين تابعوا الأحداث داخل الأراضي ‏العربية المحتلة لاحظوا الحضور النسائي القوي للحركة الإسلامية ومواقف ‏الصمود والممانعة التي سجلتها المرأة الفلسطينية. ‏

ونقول: إن هذا الحضور هو ثمرة جهد وعمل دؤوب، وفي ظل ظروف صعبة ‏شقَّت الحركة الإسلامية النسائية طريقها في الدعوة إلى الله وحملت التكليف بكل ‏أمانة استجابةً لقول ربها: وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ ‏بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ [التوبة: 17]. ‏

وسأتناول في حديثي عن تجربة الحركة الإسلامية النسائية الدعوية ثلاثة جوانب: ‏

‏- الجانب الدعوي. ‏

‏- الجانب السياسي. ‏

‏- الجانب الجهادي. ‏

أولاً: الجانب الدعوي: ‏

لكي تقوم المرأة بدورها الحقيقي في الدعوة إلى الله على أكمل وجه فلا بد لها من ‏أن تمتلك قدراً من العلم والقدرة والتأثير، وكذلك لا بد أن يكون لديها وقت وجهد ‏يمكنانها من أداء واجباتها على أحسن وجه. ‏

ومن هنا كان العمل على إيجاد نماذج نسائية دعوية متميزة تحمل على عاتقها ‏حِمْل هذه المهمة الصعبة، وكان للشيخ أحمد ياسين - رحمه الله - الدور الكبير في ‏إعداد وتقوية هذه الثلة الأولى والتي أثمرت بفضل إخلاصها لله وعملها؛ والحمد ‏لله. ‏

ولقد كانت انطلاقة العمل الإسلامي النسائي الدعوي عبر الوسائل التالية: ‏

‏1 - المساجد: ‏

لقد شكَّل المسجد منبراً حراً للحركة الإسلامية بشكل عام وللنساء بشكل خاص، ‏وكما أسلفنا سابقاً فقد كان يخصص قسم للنساء في كل مسجد، تقام فيه الندوات ‏والمحاضرات والأيام الثقافية، وأيام طبية، ومراكز تحفيظ. ويضم كل مسجد لجنة ‏تشرف على أنشطته، ومن مهامها الأساسية: التعرف على أهل الحي المحيطين ‏بالمسجد والتواصل مع الناس والتعرف على حاجاتهم ومساعدتهم في حلِّ الكثير ‏من مشاكلهم. ‏

ولقد أثار الصهاينةَ وأفزعهم نشاطُ الأخوات المسلمات في المساجد؛ لأنهم يرقبون ‏ما يجري في الأراضي المحتلة عن كثب. ‏

ففي ملحق صحيفة (هآرتس) اليهودية الصادرة بتاريخ 13/7/1979م والذي ‏خصصته كاملاً للحديث عن الصحوة الإسلامية في فلسطين؛ كان مما قاله الكاتب ‏وقتها: «إن النشاط الإسلامي ليس مقتصراً على رجال الدين وحدهم، بل إن ‏الواعظات المسلمات لهن دور كبير في تزايد الوعي الإسلامي في البلاد من خلال ‏الدروس المنتظمة التي تقوم عليها النساء في المساجد مما كان لهذه الدروس أثر ‏كبير في عودة كثيرات إلى الإسلام وامتلاء المساجد بهن». ‏

‏2 - رياض الأطفال: ‏

نجحت الحركة الإسلامية النسائية في توظيف رياض الأطفال في خدمة الدعوة إلى ‏الله، ولقد تميَّزت رياض الأطفال الإسلامية بمستوى عالٍ من الخدمة والتربية، ‏ونالت ثقة الجمهور ورضاهم، ولاقت إقبالاً منقطع النظير. ‏

وكان لتأسيس هذا الجيل من الأطفال الأثر الكبير في توجيه ثقافة المجتمع نحو ‏الجهاد ومقاومة الأفكار الاستسلامية التي كانت تُصَدَّر لمجتمعنا. ‏

ولقد تخرَّج في هذه الرِّياض جيل الانتفاضة الأول عام 1987م، وكذلك جيل ‏انتفاضة الأقصى عام 2000م. ‏

ورياض الأطفال لها أهمية من حيث التواصل مع أولياء أمور الطلبة، ولقد كان ‏للخدمة الرائدة لأبنائهم أثر كبير مما جعلهم يحترمون هذا العطاء ويقدرونه، ‏وساهم ذلك في التأثير عليهم مما غيَّر نمط حياة كثير من البيوت، وهناك كثير من ‏قصص الهداية للآباء والأمهات على أيدي أولادهم رواد الرياض الإسلامية. ‏

‏3 - الكتلة الإسلامية: ‏

وهي الجسم الطلابي للحركة الإسلامية، والعمل الكتلي يمتدُّ من المدرسة الابتدائية ‏وحتى المرحلة الجامعية. ‏

ففي المدارس والجامعات تُشكَّل لجان كتلية متعددة الأنشطة، تقوم بدورها في ‏المدرسة والجامعة من خلال الإشراف على الإذاعة المدرسية، وتوزيع النشرات، ‏وعمل الملصقات، وإحياء المناسبات، وعمل الندوات والمحاضرات، ومساعدة ‏الطالبات المحتاجات، وعمل المهرجانات، والقيام بالرحلات، وتكريم الطالبات ‏المتفوقات. ‏

ولقد كان للكتلة وبرامجها المتميزة الدور الكبير في بث روح الإيمان والصبر ‏والعزيمة في نفوس المعلمات والطالبات على حدٍّ سواء، وكذلك قطع الطريق على ‏الاختراقات الأمنية التي كان يقوم بها العدو الصهيوني بين حين وآخر ليكسر ‏شوكة صمود مجتمعنا. ‏

‏4 - النقابـــــات: ‏

حيث تقوم النقابة بتقديم الخدمات وحل المشكلات داخل أعضاء النقابة. ونتيجة ‏للإخلاص والعمل الدؤوب والعطاء بلا حدود الذي تقوم به الأخوات وإبداء ‏الاحترام والتقدير منهم تجاه الفئات الأخرى..كل ذلك أعطى الثقة في الإخوة ‏والأخوات، مما فتح الباب للحركة الإسلامية على مصراعيه لتحرز انتصارات ‏باهرة في النقابات.‏

‏5 - أعراس الشهداء: ‏

حيث تتناوب الأخوات في عرس الشهيد طوال ثلاثة أيام، ويقمن بتحويل العزاء ‏إلى عرس حقيقي من خلال الأناشيد الإسلامية والمحاضرات التي تبث الصبر ‏والتثبيت في عائلة الشهيد بالإضافة إلى المحاضرات الوعظية والإرشادية وكذلك ‏تقديم العون والمساعدة لآل الشهيد.‏

وأعتقد أن هذا الحضور المرتَّب كان له أثر كبير في التفاف الناس حول المشروع ‏الإسلامي. ‏

‏6 - الجمعيات والمؤسسات الإسلامية: ‏

لقد عملت الحركة النسائية من خلال مؤسسات المجمع الإسلامي والجمعية ‏الإسلامية وجمعية الشابات المسلمات وجمعية الصلاح الإسلامية. ‏

وقد أدت هذه الجمعيات دور الممانعة في وجه جمعيات ومؤسسات لاقت ضخّاً ‏مالياً هائلاً من السلطة وأجهزة الأمن السابقة؛ لتنفيذ مخططات وحملات كبيرة ‏شملت الكثير من القضايا الاجتماعية الحساسة، ومسَّت بالكثير من الثوابت الدينية ‏والمسلَّمات الاجتماعية؛ ومن ثم كانت المؤسسات والجمعيات الإسلامية رغم ‏محاصرتها وحبس الأموال عنها، وإقفالها من حين إلى آخر؛ إلا أنها بقيت قوية ‏في وجه تلك المؤسسات والجمعيات المشبوهة. ‏

إن قوة عمل المؤسسات والجمعيات الإسلامية ووجودها ومصداقيتها مع الجمهور ‏كل ذلك شكَّل تهديداً لأسس وقواعد وجود تلك الجمعيات المشبوهة، فانكفأت على ‏نفسها تحيط بها قلة من المنتفعين بها دون فاعلية أو تأثير. ‏

ثانياً: الجانب السياسي: ‏

للحركة الإسلامية النسائية في غزة حضور سياسي جيد وكذلك رأي يُعتدُّ به في ‏اتخاذ القرار السياسي والاستراتيجي في الحركة، وهي أيضاً صاحبة قرار حرٍّ، ‏ولا يُفْرض عليها قرار دون مـوافقتها، وهذا ما أصَّله الشيخ أحمد ياسين - رحمه ‏الله -. ‏

ويتجلّى تميّز الأداء السياسي في عدة مظاهر، منها: ‏

‏- الفعاليات والمهرجانات التي تقوم بها الحركة الإسلامية النسائية؛ فقد كان لها في ‏نفوس بناتها دور كبير في تحريك الشارع الفلسطيني ضد الاحتلال ومساندة ‏المقاومة. ‏

‏- الانتخابات النقابية والكتلية. ‏

‏- الانتخابات البلدية. ‏

‏- الانتخابات التشريعية. ‏

ولقد استطاعت الحركة النسائية الإسلامية بما تملكه من قاعدة عريضة وتواصل ‏جيد مع المجتمع من خلال المساجد والرِّياض المدرسية والكتل والنقابات، ونتيجة ‏للثقة التي حازتها خلال مشوارها الدعوي؛ استطاعت الوصول إلى كل بيت ‏وإيصال الفكرة الإسلامية وإزالة أي لبس وغموض أو شُبَه تحوم حولها، وقُمْنَ ‏بدور عظيم في الدعاية الانتخابية وفي يوم الانتخابات، مما كان له الأثر في ‏النجاح الباهر الذي حققته الحركة سواء كان في البلديات أو في المجلس التشريعي. ‏

لقد سجلت نساء الحركة الإسلامية النسائية نجاحاً نوعياً على جميع الأصعدة التي ‏ساهمت فيها، ولها الآن حضور سياسي في كل الأروقة السياسية، ومع ذلك ‏ضربت المثل في المحافظة على التزامها والتقيد بالشريعة الإسلامية في كل ‏خطواتها، وهي بذلك تثبت أن العمل السياسي بالنسبة للمرأة يكون ناجحاً أكثر من ‏خلال الدعوة والعقيدة؛ لأن ذلك يشكل انضباطاً ذاتياً للمرأة ومرجعية قوية تحميها ‏من عواصف السياسة. ونقــول نحــن - نســاءَ الحركة الإسلامية -: إن ديننا أفسح ‏العمل والمشاركة للمرأة في المجالات كافة؛ فلقد أبدعت الأخوات في عطائهن ‏بوصفهن عضوات في البلدية ونائبات في المجلس التشريعي وفي الوزارة. ‏

كذلك سجلت الأخوات حضوراً فاعلاً ومتميزاً في كثير من المؤتمرات وورش ‏العمل وفي المناقشات، ونافسن بالفكرة الإسلامية القوية كل الأفكار المستغربة ‏التي تحملها الأخريات. ‏

ثالثاً: الجانب الجهادي: ‏

لم تكن قضية إشراك المرأة الفلسطينية في العمل الجهادي المقاوم بأشكاله وأساليبه ‏وأطواره كافة؛ مثارَ جدل أو إشكال حاد في تاريخ الشعب الفلسطيني وقضيته؛ ‏فالمعاناة الفلسطينية الهائلة التي ولَّدها الاحتلال، ونالت أوجه الحياة كافة؛ جعلت ‏منها جحيماً لا يطاق ولم تترك مساحة لأي جدل ولم تدع خياراً لأحد - رجالاً ‏ونساءً، شيباً وشباناً وأطفالاً - إلا اللحاق بالمقاومة ومحاولة رد العدوان وكف ‏الأذى؛ فالمرأة - كما هو الرجل - تشرَّبت الألم، وتذوقت المعاناة، وعانت ‏المصائب، ولم يراعِ الاحتلال لها أيَّ حرمة، ولم يوقر لها أمومة، ولذلك فهي ‏باتت على خط المواجهة الساخن مع قوات الاحتلال تبادله النار بالنار، والدم بالدم، ‏والقتل بالقتل، دون تردُّد، عبر العمليات الاستشهادية، والتصدي للاجتياحات، ‏وإيواء المقاومين. ‏

المظاهر الجهادية وصور الممانعة المقاومة للمرأة الفلسطينية في قطاع غزة: ‏

المظهر الأول: ‏

‏1 - تعرّض أكثر من عشرة آلاف فلسطينية للاعتقال منذ عام 1967م. ‏

‏2 - اعتقال زوجات المجاهدين وأمهاتهم وبناتهم وأخواتهم والتحقيق معهن لإيجاد ‏حالة من الضغط النفسي على المجاهدين ليضطروا إلى الاعتراف. ‏

‏3 - صبر زوجات الأسرى اللواتي لم يمر على زواجهن إلا أشهر قليلة، وبالرغم ‏من ذلك فهن يرفضن الانفصال بل يؤكدن إصرارهن على المصابرة والوقوف ‏إلى جانب أزواجهن، والنماذج في ذلك كثيرة ولكن المقام لا يسمح بذكرها. ‏

‏4 - اضطرار زوجات المجاهدين المطاردين وعوائلهم أحياناً للتنقل في الشهر ‏الواحد لأكثر من مسكن خوفاً من الملاحقة والمطاردة، وأعتقد أن هذه قمة ‏المعاناة، ومع ذلك فالصبر منهن في أعلى درجاته. ‏

‏5 - ونقول: إذا كانت الصحابيات قد هاجرن إلى حيث الأمان؛ فإن المرأة ‏الفلسطينية تهاجر من بيت إلى بيت والموت والقتل والدمار يلاحقها هي وأولادها. ‏

المظهر الثاني: وهي المشاركة الفعلية في الجهاد: ‏

‏1 - فالمرأة تقوم بتجهيز ابنها وأخيها وهو خارج للرباط، وتودعه وتدعمه ‏بالثبات، قائلةً له: (أريدك مقبلاً غير مدبر). ‏

‏2 - المرأة تحتضن المقاومة، فالمرابطون يحتمون في بيتها، وهي التي تسهر على ‏أكلهم وشربهم، وتساعدهم إن أرادوا التنقل في حمل أمتعتهم. ‏

‏3 - المرأة على استعداد لأن تخرج إلى أيِّ عمل جهادي؛ فهي تمتلك القوة ‏والشجاعة كما حدث في ملحمة فدائيات الحصار في بيت حانون. ‏

‏4 - المرأة تبقى في بيتها ويُهدم على رأسها ولا تتركه، بل تنصب خيمة على ‏أنقاضه وترفع شعار التحدي والصمود: (لن أرحل). ‏

‏5 - أريد أن أقول وبشيء من الاعتزاز بقادة الحركة الإسلامية من الرجال ‏والنساء: إنهم أول من يقدمون أبناءهم في ميادين الجهاد ويعيشون حياة المطاردة ‏والملاحقة والمصابرة، نعم! هذه ضريبة القيادة في فلسطين. ‏

‏6 - المرأة الفلسطينية في الحركة الإسلامية النسائية تجيد استعمال السلاح؛ فقد ‏تعلَّمت على يد ابنها أو زوجها أو أخيها؛ لأنه يجب أن تتعلم وتتدرب، ولها قدوة ‏في تاريخها وحضارتها كما جاء في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد ‏تقضي الضرورة أن تشتبك مع العدو بحيث لا تقع في يده لقمة سائغة. ‏

أخرج مسلم عن أنس - رضي الله عنه -: «أن أم سليــم - رضي الله عنها - اتخذت ‏يوم حنين خنجراً فكان معها تحمله باستمرار، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول ‏الله! هذه أم سليم معها خنجر. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما هذا ‏الخنجر؟ فقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول ‏الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك». ‏

وفي الختام نقول: إن هذا العطاء الذي تقدمه المرأة الفلسطينية في الحركة ‏الإسلامية إنما يمتد ليتعــانق مــع ما قدَّمته شهيرات خنساوات الإسلام بل ‏منافستهن. ‏

وخـتاماً: حمـداً لله وثنـاءً عليـه، وصلاة وسلاماً على رسله وأنبيائه وخاتمهم نبينا ‏محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين. ‏

نقلاً عن موقع مجلة البيان

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة