الضوابط الشرعية لوسائل نصرة المسلمين

الجمعة 06 يناير 2017 12:04 م بتوقيت القدس المحتلة

الضوابط الشرعية لوسائل نصرة المسلمين

أبو يزيد المدني

‏ إنّ من آكد الواجبات الشرعية والحقوق المرعية بين المؤمنين, هو ‏المسارعة للذب عن حرماتهم المنتهكة, ودمائهم المهراقة ‏

وهذا من تمام الولاية المعقودة بين المؤمنين إلى يوم الدين, قال تعالى: ‏‏{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (التوبة 71).‏

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ‏اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ ‏يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي ‏الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏بَصِيرٌ} (الأنفال 72).‏

وفي ظلّ هذه الأحداث المؤلمة المدلهمة, التي ألقت بظلالها القاتمة على ‏ربوع أرض العزّة؛ نجد المسلمين قد انقسموا تجاه قضية ‏نصرة المستضعفين إلى طوائف شتى, وطرائق قدداً, أكثرهم قد جانب الصواب في ‏فعاله, وإن حسن قصده, وليس ذلك بشافع له.‏

وإنّ الناظر بعين الناقد البصيرة, يجدّ هذه الطوائف ترجع في الغالب إلى ‏ثلاثة أقسام: ‏

القسم الأول: المرجفون والمثبّطون والمتقاعسون.‏

فهؤلاء الفئة من المخالفين والمتخلفين, والمثبطين والمتقاعسين عن نصرة ‏إخوانهم المسلمين - الذين يصطلون بجحيم الهمجية اليهودية الصهيونية ‏الحاقدة -, وهم في سباتهم يغطّون, كما قال القائل: ‏

في كلّ يوم تستباح ديارنا ...... ونساق نحو الذبح كالقطعان.‏

شعب يباد وأمّة مقهورة ....... والناس بين مذبذب وجبان.‏

هم مسبّة الأزمان, ومذلّة الأوطان, قد أشربت قلوب أكثرهم بالنفاق, ‏وأدنفت صدورهم بالأمراض والعاهات, قال تعالى في وصفهم: {لَئِنْ لَمْ ‏يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ ‏بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً} (الأحزاب 60). ‏

وليتهم إذ تخلفوا سكتوا, ولكنهم أرجفوا وثبطوا همم المنتصرين, فليحملن ‏أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم كاملة يوم الدين.‏

أترى تلك الآهات وتلك الصرخات, وتلك الدماء النازفة, والأشلاء المتناثرة ‏لم تحرّك فيهم ساكناً, أمّ أنّ الهوان قد جثم على قلوبهم, فتبلّدت أحاسيسهم, ‏ومسخت طباعهم.‏

ولم يجد هؤلاء المثبّطون حيلة يدفعون بها نظرات المقت, وعبارات ‏السخرية عنهم, غير حجج واهية, وشبه متهالكة, يلوّحون بها تارة, ‏ويجلبون بها تارة أخرى.‏

فتسمع قائلهم يقول: ألم نحذركم من قبل, أن لا تَدَعُوا للجهاد راية, ولا ‏للأبطال الأفذاذ وطناً ولا ولاية.‏

ويقول آخرون: دعونا نلجأ للحوار مع الآخر - وتالله صار أعداء الملّة ‏يخاطبون بلفظ الغير والآخر تعمية للأبصار-‏

وينادي آخرون بضرورة الالتجاء والانكسار بين يدي الأمم الملحدة, فهي ‏المعين الناصر, ولا منصف لنا غيرها.‏

بينما يترقى أقوام آخرون في سلم الخذلان, فيقصرون النصرة على المآكل ‏والمشارب والمفارش, وكأن وسائل النصرة ضاقت في هذا الزمن الحائن, ‏فغدت مقصورة على الكرش والفرش.‏

فأين هؤلاء من صرير السيوف المهنّدة, والعاديات الضابحة, والموريات ‏القادحة, والقنابل المروّعة, وصنوف الأسلحة المنكّلة بالأعداء.‏

فلا يفلّ الحديد إلا الحديد, ولا يقطع دابر العدوان, ويحمي حمى الأوطان ‏غير التضحية, والشجاعة, والقوة, لا الخور والهوان.‏

ومظاهر الخذلان متنوّعة متباينة, والذي يحزّ في النفس, ويملأ القلوب ‏كمداً أن يأتي التخذيل ممن تعقد عليهم الآمال في صنع أمجاد هذه الأمة, ‏من المستقيمين, وبعض الدعاة, وأفراد من العلماء.‏

والقسم الثاني: هم الغلاة في كلّ حين.‏

الذين فهموا النصرة على أنها تفجير وتدمير في كل مكان وأوان, ليشمل ‏المعاهدين وأهل الذمة وغيرهم, من الآمنين في الأوطان.‏

قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ ‏دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة 8).‏

نعم إن قلوبنا تلعن الكفر والكفار على اختلاف مللهم ونحلهم, ولكن لا ‏يحملنا ذلك البغض والشنآن على تعدّي حكم الله فيهم.‏

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ‏شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ ‏بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة 8).‏

ويلجأ آخرون في ثورة الغضب إلى وسائل بدعية ما أنزل الله بها من ‏سلطان – والبدعة غلو في الشريعة, ومجازة للحدّ-, لا تحقق نصراً, ولا ‏تنصر مظلوماً, بل هي غوغائية المسلك, غربية المصدر, كالمظاهرات ‏وغيرها.‏

وكان الأولى بهؤلاء الثائرين -وهم محمودون على حرقتهم على هذا الدين, ‏وصدق نصرتهم وغيرتهم- أن يلجأوا إلى الوسائل المشروعة, التي تحقق ‏الغاية والمقصود.‏

إذ أنّ الحماس إذا لم ينضبط بميزان الشرع, كان ضرره أعظم من نفعه, ‏وربما كان وبالاً وشراً, وأحداث التاريخ خير شاهد على ذلك.‏

أما القسم الثالث: فهم أهل الحق في كلّ عصر ومصر.‏

لم يحملهم الحماس على تعدّي شرع الله, ولم تشغلهم الدنيا عن نصرة ‏إخوانهم.‏

وزنوا أفعالهم بميزان الشرع, فانضبطت وسائل نصرتهم, فلا شطط ولا ‏وكس, والحقّ أبلج والباطل لجلج.‏

سبيلهم في ذلك ردّ ما عنّ لهم في عقولهم, وعرضه على الكتاب والسنة, إذ ‏لا سبيل لمعرفة وسائل نصرة المؤمنين إلاّ بالرجوع إلى الكتاب والسنة, ‏فهما الفيصل في كلّ نازلة, والمخرج عند كلّ ضائقة.‏

قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ‏الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ ‏عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً} (النساء 83).‏

والنصرة ليست مقصورة على الحكومات, أو الهيئات والمؤسسات, بل ‏تتعدّاها بكثير, وليست مقصورة على الوسائل المادية فقط, بل هي وسائل ‏وجدانية في المقام الأوّل.‏

فمنطلق هذه الوسائل من إصلاح الأنفس وتطهير القلوب, من أدران ‏الشبهات وأوحال الشهوات, لأنه ما ألمّ بهذه الأمة بلاء إلا بذنب ولا رفع ‏إلا بتوبة.‏

قال تعالى: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ ‏عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران 165).‏

فطريق النصرة يبدأ بالتوبة والإنابة, كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا ‏بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد 11).‏

ألسنا حال الجدب نستنـزل القطر بالدعاء والتوبة وصدق الالتجاء, كذلك ‏النصر.‏

قال تعالى: { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ ‏يَقُومُالأَشْهَادُ} (غافر 51).‏

وتعمّ النصرة أيضاً كافة طبقات المجتمع من: ‏

‏- الفرد المسلم.‏

‏- والدعاة والأئمة والعلماء.‏

‏- الإعلاميين والمفكرين.‏

‏- الأغنياء والموسورين.‏

‏- المؤسسات الخيرية والدعوية.‏

‏- الأسرة والمجتمع.‏

‏- قطاع التربية والتعليم.‏

‏- الحكومات المسلمة.‏

ولست بصدد تعداد وسائل النصرة الشرعية, لأنّ ذلك متعذّر في هذا المقام, ‏لذا آثرت وضع القواعد الكليّة, والضوابط الشرعية, حتى تكون ميزانا ‏توزن به كلّ وسائل النصرة, فما كان موافقاً لهذه الضوابط فهو المحمود ‏شرعاً وعقلاً, وما سواه فهو المبتدع الباطل, وإن حسنت مقاصد فاعليه.‏

فلوسائل النصرة ضوابط تصونها عن الاضطراب, وشروط تحفظها عن ‏الخلل والفساد.‏

وهذه الضوابط لا بد من مراعاتها, حفاظاً على الاعتدال, وسداً لباب ‏التوسع غير المحمود, ومن هذه الضوابط ما يلي: ‏

أولاً: أن تكون هذه الوسائل نابعة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ‏وسلم, وما أجمع عليه سلف الأمة الصالح رحمهم الله.‏

فإن كانت الوسيلة مخالفة لنصوص الشرع وقواعده العامة, فلا يشرع ‏التوسل بها إلى المقاصد والغايات.‏

قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله: "لا يتقرب إلى الله إلاّ بأنواع ‏المصالح والخيور, ولا يتقرّب إليه بشيء من أنواع المفاسد والشرور"[1].‏

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ليس كلّ سبب نال به الإنسان ‏حاجته يكون مشروعاً ولا مباحاً, وإنما يكون مشروعاً إذا غلبت مصلحته ‏على مفسدته, مما أذن فيه الشرع"[2].‏

ثانياً: أن يكون المقصود من الوسيلة مشروعاً, فإن كان ممنوعاً شرعاً فلا ‏يتوسَّل إليه بأي وسيلة, لأنّ النهي عن المقصد نهي عن جميع وسائله ‏المؤدية إليه([3].‏

ثالثاً: أن تؤدي الوسيلة إلى المقصد المشروع, إما على سبيل القطع أو الظن ‏أو الاحتمال المساوي([4].‏

وأداء الوسيلة إلى مقصودها له حالات: ‏

أن يكون الأداء إلى المقصود ثابتاً قطعاً, فلا إشكال في مشروعية الوسيلة, ‏وذلك لتحقق المقصود منها وحصوله قطعاً, كالنصرة بالمال والأنفس.‏

أن يكون الأداء إلى المقصود منتفياً قطعاً, فيسقط اعتبار الوسيلة, لأن ‏الوسائل إنما شرعت لتحصيل مقاصدها, فإذا انتفى المقصود كان تحصيل ‏الوسيلة عبثاً.‏

أن يكون الأداء إلى المقصود مظنوناً حصوله أو مظنوناً انتفاؤه, فهذه من ‏مواضع الاجتهاد, والخلاف فيها سائغ, وإن كان الأظهر كما قال الشاطبي ‏أن أداء الوسيلة إلى المقصود إن كان مظنوناً حصوله فالوسيلة باقية على ‏أصل المشروعية[5].‏

رابعاً: أن لا يترتب على الأخذ بتلك الوسيلة مفسدة أكبر من المصلحة ‏المقصودة منها.‏

فإن كانت تؤدي إلى مفسدة أكبر فلا يشرع التوسل بها, لأنّ درء المفسدة ‏الراجحة أولى من جلب المصلحة المرجوحة.‏

خامساً: ألاّ يَعْلَق بالوسيلة وصف ممنوع شرعاً.‏

فالوسيلة قد لا تكون في ذاتها مخالفة للشرع, ولكن يعلق بها وصف ‏خارجي ممنوع شرعاً, مثل كونها شعاراً للكفار, فتمنع مباشرتها لأجل ذلك ‏الوصف([6]‏

ومثال ذلك المظاهرات والمسيرات.‏

هذا ما تيسّر جمعه, في هذه العجالة, والله الموفق والهادي إلى سواء ‏السبيل.‏

‏________________________________________‏

‏ [1] "قواعد الأحكام" 1/112.‏

‏[2] "مجموع الفتاوى" 27/177.‏

‏[3] انظر: "مجموع الفتاوى" 11/620.‏

‏[4] "الموافقات" للشاطبي 1/250.‏

‏([5] "الموافقات" للشاطبي 1/250.‏

‏[6] انظر: المدخل للبيانوني, ص 297. ‏

منار الجزائر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة