غزة.. رسائل القرآن

الجمعة 24 مارس 2017 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

غزة.. رسائل القرآن

د. علي بادحدح

سؤال قد يكون غريباً أو لا موقع له من الإعراب -كما يُقال- هل نحن نقرأ القرآن؟ هل نتلوه حق تلاوته؟ هل ندرك معانيه ونفهمها؟ هل نتدبره ونتأثر به؟ هل نوقن ونعمل بموجبه؟.

ثارت هذه الأسئلة في ذهني وأنا أستمع لآيات الجزء الثامن والعشرين في صلاة التراويح ليلة البارحة في الحرم المكي واستحضرتُ على الفور كلمة الحسن البصري رحمه الله التي يقول فيها: "إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها في النهار"، ولستُ في هذا المقام إلا مذكراً ببعض هذه الآيات التي استمعتُ إليها البارحة، ولو شئت أن أزيد كذلك في الجزء السابع الذي تُلي في التهجد فإننا سيطول مقامنا.

يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ {5} يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} (المجادلة: 5-6)، هذه الآيات التي ينبغي أن ننظر إليها مرتبطة بالواقع وكونها رسائل من الله عز وجل، {الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال السعدي: "مخالفتهما ومعصيتهما –أي: الله ورسوله- خصوصاً في الأمور الفظيعة –وما هي هذه الأمور الفظيعة؟- كمحادة الله ورسوله بالكفر ومعاداة أولياء الله"، وكم رأينا اليوم من معاداة صريحة واضحة فاضحة نطقت بها الألسن وصدقتها الأعمال في مواجهة أهلنا وإخواننا المرابطين والمجاهدين في أرض فلسطين غزة وعموم فلسطين، {كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} {كُبِتُوا} أي: أذلوا وأهينوا كما فُعِلَ بمن قبلهم جزاء وفاقا، وأحسب أن هؤلاء كبتوا -بحمد الله- وأذلوا بما خيّب الله من ظنونهم التي كانت ترى أن أعداء الله سينتصرون ويمحقون فإذا بهم يواجهون ويتراجعون وإذا بهم يثخن فيهم الجراح وتقع فيهم المقاتل ويسري إليهم الرعب وتضطرب صفوفهم ويستصرخون حلفاءهم.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {14} أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (المجادلة: 14-15) رسائل من ربكم تخبركم وتعطيكم الأوصاف الدقيقة لأولئك النفر من المنافقين الذين يجوسون خلال الديار، يخبر الله تعالى عن شناعة حال المنافقين الذين يقولون للكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم ممن غضب الله عليهم ونالوا من لعنة الله سبحانه وتعالى أوفى نصيب يتولونهم ويكونون أنصارهم وينطقون بألسنتهم دفاعاً عنهم، {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ} (النساء: 143) كما قال عز وجل في وصفهم وهو يقول هنا: {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ} لأنهم يظهرون خلاف ما يبطنون، فهم ليسوا من المؤمنين لأن باطنهم ليس مؤمناً وليسوا من الكافرين لأن ظاهرهم ليس مع الكافرين وإن كان منافقو اليوم أظهروا في نفاقهم من منافقي الأمس، فهم اليوم على الشاشات وفي الفضائيات التي تشرق وتغرب، سبحانك ربي، قال السعدي في تفسيره: "فجزاء هؤلاء الخونة الفجرة الكذبة أنّ الله أعد لهم عذاباً شديداً لا يُقادر قدره ولا يُعلم وصفه في الدنيا وفي الآخرة".

وفي ختام سورتنا الأولى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ {20} كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ {21} لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} (المجادلة: 20-22)، سورة عظيمة، آيات جليلة، أحكام قرآنية قطعية لا مجال للشك فيها عند مؤمن بالله وموحد له {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ} وانظروا إلى التأكيد بـ"إنَّ" وانظروا إلى لام الوصل في {الَّذِينَ} التي تدل على العموم و{يُحَادُّونَ} أي: في كل وقت وآن {أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ} والله كتب عليهم الذل ومن كتب الله عليه الذل فهو ذليل ثم قال: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} ولا نشك في ذلك لحظة مهما اسودت الصورة، مهما ادلهمت الخطوب، مهما تكالب الأعداء، مهما تدنست السياسة، مهما فجر وكذب الإعلام، مهما حصل فالقرآن فوق كل سياسة وأصدق من كل كذب في الإعلام وغيره والقرآن حاكم يحكم مشاعر قلوبنا حباً وبغضاً يحكم ألفاظنا نطقاً وصمتاً يحكم أعمالنا حركة وسكنة، يحكم حياتنا إن كنا بهذا مؤمنين ولله عز وجل مسلمين، ولرسولنا صلى الله عليه وسلم متبعين، ولهذه الأمة منتسبين وإلا فنحن لا نقرأ القرآن حقاً ولا نراه رسائل من ربنا ولا نتدبر وننفذ كما يجب أن يكون حالنا كمؤمنين، وعيدٌ من الله ورسوله لأولئك الذين كفروا بأنّ كل واحد منهم مخذول مذلول لا عاقبة له حميدة ولا راية له منصورة، {لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ} لا يجتمع هذا وهذا، نقيضان لا يجتمعان، إذا دخل أحدهما فقطعاً سيكون الآخر خارجاً.

واحذر أخي المسلم فإن المودة وهي المحبة هي الطريق الأول الذي يتلوه من بعد ذلك الموالاة والمناصرة، والذي يترتب عليه إثر ذلك محاربة أهل الله وأولياء الله من المؤمنين والمسلمين، ولذلك حذر السعدي في تفسيره قائلاً: "لا يجتمع هذا وهذا فلا يكون العبد مؤمناً بالله واليوم الآخر حقيقة إلا كان عاملاً على مقتضى الإيمان ولوازمه"، ومن حجته من قام بالإيمان وموالاته نصرة وبغض من لم يقم به ومعاداته وإلا فإن المودة تفضي إلى ما وراءها.

وإلى سورة أخرى لنرى كأنما هذه الآيات التي استمعنا إليها البارحة، وأحسب أن كثيرين منا استمعوا إليها أو قرأوها وهم يختمون جزأهم أو يختمون ختمتهم، {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (الحشر: 2)، كأنما نرى صورة متحركة أو فلماً نشاهده رأي العين، {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} الآية نزلت في بني النضير من اليهود الذين تآمروا لقتل المصطفى صلى الله عليه وسلم فأخبره الوحي بذلك فأرسل إليهم ليخرجوا من المدينة، فأرسل ابن أُبي ابن سلول إليهم لا تخرجوا، عندي ألفين من المقاتلين يدخلون معكم حصونكم ويقاتلون دونكم، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: لسنا بخارجين فافعل ما بدا لك، وتحصنوا في الحصون {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ}، وأيضاً كان مؤمنون يستبعدون خروجهم، لكن الله سلّط عليهم جنداً من جنده، ليست ريحاً مهلكة، ولا أرضاً مزلزلة، إنه السلاح الرباني الفريد العجيب الذي تحصل به كل هزيمة، {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} الخائفون لو كانت عندهم أسلحة الدنيا فإنهم مهزومون، الخائفون الذين ليس عندهم إيمان ولا اعتقاد الذين ليس لهم إلى الله عز وجل مرجع ولا استناد لا يمكن أن ينتصروا ولا يمكن أن تكون لهم عاقبة نصر دائمة أو حقيقية، قد تنظرون بأعينكم فترون كذبوا أعينكم وصدقوا قرآنكم، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم للرجل وقد جاءتني قصته عندما كان يشكو بطن أخيه فوصف له النبي العسل فتطلق بطنه –أي: زاد إسهاله- فجاء يشكو ثم جاء ثالثة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن برئ أخوه: "صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وكذب بطن أخيك"، أيقنوا بقرآنكم وصدقوا رسولكم واعلموا أن التاريخ كله والسنن الربانية الماضية في كل حياة البشرية تدلنا على ذلك وواقعنا اليوم يشهد له لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

والحديث يطول والآيات كثيرة والوقفات عديدة، في هذه السورة {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9) أعظم صورة في تاريخ البشرية أصدق وأنبل وأرفع وأنقى وأتقى وأبقى صلة: صلة الأخوة الإيمانية: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} أي: من الأنصار رضوان الله عليهم في المدينة {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} هذه محبة المؤمنين نحب كل مؤمن في كل أرض من أعماق قلوبنا من سويداء قلوبنا تنبض قلوبنا بحب كل مؤمن سيما إن كان مضطهداً أو معذباً أو مشرداً أو مظلوماً {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} وقد خرجوا مهاجرين بإيمانهم مطرودين من ديارهم فوجدوا قلوباً منشرحة تستقبلهم {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} أنفقوا الأموال قسموا أموالهم مع إخوانهم، فتحوا لهم دورهم عرض بعضهم أن يطلق زوجته ليتزوجها أخوه، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً مما أوتوا بل {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، لو كانوا فقراء لا يملكون شيئاً أخذوا من قوت عيالهم ليعطوا إخوانهم، هذه الصورة الفريدة ألم نقرأها بالأمس، هذه الصورة العجيبة التي نبضت بها سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقرن فيها بين المهاجرين والأنصار في أخوة فريدة، أين هي اليوم وقد تقطعت الأوصال وانبتت الأواصر، وصار كل قطر بل كل جزء من قطر كأنما هو مملكة الإسلام وحده لا يسأل عن غيره لا يكترث لأمر مسلم هنا وهناك، لا يتألم لا يتحسر، لا يبكي لا يدعو لا يبذل لا ينفق لا يتضرع لا يتصدق، صورة خطيرة، مشهد في جزء منه أعني الجزء الذي أشرت إليه يمثل صورة مخيفة من البعد والارتداد عن الإيمان والمناقضة والمناهضة والمعاداة للإسلام وأهله أعاذنا الله وإياكم.

وفي المقابل: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {11} لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ} (الحشر: 11-12)، وهذا حالهم اليوم، ألم تسمعوا وأنا جازم أن أكثركم إن لم يكن كلكم قد سمع بعض الناطقين بألسنتنا المنتسبين إلى أمتنا المعلنين أنهم من ديننا وهم {يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} اليهود الصهاينة المعتدين نحن معكم اقتلوا دمروا حاربوا الإرهاب ونحن معكم، والعياذ بالله، صور آيات نقرأها رسائل من ربنا فأين نحن منها حتى نرى الحق حقاً ويرزقنا الله اتباعه ونرى الباطل باطلاً ويوفقنا الله لاجتنابه، ونعرف أهل الحق فنكون معهم ونعرف أهل الباطل فلا نكون معهم بحال من الأحوال.

والآيات كثيرة، وأنتقل إلى سورة ثالثة مطلعها بدايتها سورة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} (الممتحنة: 1)، والآيات في قصة حاطب بن أبي بلتعة وقد كان مؤمناً صادقاً مخلصاً لم يكن منافقاً ولم يكن معادياً ولا صفاً خامساً، لكن كانت له زوجة وأبناء ويقول: "وأعلم أن الله ناصرٌ رسوله والمؤمنين، فأردت أن يكون لي عند قريش يداً تحفظ بها أبنائي"، فتنزلت الآيات: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} قال بعض أهل التفسير: "حتى المروءة لا تسمح بذلك"، كيف تلقي بمودة لعدو؟ العقل الرشيد لا يحكم بذلك، النفس والفطرة البشرية السوية لا تقبل ذلك، إن من يفعل ذلك مسخٌ إيمانيٌ وإنسانيٌ وفطريٌ وعقلي، إنه تشوهٌ وتشويه كامل والعياذ بالله، {تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} والله يعلم حتى خفايا القلوب سبحانه وتعالى، ولذلك بيّنت هذه الآيات الخطورة التي أشار إليها السعدي فقال: "المودة إذا حصلت تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل من أهل الإيمان"، نسأل الله عز وجل السلامة.

ثم ساق الله عز وجل نموذجاً ضارباً في أعماق التاريخ حتى يؤكد أن القضية مضطردة في أهل الإسلام والإيمان منذ أن خلق الله الخليقة: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ} (الممتحنة: 4)، ما دمتم على الكفر والعداء للإيمان فلا صلة بيننا وبينكم، وإبراهيم الخليل هو الذي قال الله عز وجل عنه في موقفه مع أبيه: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} (التوبة: 114)، سبحان الله، ثم جاءت الآيات الواضحة: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {8} إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 8-9)، أتعرفون ما سبب نزول هذه الآية؟ نزلت في المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لما نزلت هذه الآيات في الولاء والبراء وفي معاداة الكافرين ظنوا أن ذلك ينطبق على كل أقربائهم وعلى كل من لهم به صلة وسبب ونسب وإن لم يكن له موقف عداءٍ وإن لم يكن له منهم إلا كل بِرٍ وقسط فنزلت الآيات تبيّن عدل الإسلام وتبيّن الرفعة وشرف أحكامه وتشريعاته: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}، كما قال الله عز وجل في شأن الوالدين: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} (لقمان: 15)، وقالت الصحابية: أصِلُ أمي؟ قال: صِلِي أمكِ، وهي على كفرها، وأبو هريرة نعلم قصته مع أمه وبكاءه لما سمع منها كلاماً في حق النبي صلى الله عليه وسلم أحزنه واستبد به الحزن فذهب إلى الرسول باكياً ما يفعل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لأم أبي هريرة، فطار أبو هريرة من الفرح وذهب فإذا بالباب مجافاً، واستمعت أمه إلى حركته قالت: مكانك، وإذا هي تغتسل فخرجت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، انظروا أيها الإخوة إلى هذه المواقف، هذا هو الإسلام الراقي، يبر الأم والقريب ما لم يكن عدواً ومحارباً فإن كان مخالفاً لي في الدين ومحارباً لي في إسلامي ومخرجاً لي من دياري ومتآمراً لي مع أعدائي، هؤلاء لا ولاء لهم ولا ميل ولا نصرة ولا حب ولا كلمة واحدة إلا كلام القوة والمواجهة والمعاداة لهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف: 2) الآيات الأولى من السورة التي تليها، {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ {3} إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (الصف: 3-4)، ولست معلقاً ففي الآيات من الوضوح والبيان ما يشفي ويكفي.

نسأل الله عز وجل أن يقبل بقلوبنا عليه، وأن يجعلنا متدبرين لكتابه عاملين به محكمين له داعين إليه، متأثرين به.

الخطبة الثانية:

 إخوة الإسلام والإيمان..

في آيات القرآن غنية لنا وبيان تأتي بها تقوى الله عز وجل على حقيقتها فيكون العبد مراقباً لمولاه في كل صغير وكبير من أموره، بل في كل نبضة قلب وكل كلمة لسان وكل خاطرة عقل وكل حركة جارحة من جوارحه يضبطها بإيمانه يحكمها بقرآنه يرقى بها وفق هدي رسوله صلى الله عليه وسلم نظراً سمعاً كلاماً توجهاً، فضلاً عن موقفه وعن حكمه وعن موالاته ومعاداته: "إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله"، كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأعجل لأمر ببعض الآيات أيضاً ففيها كثير وكثير، ومنها: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ {32} هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة: 32-33)، ويقيننا بالله أن ذلك حاصل حتى في أحلك الظروف، فإن هذا العدوان الهمجي والقصف الذي يستهدف الرضع إنما هو دليل هزيمة في الحقيقة وإنما هو دليل دناءة وإجرام يظهر أولئك على حقيقتهم كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى عنهم: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} (التوبة: 10)، لا يرقبون يميناً ولا عهداً ولا ميثاقاً ولا أمماً ولا اتفاقياتٍ في جنيف ولا في غيرها، هذه صورة حية حقيقية تثبت مرة إثر مرة ومع ذلك الذين أصابهم عمى البصر والبصيرة من بني جلدتنا أشق على نفوسنا وأكره في قلوبنا من أولئك الأعداء المجرمين المحاربين لله ولرسوله وللإسلام وللمسلمين.

وفي سورة الجمعة: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة: 5)، هذا مثل ضربه الله لليهود، شبههم بالحمير التي فوق ظهورها التوراة، هل سيفيدها ذلك؟ لم تقرأها، لا تفهمها، لا تعمل بها، وهذا المثل المضروب، ولتنفيرنا نحن معاشر المسلمين أن نكون -والعياذ بالله- فينا شبه منهم فيكون قرآننا نسأل الله عز وجل السلامة كأنما هو لبعض بني جلدتنا كأنما هم كهذه البهائم والقرآن فوق ظهورها لا يغني عنهم شيئاً ولا يفقهون منه معنى ولا يتبعون فيه حكماً ولا يأخذون فيه ولا به ولا منه ما يبصرهم ما ينير بصائرهم وما يحيي قلوبهم ولذلك أيها الإخوة نحن نتلو القرآن نحتاج أن نتلوه حق تلاوته وصدقوني إن تلوناه حق تلاوته فنحن أعظم ساسة الدنيا نفقه في السياسية أكثر مما يفقه كل أحد، ونحن أعظم لسان إعلامي ناطق بالحق والصدق أمام كمّ الدجل والكذب والزيغ والضلال الذي نسمعه ونراه صباح مساء، كونوا مع كتاب ربكم، اقرأوا رسائل ربكم تدبروها وأنفذوها سيكون حالكم أعظم حالٍ وأقوى وأرجى وأثبت كما رأينا وكما نرى وكما نجدد الرؤية بما منّ الله على إخواننا في أرض فلسطين وفي بلاد الشام عموماً، أولئك الذين تندّر عليهم من تندّر بأن عندهم ألعاباً نارية، وبأنهم يمارسون انتحاراً وبأنهم يفعلون ويفعلون، لا أحتاج أن أتحدث فربما أكثرنا سمع ورأى، وليس النصر وقد تحدثت لكم قبل ذلك في هذا الشهر الكريم ليس بكثرة القتلى أو بقلتهم، لدينا موازين في هذا القرآن تقول: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} (البقرة: 249)، لدينا موازين قلنا فيها أن الذي أُخرج عليه الصلاة والسلام من مكة سماه الله عز وجل منتصراً ومنصوراً: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} (التوبة: 40)، المصطلحات والمفاهيم لا ينبغي أن نأخذها من السياسة ولا من الإعلام، ينبغي أن نرجع فيها إلى المنبع الصافي، إلى الركن الركين إلى الأساس الذي ليس فيه خطأ قط، وليس فيه اشتباه مطلقاً: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} (البقرة: 2)، والآيات تتلو وتتوالى أيها الإخوة وهي كثيرة.

ووقفة أخيرة لابد منها وإن كان المفترض أن تطول لأنها عن سورة كاملة في هذا الجزء العظيم سورة المنافقون: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون: 4)، كلام الله يا إخوة هذا كلام الله هذا القرآن الذي نتلوه، {تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} يقولون: نتكلم بالمنطق، نحن لسنا غيبيين، نحن لسنا مغفلين، نحن نعيش مع الواقع ومع المادة ويأتونك بالتحليلات، ويأتونك بالقوانين والأرقام {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} عظيم هذا الوصف، الخشب المسندة مهما كان لونها جميلاً ومطلياً تظل خشباً ليس فيها حياة، ليس فيها روح، ليس منها نفع، هي صماء بكماء ليس فيها أي شيء يُنتفع به، {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} إذا قلنا كلاماً قالوا: لم تقولون علينا ذلك، ولم نسمهم ولم نقل، وإنما تلونا الآيات لكنهم يعرفون أنهم هم المقصودون لأنهم هم الذين وقفوا مع أعداء الله ضد إخوانهم، ليس في هذا الموضع بل في مواضع شتى لكن هذا الموضع كان فاضحاً واضحاً قاطعاً ساطعاً: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} (الأنفال: 42).

{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ {7} يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: 7-8)، والقصة لهذه الآيات معروفة، أُبيّ بن سلول رأس المنافقين قال: ما مثلنا ومثل هؤلاء -يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-، قطع الله لسانه ولسان أمثاله، قال: ما مثلنا ومثلهم إلا كمثل القائل: سمن كلبك يأكلك أعطيناهم أموال وشاركناهم في الديار ثم إذا بهم كذا وكذا، ثم قال: {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ} يعني نفسه وأصحابه،  {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} وهو يعني والعياذ بالله رسول الله وأصحابه، فردّ القرآن: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، خرج اليهود وطردوا وفضح المنافقون ونكسوا، وانتصرت راية الإسلام وعمّت وتنتصر اليوم وستنتصر إلى قيام الساعة، {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

والآيات كثيرة، في سورة التغابن آيات أقرأها لكم سريعاً: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (التغابن: 11)، لا تقولوا ولا تستمعوا لهذه الأراجيف (تسببوا، فعلوا، هم كانوا السبب، هم كانوا البادئين) هنا يقول: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {11} وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ {12} اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التغابن: 11-13).

والآيات في سورة الطلاق مع أنها آيات أحكام في الطلاق: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} (الطلاق: 2-3)، والله إننا لنؤمن بذلك ولا نشك فيه، فعظموا يقينكم وارتبطوا بكتاب ربكم واقرؤوا رسائل ربكم.

وفي السورة الأخيرة أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وهذا نداء موجه لنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6)، مسؤول عن نفسك، ستحاسب وحدك بين يدي ربك، لن يكون عذراً لك سمعتهم يقولون فقلت، الإعلام ردد فرددت، الساسة قالوا فاتبعت، اتباعك لكتاب الله ولهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي"، والآيات تدعونا أيضاً في السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (التحريم: 8).

والآيات كثيرة، وقلت لكم لو مضينا إلى الجزء السابع الذي تلي البارحة كذلك لوجدنا أول آيات فيه: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} (المائدة: 82).

نحتاج أيها الإخوة أن نعظم صلتنا وتدبرنا وتأثرنا وامتثالنا والمقياس الأول والأخير في تصوراتنا ومواقفنا هو كتاب ربنا، إخواننا في فلسطين انتفضت كلها البارحة، بيت المقدس المسجد الأقصى، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرك في المؤمنين ساكناً، لا يثير قلوبهم ولا مشاعرهم، لا يهبون لنجدة مسرى رسولهم ولإخوانهم الذين يقتّلون، وقد استمعنا أيضاً إلى فتوى سماحة المفتي بأن التبرع والزكاة لغزة مقدمة على غيرها وجائزة في حقها، والأمور في هذا كثيرة والأحوال عديدة، والصلة التي أوصي بها وأكتفي وأرى أنها كافية لنا أن نعظم الصلة مرة ومرة ومرة بكتاب الله، وسنقرأ وتقرؤون وسنكرر هذه الآيات وسنتلوها دائماً وأبداً فأين هي من قلوبنا وعقولنا؟ وأين هي من مواقفنا وموازيننا؟ وأين هي من أعمالنا وسلوكياتنا؟ وأين هي من ولائنا وبرائنا؟ ينبغي أن نراجع أنفسنا.

أسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، اجعلنا اللهم بكتابك مستمسكين ولهدي نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين ولآثار سلفنا الصالح مقتفين.

اللهم يا حي يا قيوم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا الله لما اختلف فيه من الحق بإذنك، اللهم اجعلنا سلماً ونصراً لأوليائك واجعلنا اللهم حرباً وعداء لأعدائك.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة