فض التنازع بين أولوية القضية القُطرية ونصرة قضايا الأمة

الخميس 13 أبريل 2017 03:11 م بتوقيت القدس المحتلة

فض التنازع بين أولوية القضية القُطرية ونصرة قضايا الأمة

محمد خير موسى

حين تتكاثر الجراحُ وتتعدد الجبهات المفتوحة في وقتٍ واحد، يغدو طبيعيًّا أن يسعى كلُّ صاحب ثغرٍ إلى ترسيخ جبهته التي ينافح عنها ويعمل فيها، ويقارع المتكالبين عليه فيها بوصفها القضية المركزية للأمة.

ويرى أنَّ بوصلة العرب والمسلمين وأحرار العالم يجب أن تتّجه إليها، وأنَّها المحور الذي يجب أن يلتفَّ الجميع حوله ويلتفت إليه وينشغل به، وتزدادُ وتيرة هذا الخطاب مع شراسة العدوان وتعاظم الخطب والشعور بالخذلان والترك.

وفي ظلّ طغيان مفهوم الأمّة في الخطاب الجمعي مع بقائه هلاميًّا في الآليات العمليّة، يتعامل أصحاب القضايا معه بالعاطفة المشتعلة والحماسة الخطابية أكثر منه تبيانًا لآليات التحرّك المطلوب، ومعَ تشابك الحالة السياسيّة وتداخلاتها الحرجة تزدادُ الصورة تعقيدًا.

فالعدوّ المباشر في ساحةٍ هو الحليف الاضطراريّ في ساحةٍ أخرى، ويبرز التنازع الداخلي نفسيًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا عند أصحاب القضايا أنفسهم، وعند المتابعين لهم من أبناء ونخب البلاد التي لم تدخل في أتون المواجهة مع المحتل أو مع النظم المستبدّة حتّى الآن.

وهنا نجد أنفسنا أمام طرَفين؛ الأول: يريد من الجميع أن يعمل في قضايا الأمة جميعِها ويتدخَّل في أدقِّ تفصيلاتها الميدانية، وآخر ينتصر للاستقلال التّام للقضية القُطرية رافضًا التدخل فيما سواها بوصفها "شؤون الآخرين"؛ وهنا نجدُنا بين مهاجم ومنتقد بشراسةٍ، ومبرِّرٍ تبريرًا متكلّفًا، أمّا المتوازنون المنصفون القادرون على تفكيك المشهد وإعادة تجميع الصورة برويّةٍ عاقلة فقليلٌ ما هم.

وسعيًا للوصول إلى حالةٍ من التّوازن في الحكم على المواقف، وفضّ الاشتباك المتنامي بين أولويّة القضيّة القُطرية ونصرة قضايا الأمة؛ نضعُ هذه القواعد الخمس:

1- أولوية القضيّة القُطرية مُبرَّرة عقلًا وشرعًا على وجه لا يضرّ قضايا الامّة: فمن المقرّر عند أهل الفقه أنَّ الجهاد إذا تعيّن على الأّمة فإنَّه يُعذر منه مجاهدٌ قائمٌ على ثغرٍ عاملٌ عليه، فليس مطلوبًا منه ترك ثغره وساحته لنصرة ثغرٍ آخر، هذا إذا كانت الأمة مجتمعة على وحدةً جغرافيّة متّصلة، وعلى هذا فهو في حال تفكّكها وتشرذمها أكثر واقعية وتفهُّمًا.

وهنا يجب على أصحاب القضايا أنفسهم الموازنة بين نظرتهم للساحة التي يعملون فيها ونصرتهم لقضايا الساحات الأخرى، وأن يوائِموا بين المطلوب عاطفيًّا والمطلوبِ في الخطاب الإعلامي والممكنِ في السلوك العمليّ، وبينَ المُعلَنِ وغيرِ المُعلَن.

فمن الطبيعي -بل الضروري- أن تكون عينُ ابن غزّة على دمشق، وقلبه في بغداد، وروحه ترفرف في اليمن، ولكن أولويّته تبقى للمواجهة المرتقبة مع العدو المباشر له، ولا يجوز له الانشغال عن ثغره وساحتِه وقضيّته المباشرة وتقديمُ غيرِها عليها بما يضرها بأيِّ شكلٍ من الأشكال.

وقد يكونُ في الاستجابةِ للضّغوطِ الجماهيريّة المشحونةِ بِالعاطفةِ ما يُؤذي القضيّة المباشرة، وما آثارُ مهرجان "لبيّك سوريا" ومؤتمر العلماء لإعلان الجهاد فيها -الذي رعاه الرئيس المصري محمد مرسي في القاهرة تحت الضغط العاطفي من  جماهير الأمّة- عنّا ببعيد.

كما أنَّ تحرير المسجد الأقصى ليس هو الأولويّة عند ثوَّار سوريا أو مصر واليمن وإن كانت قلوبهم متعلقة به، بل إنَّ أولويتهم هي دمشق والقاهرة وصنعاء، على أنَّ هذه الأولويّة لا تبرر لأية قوّة ثورية كانت في هذه البلاد القيام بأي إجراء يؤثِّر على مسيرة الصراع مع "إسرائيل"، تحت ذريعة أولويّة الثّورة والثّغر.

وعلى القوى التي تقارع "إسرائيل" مباشرة عدم القيام بأي إجراءات أو مواقف تؤثّر تأثيرًا حقيقيًّا في مسار ثورات الشعوب المطالبة بحريتها، والتي يواجهها المشروع الإيراني مواجهةً مباشرة، وليس مطلوبًا منها في الوقت نفسه أن تكون جزءًا من تفاصيل هذه الثورات في أعمالها الميدانية والسياسية والإعلاميّة.

فصاحب الثّغر لا يقدم قضايا الأمّة على قضيّتِه المحليّةِ بوجهٍ يضرّ بها، ولا يقدم مصلحةَ قضيّته القُطريّةِ على قضايا الأمة بوجه يضرُّ بها أيضًا؛ فهنا تكون الأولويَّة تكامليًّة لا تناقض فيها ولا تضادّ.

2- لا تسفهّوا قضاياكم: مما يؤذي أصحاب القضايا والجراح الغائرة ضربٌ من الخطاب ينتصر للقضية القُطرية معتمدًا على تسفيه قضايا الأمّة الأخرى، والتّهوين من شأنها ووصفها بأنها هامشيّة، ووصف ثورات الشّعوب العادلة بأنها احترابٌ داخلي وأنها تائهةُ البوصلة.

وهذا الخطاب -فضلًا عن كونه مستفزًّا- فإنَّه يكرّس العصبيّة القُطرية، ويساهم في مزيدٍ من التفكّك في ظلِّ وجوب التّعاضد في مواجهة مشروعِ الثورات المضادة، الذي يرمي الجميع عن قوسٍ واحدة.

ومن أكثر الذّرائع المستخدمة لتسفيه القضايا الأخرى فشلُ حامليها والمدافعين عنها، وعلى فرض صحّة هذه الذريعة فإنَّ عدم كفاءة المدافعين عن قضيّة عادلة لا يحوّلها إلى هامشيّة، ولا يُجيز التحلّل من الواجبِ تجاهها، بل يزيدُ مسؤوليّة الجميع في وجوبِ البحث عن سبل التّكامل والتّعاضد الذي ينهضُ بالقضايا كلّها.

3- أغمدوا سيف الولاء والبراء في المحتملات: اعتاد الناس تغليفَ انتقادهم للسّلوك الذي لا يرضَونه دائمًا بغلافٍ يؤثّر في الجماهير ويقرّع المخالف، ومن أخطر الأثواب التي يتمّ إلباسُها للجهات العاملة في السّاحات الأخرى -عند حدوث أي تواصل بين هؤلاء وبين عدوهم المباشر- ثوب الولاء والبراء.

بل إنَّ سيف الولاء والبراء تراه يُشهر بين أبناء التيارات السياسية الرّاشدة والجماعات العابرة للحدود أحيانًا كثيرة، وتكمن خطورة إشهار هذا السيف في تحويل الاختلاف في وجهات النّظر السياسيّة، والتّنازع في تقدير الأولويّات القائمة على المصلحة في القضايا، إلى خلافٍ عقدي يوجب البراءة من المخالف وإعلان موقف شرعي منه.

وإخضاع المواقف السياسية المحتمِلة لهذا المفهوم فيه إخلالٌ باستخدامه من جهة، وإبرازٌ لإشكالٍ حقيقي في طبيعة العلاقة الواجبة بين أبناء الثّغور المتعددة والساحات المشتعلة، الذين يُفترض أن ينظمهم عِقد الأمة الواحدة.

فعلاقة الفصائل الراشدة في الثّورة السّورية مع الأميركان يجب ألا تكون عند أبناء العراق موضوعةً تحت هذه المقصلة، وكذلك علاقة حركة حماس مع إيران بعد الربيع العربي يجب أن تبقى في أنظار أبناء الساحات التي دخلت في مواجهة  مباشرة مع إيران في إطار العلاقة السياسيّة، لا الخضوع والتّبعية الذي يُفهم من مصطلح الولاء والبراء عند وصف هذه العلاقة.

4- توسيع المنطقة الرمادية في إدارة العلاقات الشائكة: وهنا لا بدَّ من التّفريق بين الخطاب والسّلوك السياسي -في ظل هذا التعقيد الحاصل- والخطاب الأخلاقي الذي يستهوي الجماهير وتتوق إليه، وعدم التّمييز بين هذين الخطابين يوقع العاملين  لقضاياهم المحلّية في ازدواجية الموقف.

ففي الوقت الذي يبرّرون تعاملهم مع عدو مباشر لإخوانهم في ساحةٍ أخرى بالمناورة والحنكة والواقعيّة السياسية، تراهم يهاجمون القوى الفاعلة في ساحة أخرى لتواصلها مع عدوّهم وانتهاكها المبادئ والأخلاق وخذلانها الأمة وقضاياها المشتركة.

وإنَّ توسيع المنطقة الرمادية في إدارة العلاقات الشائكة يتيح للعاملين في الساحات المختلفة تفهُّمَ كثير من السلوكيّات السياسية، في دائرة أولوية العمل القُطري غير المؤثِّر سلبًا على القضايا الأخرى.

ومن النّماذج النّاجحة في ذلك إدارة حركة حماس للعلاقة مع النّظام السوري وإيران بعد الرّبيع العربي بحرفيّة عالية، في ظل إعصار تفتَّتت فيه دول وهُدمت منظومات وزالت تحالفات، فحافظت الحركةُ على أدائها السّياسي والإعلامي ومراعاة المزاج الشّعبي العام.

ورغم وقوع هَنَاتٍ وزلّاتٍ في بعض المحطّات وفي الإخراج الإعلامي لبعض المواقف، فإنَّ المشهد العام يمثل نموذجًا في التّعاطي المتميز مع أولوية القضية ونصرة قضايا الأمة دون الغرق في تفاصيلها، والاستفادة من توسيع المساحة الرمادية في التّعاطي السياسي، مع وضوحٍ كاملٍ في التّعاطي الأخلاقيّ مع القضايا المبدئيّة والإنسانيّة.

5- التواصل مُورِثٌ للثّقة والتنسيقُ مآلُه التكامل: تعتمد العلاقة السياسية على النظرة المصلحيّة البحتة في التّواصل الدّولي، إلا أنَّ العلاقة بين مَن ينظّمهم عِقد الأمَّة الواحدة والقضيّة الكبرى المشتركة تعتمد على الثّقة ابتداءً.

وتتعزّز هذه الثّقة بالتّواصل بين مكوّنات العمل في الأقطار المختلفة، بحيث يديرون المشهدَ الكلّي بما لا يتناقض وأولويّات قضاياهم الخاصة ويعذر بعضهم بعضًا، بل ويُنسّقون إخراجَ المواقف التي قد تبدو في المشهد العام مستهجَنة.

كما أنَّ هذا التواصل يوقِف كثيرًا من معارك المزايدات في الوطنيّة والانتماء والولاء للأمّة والمبدأ، ويجعل القضايا الوطنية رغم أولويّتها عند أصحابها محلّا لاهتمام العاملين في الساحات الأخرى.

فيكون الانشغالُ بالقضايا المحليّة انشغالًا تخصّصيًّا بقضيّة جزئيّة من القضيّة الكلّيّة الكبرى، وهذا التنسيقُ يورثُ التّوازن الدقيق في كونِ أولويّة العمل للقضيّة القُطريّة هو من باب تقسيم المهام لا من باب الاستقلال المطلق، بناءً على النّظرة الكلّية للمشهد.

وهكذا نرى أنَّ العلاقةَ بينَ أولويّة القضيّة القُطريّة ونصرة قضايا الأمّة هيَ علاقةٌ منطقيّة تكامليّة، تحتاجُ إلى وعيٍ عميقٍ بمفرداتِ المشهدِ العام بعيدًا عن العصبيّة والنّرجسيّة الثوريّة؛ فمن أراد أن تكون قضيّته هي قضيّة الأمة كلّها فعليه أن تكون قضايا الأمّة كلّها قضيّته أيضًا، بلا شططٍ في أيّ من الاتجاهينِ القُطريّ أو الأممي.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة