بين يدي الإسراء والمعراج

الثلاثاء 25 أبريل 2017 05:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

بين يدي الإسراء والمعراج

د. تيسير الفتياني

يحتفل المسلمون في شهر رجب من كل عام بذكرى الإسراء والمعراج، حيث أسري بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك، وعرج به إلى السموات العلى جسداً وروحاً، وكانت هذه من المعجزات الربانية التي خص الله بها خاتم الأنبياء والرسل، ولم يخص بها أحد من خلقه قبله ولا بعده، كيف لا وهو الرسول الوحيد الذي خص أيضاً بالشفاعة للأمم عامة و في أمته خاصة يوم القيامة دون سائر الأنبياء والرسل.

ويلجأ بعض المسلمين إلى ممارسات خاطئة في هذه المناسبة الهامة في مسار الدعوة الإسلامية، وتطرح تساؤلات ربما كان يصعب الإجابة عليها زمن النبوة و في عهد الصحابة و بداية الدعوة، فعلى سبيل المثال كان بيت المقدس تحت سيطرة المسلمين، وكان قبلة المسلمين الأولى، وثالث الحرمين الشريفين؛ وهذا ما جعل جميع المسلمين عرباً وعجماً يرتبطون برابط عقدي لا يمكن فكه مع مرور السنين، وسنبين  تعريف معجزة الإسراء والمعراج، وحكم الاحتفال بها، ومكانة بيت المقدس، وأهمية أرض الإسراء والمعراج، وأهم الأحداث التي وقعت في ظل هذه المناسبة، وأهم فوائدها.

فتعريف الإسراء: هو سير جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى بيت المقدس ليلاً.

أما تعريف المعراج: فهو السلم الذي عرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأرض إلى السماء، بمرافقة جبريل عليه السلام.

وكان ذلك في ليلة واحدة بعد البعثة وقبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة واحدة، وقيل بأكثر من ذلك، وكان الإسراء والمعراج يقظة لا مناماً، وبروحه وجسده الطاهرين صلى الله عليه وسلم.

وأما حكمه فقد اعتبر بعض العلماء الاحتفال بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج، بدعة، لعدم ورود دليل على جواز الاحتفال، واعتبره البعض الآخر من باب التذكير بأيام الله، دون أن يمارس فيه ما نهى عنه الشرع، دون مغالاة أو تقصير.

وخلاصته؛ أن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام أن يسري بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى على البراق، فصلى فيه ركعتين على سنة سيدنا ابراهيم ثم عرج به إلى السموات العلى واحدة تلو الأخرى، وتلقاه في كل سماء مقربوها من النبيين والصديقين والشهداء والملائكة، وسلم عليهم حتى مر بموسى عليه السلام في السماء السادسة، وبإبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، ثم عرج حتى انتهى إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، ورأى سدرة المنتهى، ورأى من آيات ربه الكبرى، حيث رأى جبريل عليه السلام على صورته، له ستمائة جناح، ورأى البيت المعمور، واختلف العلماء، بل الصحابة في رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه . وفرضت عليه وعلى أمته، خمسين صلاة، ثم خفف الله عن هذه الأمة لتصبح خمس صلوات، واطلع صلى الله عليه وسلم على الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، ثم عاد إلى بيت المقدس، وصلى فيها بالأنبياء صلاة الفجر على سنة محمد صلى الله عليه وسلم، فحدث الناس بما رأى، فكذبه الكافرون، وصدق روايته المؤمنون، وتردد فيه آخرون، ولما سمع المشركون قوله، أتوا إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: يا أبا بكر، هل لك في صاحبك يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر، ورجع في ليلته؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه، إن كان قاله فقد صدق، وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا، نصدقه على خبر السماء، ولذلك سمي أبو بكر رضي الله عنه، بعد هذه الحادثة بــ "الصديق".

ولبيت المقدس علاقة وثيقة بالاسراء فهي تحظى بأهمية كبيرة من جميع المناحي، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: من الناحية العقدية؛ فالإسراء والمعراج كان إلى أرض المحشر والمنشر، أرض فلسطين، وهي أرض عربية إسلامية، وهي وقف إسلامي، يملكها جميع المسلمين في جميع العصور، وحتى قيام الساعة، فهي ليست ملكاً لجيل أو شعب، ولا يجوز لأحد أن يتنازل عن شبر منها، ولذلك يحرم المساومة أو التنازل أو طلب التعويض عنها، والواجب على المسلمين جميعاً استرجاع هذه الأرض المقدسة، واستنقاذها من يهود.

ثانياً: من الناحية التعبدية؛ فالمسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى، وثواب العمل الصالح فيه يتضاعف، وزيارته من العبادة، فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال: "لا تشد الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".أخرجه البخاري "3/63

ثالثا: من الناحية الحضارية والثقافية؛ فالبنايات والعقارات والمساجد والأربطة والمدارس والمعاهد والمكتبات، كلها تدل دلالة واضحة على الحضارة العربية، الإسلامية في أرض الإسراء والمعراج.

رابعاً: من الناحية السياسية؛ حكم المسلمون القدس منذ العهدة العمرية، أي حوالي أربعة عشر قرناً، حققوا فيها العدل والأمن والأمان والاستقرار على مر القرون والأزمان.

خامساً: من الناحية التاريخية؛ فقد سكنها اليبوسيون، وهم عرب، ثم جاء الكنعانيون، وسموا بيت المقدس "أور سالم"، ثم جاء العرب والمسلمون، ثم احتلها الرومان، ثم جاء دور المسلمين، ولم يسكن القدس يهودي واحد، إلا بعد سقوط الخلافة الإسلامية، في بداية القرن الماضي، حينها أصبحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، الذي رعى قيام كيانهم الصهيوني،وترفض بريطانيا الاعتذار عن وعد بلفور وعن جرائمها ضد الشعب الفلسطيني. وما تزال محاولات هذا الكيان لتذويب الهوية الإسلامية للقضية الفلسطينية، وفرض حلول جائرة بدعم أمريكي، بهدف القضاء على الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين، وإنهاء ما يسمى بالصراع العربي – الصهيوني، وإنهاء أية مطالبات فلسطينية وإسلامية في المستقبل، وذلك من أجل إسقاط كافة الحقوق العادلة.

ولأرض الإسراء والمعراج أهمية كبرى فهي أرض مباركة، باركها الله تعالى في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهي جليلة الشأن، وهي ديار النبيين ومركز الصالحين، ومهبط الرسالات السماوية الثلاث، ومطلب الفضلاء، وهي القبلة الأولى، وموضع الحشر، والمسرى والأرض المقدسة، والرباطات الفاضلة، والثغور الجليلة، والجبال الشريفة، مهجر إبراهيم ومحراب داوود، وعجائب سليمان ومدنه، وتربة إسحق، وإنها مولد المسيح، ومهده ومسرى الرسول ومعراجه، عليه وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة والتسليم، لهذه الأسباب ولغيرها أحبت قلوب المؤمنين بيت المقدس، وارتحلت إليه أفواجاً منهم، وخبت إليه أفئدتهم، وكيف لا يحبون المسجد الأقصى كل هذه الحب وقد تكفل رب العزة بها وبأبنائها حماية وعناية ورعاية.

 وهناك أحداث بين يدي الإسراء والمعراج نذكرمنها:

1-         موت عمه أبي طالب، ووفاة زوجته خديجة رضي الله عنها.

2-         تجرأ عليه أحد السفهاء فألقى عليه التراب فرجع إلى بيته، فمسحت ابنته التراب عن وجهه ورأسه وهي تبكي؛ فقال لها (أي بنية لا تبكي فإن الله مانع إباك).

3-         وضع مجموعة من السفهاء سلا الجزور(مايخرج من الناقة بعد الولادة) على كتفيه وهو ساجد عند الكعبة.

4- رد أهل الطائف السيئ، عندما لجأ إليهم، إلا أن الله تعالى أكرمه بإسلام عداس.

وللإسراء والمعراج دروس وفوائد جمة فقد اشتمل على :

تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، وتسرية عنه، وخاصة بعد وفاة عمه وزوجته خديجة رضي الله عنها، فتجرأ عليه قومه وطردوه من مكة، واستقبله أهل الطائف أسوأ استقبال.

وكان الترابط الشديد والمحكم بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فأي خطر يهدد المسجد الأقصى يعتبر تهديداً للمسجد الحرام.

و أنزل الله تعالى في سورة الإسراء لفظ المسجد ولم ينزل أي لفظ آخر يدل على أماكن العبادة لأهل الكتاب، وفي هذا إشارة إلى أن المسجد الأقصى هو مكان عبادة المسلمين وحدهم، وأن هذا حق لهم وليس لأي دين آخر منازعتهم في ذلك.

وكان الفصل التام بين مقام الألوهية، ومقام العبودية، والذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: "بعبده"، ولذا يحرم الخلط بين صفات الرب وصفات العبد، وفي ذلك قمة التوحيد، حيث يقول الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".متفق عليه.

وختاما فإن حادثة الإسراء والمعراج كانت صراعا بين حضارتين، حضارة جديدة في الحجاز، وحضارة قديمة في بيت المقدس.

فالله سبحانه وتعالى كتب لبني إسرائيل فسادين، اختلف العلماء فيهما، وعلى الأرجح أن الإفساد الثاني اليوم، فيهود هم سادة النظام العالمي الجديد – عقدياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً- وهم يسيطرون على مقدرات الأرض، ويستنزفون خيرات وقوت الشعوب وفي كل هذا مؤشرات على قرب نهايتهم وزوالهم وما ذلك على الله بعزيز .

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة