بين إضراب الانتصار وشبهات الانتحار

الجمعة 12 مايو 2017 09:14 ص بتوقيت القدس المحتلة

بين إضراب الانتصار وشبهات الانتحار

د. محمد سعيد بكر

 يحاول البعض تعكير صور الجهاد المختلفة بين الفترة والأخرى، مطلقا أحكاما وفتاوى يعتقد من خلالها أنه يحمي حمى الأمة وينتصر لرجالها، وهو لا يدري أن القول بمنع أو تحريم الشيء إن كان مباحا، يعادل في خطورته إباحة الشيء إن كان حراما، ومن هنا نؤكد بأنه لا يصح التحريم لمجرد الاحتياط لأي شيء فحسب، لاسيما أننا نتكلم في ظروف ضيقة وغير طبيعية تحتاج إلى فتاوى مختلفة ولا أقول غير طبيعية، ولكي نحقق الأمر بشكل أكبر في حكم الإضراب عن الطعام وشبهة الانتحار فإنني أقول مستعينا بالله تعالى ما يأتي:
1. لابد من تحرير المصطلحات لبيان الفرق بينها، فالانتحار مصطلح يعني: ارتكاب الانسان الحر جريمة قتل لنفسه بقصد الخلاص من الحياة لأسباب تصب في مجملها بكثرة هموم الحياة وضغوطاتها، في حين أن الإضراب مصطلح يدل على: تهديد الإنسان الأسير بقتل نفسه، من خلال امتناعه عن بعض أسباب الحياة، بقصد تحقيق شروط عادلة واستئناف حياة كريمة، لأسباب منها كثرة ضغوط المحتل وعجز النصير .. فإذا تبين الفرق في المعنى بينهما صار الحكم مختلفا فيهما، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
2. بالنظر في العديد من القواعد الفقهية المستنبطة من الأدلة نجد ما يبيح الإضراب عن الطعام للأسير المضطر حتى وإن أفضى ذلك للموت (لا سمح الله) ومن هذه القواعد:
- قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، فإن كانت الذرائع المفضية إلى قتل النفس في الظروف الطبيعية حراما فإن للضرورة أحكامها، ولو وجد الأسرى لتحريك قضيتهم المزمنة سبيلا غير سبيل الإضراب لسلكوه، فكيف وقد نسيت قضيتهم مع تقادم الزمن.
- قاعدة الأمور بمقاصدها، فقد تبين من تعريف الانتحار والإضراب أنهما وإن كانا في الشكل سواء إلا أن النوايا تضبط نتائج الأعمال، ولو قلنا بالتساوي لكان كل من دخل معركة ومات من أهل الجنة أو من أهل الجحيم، ومعلوم أنهم يوم القيامة يبعثون بحسب نياتهم، فمن كانت نيته فاسدة كان مصيره مظلما، ومن كانت نيته حسنة كان مصيره حسنا.
- قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح، تلك القاعدة التي طالما استخدمها البعض لتشريع الذل وقبول المهانة، بينما يمكن أن يقال بأن درء مفسدة الأسر المهين وظروفه الشديدة في زمن التخلي والنكوص أولى من جلب مصلحة البقاء على قيد الحياة.
3. بالنظر في المصالح المترتبة على الإضراب (الاضطراري) عن الطعام نجد أنها قد تزيد في حجمها عن مفاسده، لاسيما أنه لم يعد لدى الأسير شيء يخسره، ومن هذه المصالح المتحققة:
- الضغط على المحتل لتخفيف القيود، والضغط على العالم المنافق وكشف نفاقه، والضغط على عموم المسلمين ليستيقظوا ويحققوا الواجب في قول الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ (فكوا العاني (الأسير))، والضغط على العلماء ليقوموا بواجب تحريك الأمة بإصدار فتاوى تمنع الظلم وتدعو لإسكات الباطل، لا لتحريم هذه الوسيلة المتبقية من وسائل الجهاد.
4. تعد عملية الإضراب عن الطعام من أثقل العمليات الجهادية على النفس، فالمضرب عن الطعام يرى روحه تزهق أمام ناظريه، لكنه يستمطر الأسباب الربانية المفقودة، من خلال استخدامه لآخر الأسباب البشرية الموجودة، لعل فرجا قريبا يلوح في الأفق، باعتبار أن الأمر إذا ضاق اتسع.
5. يعد الإضراب نوع تدافع لهؤلاء العزل من كل شيء أمام جبروت عدو مدجج بكل شيء، والله تعالى يقول: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، ولكل تدافع ثمن، والمشاغبة على العدو وعرقلة خططه ومراغمته رجولة يحمد أصحابها عليها ولا يلامون.
6. يعد الإضراب شكل من أشكال الانتصار للنفس المظلومة المقهورة ولو على حساب إزهاق هذه النفس، باعتبار أن الله تعالى ما شرع القتال وفيه ما فيه من إراقة لدماء الطرفين إلا بقصد رفع الظلم والعدوان.
7. تحكي حالة الجهر بالدعوة بعد ثلاث سنين من حبسها أو كتمها في مكة ما يشبه حالة الإضراب عن الطعام، أو تقاربها، ففي كلا الأمرين كان المقصد بعث رسالة للعالم كله بأننا أحرار لا نقبل الأسر ولا التكتم والإسرار، وأن من حقنا أن نعلن عن اعتقادنا ومطالبنا المشروعة، وفِي كلا الحالتين وقع الأذى وزاد البطش، بل لقد تسبب الجهر بالدعوة بقتل بعض الأصحاب وجرح بعضهم وهجرة آخرين إلى الحبشة ثم المدينة، ولم يقل أحد بأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وأنه كان الأولى بالأصحاب أن يبقوا على ما هم عليه من سكوت وكتمان.
8. إن إدراك المفتي بقيمة الرسائل التي يوجهها المضربون عن طعامهم للبشرية كلها يجعله يفتي بما هو أعظم من الإضراب، لكن المفتي البعيد عن الواقع لا يرى في الأمر إلا مفسدة وقتلا للنفس، وهذا عيب المفتين لا دخل فيه للمضربين، ولقد وجه غلام الأخدود وهو الأسير عند ملك زمانه رسالة فهمها عموم الناس في زمانه حين أوحى للملك بفكرة تسببت في قتله، ومن هنا نؤكد على أنه لا بأس من إزهاق الروح في سبيل تبليغ الرسالة الشريفة، هذا في الظروف الطبيعية، فكيف والأسرى يعانون حالة اختناق.
9. لقد كانت الهجرة وكان الجهاد تعبيرا شديدا على النفس عن حالة رفض الظلم، وكذا الإضراب الذي هو نوع هجرة فيها الجوع والعطش، ونوع جهاد قد يصل إلى قتل النفس، فهل من منكر على المجاهدين والمهاجرين بذلهم، أما من ربط ذلك بالاثخان في العدو فإننا نؤكد له أن الله تعالى طلب منا إعداد عدة مستطاعية ولم يطلب إعداد عدة مكافئة، وإرغام العدو بأي سلاح متاح واجب، وكل ذلك جهاد وهجرة، (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله).
10. لقد قبل الحبيب صلى الله عليه وسلم على نفسه وأهله أن يحصر في شعب أبي طالب ثلاث سنوات فيها ما فيها من الجوع والأذى على أن يساوم على دينه وحرية معتقده، والأسرى هناك يجوعون في سبيل نيل شيء من حقوقهم التي هي دون حريتهم التامة، فأي مشكلة في ذلك.
11. إن من واجب علماء الأمة اليوم أن يبحثوا عن سبل قوية تتسبب في فك الحصار عن الأسرى، وبفك الحصار والأسر يفك الإضراب، ونحقق واجب إطعام إخواننا بأيدينا (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا).
12. لقد وازن ذلك الشاعر وإن كان جاهليا بين مفسدتين هما؛ مفسدة البقاء في الذل ومفسدة الأذى المترتب على التدافع بصوره مع المحتل والمستبد فقال:                        لا تسقني ماء الحياة بذلة .. بل فاسقني بالعز كأس الحنظل.  
13. لقد سلك المظلوم محمدا صلى الله عليه وسلم سبيل قطع تجارة قريش لاستعادة شيء من حقه المسلوب ولتوجيه رسالة قوية لقريش وما حولها بأننا هنا ولنا فانتبهوا لنا، في حركة يمكن أن يحرمها البعض بحجة أنها أشبه باللصوصية وقطع الطريق، ولكن الله تعالى أقره على ذلك، بل إن للمظلوم حق إن اضطر لقول السوء، وصدق الله: (لا يحب اله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)، وقول السوء في الظروف الطبيعية لا يجوز ولا يليق .. هذا ما ينبغي أن نعيه في هذا المقام، والله أعلم بالصواب، ونستغفر الله من عجزنا عن نصرة إخواننا .. وإننا لنخجل والله أمامهم، ونحن نبحث بمسألة تبيح لهم أن يموتوا جوعا، ونحن متخمون بذلنا وهواننا، والله المستعان.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة