نكبة أم نكبات؟

الإثنين 15 مايو 2017 04:15 م بتوقيت القدس المحتلة

نكبة أم نكبات؟

د. تيسير الفتياني

تمر بنا الذكرى التاسعة والستون الأليمة لاحتلال فلسطين عام 1948 حيث انطلق الأحتلال الصهيوني من الحقوق التاريخية والتوراتية المزعومة لما سماه الشعب اليهودي الى فصل اغتصاب الأرض ومطامع اليهود بما يسمونه بإرادة السماء.
وبناء عليه فلا بد من استئصال الوجود الفلسطيني من الأرض تماما، ومنع تكوينه السياسي والمجتمعي المنافس على الأرض ولا بد من عمليات الترانسفير الواسعة النطاق لحرمان المقاومة من التواصل مع أرضها وبيئتها الحميمة في الداخل. 
والناظر في تاريخ القضية وواقعها المعاصر يعلم يقينا كذب اليهود فيما يسمى باتفاقيات السلام، ومن تلك الأكاذيب قولهم في مايسمى وثيقة الأستقلال والتي كانت بمثابة إعلان قيام دولة الاغتصاب الصهيوني إسرائيل على أرض فلسطين في 14/5/1948 (إننا نمد يد السلام وحسن الجوار لجميع البلدان المجاورة وشعوبها وندعوهم الى التعاون مع الشعب اليهودي المستقل في بلاده وإن دولة إسرائيل مستعدة لأن تساعدهم بنصيبها في مجهود مشترك لرقي الشرق الأوسط بأسره). 
ومنذ ذلك الحين والى الآن والكذب اليهودي مستمر على الأمم والشعوب، فكل مبادرات السلام ترفض على الرغم من كل التنازلات التي لم تبق شيئا للسكان الأصليين، ولا زالت الدول العربية مهددة بالغزو والعدوان، ولا زال التسلط على الأمة عن طريق الغزو العسكري وكل أجهزة الدعاية والإعلان لمحاربتنا عقائديا وثقافيا وأقتصاديا، وحتى بات الفرد العربي والمسلم مهددا في هويته وانتمائه ووجوده بإثارة الفتن الطائفية والنعرات العرقية. 
وتمر بنا ذكرى النكبة ونحن مغيبون لاهون غير مدركين للخطر الذي يحدق بنا، أغمضنا أعيننا وطمسنا عقولنا وقلوبنا ولا ندرك حقيقة الواقع الذي نعيشه واكتفينا بالتنديد والشجب والكلام المزين بالعاطفة والخالي من الأحساس بالمسؤولية تجاه قضيتنا المصيرية. 
اننا نتألم يوميا من رؤية جثث الضحايا وأشلاء الأبرياء، ويفرض علينا أن نتابع فنا ورياضة لا علاقة لها بآلامنا ومواجعنا وما يهدد مستقبلنا وأمننا، ولا نسمع إلا خطبا عاطفية لم تتجاوز مرحلة الكلام الى مرحلة الحشد والرباط، فنحن بحاجة وأثناء سعينا المتواصل على لقمة العيش في حياتنا اليومية الى من يبصرنا ويوعينا بحقيقة الصراع الذي تخوضه الأمة ومن هم أعداؤنا ومن هم أصدقاؤنا حتى نكتشف ما هو خاف علينا ونحلل العلاقات وترابط المصالح ومراكز القوى حتى ندرك موقعنا في هذا الصراع وما هو الخطر الذي يهددنا ويهدد مستقبل أمتنا. 
وفي ذكرى النكبة نحن بحاجة الى إحياء الذاكرة وإنعاشها وإعادة تصوير أحداث النكبة لإلقاء الضوء على النكبة الرهيبة حتى تبقى حية ناضجة في قلوبنا فلا نقلل من خطورة العدو ولا نطفئ الرغبة في الثأر والانتقام منه، ونحن بحاجة الى أن نتذكر العدد الكبير من الأبطال والشهداء لنفخر ونعتز بهم في كل يوم بل في كل ساعة، ففي شعبنا وفي أرضنا يولد أبطال ويسقط شهداء قدموا للأمة قمة أعمال البطولة والفداء فهم المثال والقدوة التي ينبغي أن تحتذى إعلاء لقيمة الشهادة في سبيل الله. 
تمر بنا الذكرى والشخصية العربية المسلمة تتعرض لموجات متلاحقة من الغزو الثقافي هدفها تغيير أنماط السلوك الإجتماعي للفرد العربي والمسلم بما يتلاءم مع أهداف الغرب، وليتحول الإنسان العربي والمسلم الى كائن جديد شره في الاستهلاك ونشط وفعال في هضم كل ما ينتجه الغرب من سلع أو منتجات مادية أو ثقافية لخدمة الأهداف الصهيونية، وحماية لدولة العدو من أي قوة عربية أو إسلامية صاعدة تقوم بحشد طاقاتها وتوظيف إمكاناتها للدفاع عن العقيدة والأرض والوجود. ولذا يجب أن تبقى أسلحتنا العسكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية مشرعة وموجهة الى العدو على الدوام حتى يتم تحرير جميع الأراضي المقدسة من رجس اليهود، ففلسطين ارض الأسراء كلنا لها فداء.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة