احتفال الصهاينة بنكبة فلسطين

الجمعة 19 مايو 2017 09:12 ص بتوقيت القدس المحتلة

احتفال الصهاينة بنكبة فلسطين

د. ابراهيم الحقيل

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه؛ فإننا في زمن تتابعت فيه المحن، وتلاطمت الفتن، وكثر المتساقطون فيها، ولا عاصم من الفتن إلا الله تعالى، ولا منجاة من المحن إلا بتقواه عز وجل {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطَّلاق: 2-3].

أيها الناس: تقاطر صهاينة اليهود والنصارى على فلسطين المحتلة للاحتفال بقيام دولة الصهاينة، ويتذاكر العرب في إعلامهم قصص هذا الحدث الجلل الذي اصطلحوا على وصفه بالنكبة، وهو أعظم من أن يوصف بالنكبة، من حيث حدوثه وجسامته وغرس خنجر صهيوني غربي مسموم في قلب العالم الإسلامي، ومن حيث ما ترتب عليه من معاناة أهل فلسطين، ومن حيث تفرق العرب واختلافهم في التعامل معه، حتى اجتاح الخلاف أهل فلسطين فشطرهم إلى نصفين، وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة واجتماع الكلمة.

وحين نتذاكر حديث النكبة في فلسطين فليس لأجل الحزن والنحيب، ولا الغرض منه مجرد العلم بحدث عاصره أقلنا، ولم يحضره أكثرنا، ولكن المقصد من ذكره أخذ العبرة مما مضى لئلا يتكرر فيما بقي؛ فإن أمتنا لا تزال تلدغ من جحور الأعداء عشرات المرات ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين. وللأعداء مشاريع كثيرة في بلاد المسلمين لتفتيتها وتمزيقها والهيمنة عليها، والعاقل من اعتبر بأمسه ليومه، وأعد العدة لما سيكون في غده.

وفي أحداث النكبة يظهر مدى حقد أعدائنا علينا، وخيانتهم لنا، وتسليمهم أرضنا لغيرنا، فلا ثقة فيهم البتة، وقد أخبرنا ربنا جل جلاله عنهم وهو أعلم بهم منا {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 2].

وفي هذا المقام القصير أنقل إلى أسماعكم شيئا مما نقل عن المذابح والتهجير الذي جرى لإخواننا في الأرض المباركة، ولن أنقل إلا عن اليهود أنفسهم مما دوَّنه قادتهم والمؤرخون منهم في مذكراتهم، أو وثقوه في كتبهم ودراساتهم، ونقله عنهم أقوام منهم يعارضونه أو يفاخرون به.

لقد وضع اليهود قُبيل نهاية الانتداب الاستعماري البريطاني خطة سميت (خطة دَالِتْ) يفرغون فيها فلسطين من أهلها بالإبادة أو بالتهجير؛ ليسكن مدنهم وقراهم، ويحتل بيوتهم ومتاجرهم ومزارعهم المهاجرون اليهود الذين جيء بهم من شتى بقاع الأرض.

وجاءت الأوامر الصريحة ببدء الخطة التي تنص على أن الهدف الأساس للعملية هو تدمير القرى العربية وطرد القرويين كي يصبحوا عبئا على القوات العربية العامة.

ذكر المؤرخ اليهودي (إيلان بابه) أنه قبيل إعلان قيام الدولة اليهودية عام ثمانية وأربعين دخلت قوات قومه قرية دير ياسين فرشقوا بيوتها بالنيران، ثم جمعوا من لم يقتل منهم، فقتلوهم، واغتصبوا عددا من النساء ثم قُتلن، ومن بين القتلى ثلاثين طفلا، ثم نقل هذا اليهودي عن فتى فلسطيني عمره اثني عشر عاما نجا من تلك المذبحة أنه قال: أخرجونا واحدا تلو الآخر فقتلوا رجلا عجوزا بالرصاص فبكت إحدى بناته فقتلوها، ثم استدعوا شقيقي فقتلوه فصرخت أمي باكية وهي منحنية فوقه وبين ذراعيها أختي الرضيعة فقتلوها، ثم أطلقوا رصاصهم علينا.

وذكر كاتب يهودي أن الأوامر قد صدرت باقتحام حيفا بعد إرعاب أهلها، وكانت الأوامر للجنود: اقتلوا كل عربي تصادفونه، وأحرقوا جميع الأشياء القابلة للاحتراق، واقتحموا الأبواب بالمتفجرات.

وعلى إثر هذه العملية زارت جولدا مائير حيفا ودخلت البيوت ورأتها خالية، وطعام أهلها على الطاولات، وألعاب أطفالهم وكتبهم على الأرض، وما فتئ الجنود وقتها يقصفون الهاربين من الموت في حيفا، حتى ذكروا أن الأمهات كانت تدوس أطفالها من الذعر والهرب، وكثير من الهاربين هلكوا، ومن شدة الأزمة ترك كثير من الجرحى ينزفون حتى الموت.

وذكر كاتب يهودي أن مدينة القدس أضحت آنذاك مدينة أشباح، وجاءت الأوامر باحتلال أحسن أحياء القدس وتدمير منازله، وكان من خبث الإنجليز وغدرهم تجريدهم السكان من السلاح الفردي القليل مع وعود بحمايتهم من هجمات اليهود ما لبثوا أن نكثوا بها.

وقد حُفظ في أرشيف اليهود برقية لأحد المقادسة المسلمين آنذاك ذكر فيها أن المستشفيات تغص بالمصابين، وأن الأكفان التي لديهم لا تكاد تكفي القتلى، وأن المدينة تعمها فوضى عارمة، وأن الأحياء فيها مصابون بذعر شديد.

وكان اليهود يقصفون أحياء القدس بالمدفعية لقتل أكبر عدد ممكن من السكان، وإرغام الباقين على الاستسلام والفرار، وذكر رئيس استخبارات اليهود في القدس آنذاك: أنه في أثناء تطهير القطمون -وهو من أحياء القدس- بدأ النهب والسرقة، وشارك فيهما الجنود والمواطنون اليهود سواء بسواء، اقتحموا البيوت واخذوا الأثاث والملابس والأدوات الكهربائية والأطعمة.

وفي عكا لوث اليهود قنوات المياه فأصابوا أهلها بالأمراض المهلكة المعدية، فانتشر الوباء في سكانها، وكان جنود اليهود يصرخون فيهم بمكبرات الصوت قائلين: استسلموا أو انتحروا، سنبيدكم حتى آخر رجل منكم. فلما خرج أهلها نُهبت كما نهب غيرها، وطُردوا إلى غير عودة إليها.

وفي مذبحة الطنطورة التي لا تكاد تعرف عند الناس نقل باحث يهودي عن شاب فلسطيني عقب المجزرة بثلاث سنوات فقط شهادته التي قال فيها: لن أنسى ذلك اليوم ما حييت فقد جمع العدو النساء والأطفال في مكان كُومت فيه جثث القتلى فهذه ترى بعلها، وتلك ترى أباها، وأخرى تلمح أخاها...وجمع اليهود الأحياء من الرجال وأخذوا يذيقونهم الموت جماعات ووحدانا، تسمع النساء طلقات الرشاش فيتساءلن عنها فيجيبهن الحارس بأنهم ينتقمون لقتلاهم...يقول: جاء أحد الضباط وأمر جنوده بانتقاء أربعين من خيرة شباب القرية، وجيء بالأربعين إلى ساحة البلدة وصاروا يأخذون كل أربعة معا ويأمرونهم بحمل جثث القتلى والجرحى إلى المقبرة ورميهم في حفرة كبيرة هناك..وبعد أن يؤدوا مهمتهم يقتلون أحدهم ويأمرون الثلاثة الباقين بحمله ورميه في الحفرة، ثم يقتلون أحد الثلاثة ويأمرون الاثنين الآخرين برميه في الحفرة وهكذا...

وعَمِل اليهود في صفد وبيسان وطبرية ما عملوه في المدن السابقة من القصف والحصار والترويع، ثم إجلاء سكانها وطردهم من منازلهم وبلادهم.

وفي بلدة الزيتون استسلم أهلها بعد القصف المتواصل عليهم وخرج الرجال بنسائهم وأطفالهم فاختار اليهود مجموعة منهم وأعدموهم أمام الآخرين، وحاول بعض الأسرى الاحتجاج فقتلوهم، فخرج أحد القرويين يناقش الجند بأنهم لما استسلموا كانوا يتوقعون معاملة حسنة فصفعه قائد الفرقة ثم أمره أن يختار سبعة وثلاثين مراهقا من الأسرى ولا يدري لماذا، فلما اختارهم أوثقهم اليهود ورموهم بالرصاص.

وذكر أحد الجند اليهود أنه جاء لتزويد هذه الكتيبة اليهودية بالماء قال: فوجدنا كثيرا من جثث النساء والأطفال، والأطفال الرضع بالقرب من الجامع الحالي، يقول: فأقنعت الجيش بإحراق الجثث.

وكانت إحدى المجندات في هذه الفرقة حاضرة هذه المجزرة، وتدعى نتيفا بن يهودا فصاغت ما رأت في رواية قصصية حكت تفاصيل مرعبة لقتل المئات من السكان.

وآخر المدن التي أخليت من سكانها وخُرِّبت مدينة يافا إذ احتلتها عصابات اليهود قبل أن يسلم الإنجليز فلسطين لليهود بيومين فقط، وكان في محيطها أربعا وعشرين قرية دمرت بالكامل فلا وجود لها.

وذكر المؤرخ اليهودي إيلان بابه أن المشاهد على الشواطئ في ميناء حيفاء كانت مروعة؛ إذ يُدفع الناس إلى البحر دفعا، ويطأ بعضهم بعضا، وأسلحة اليهود من ورائهم يتسلى بها الجند لاصطياد الهاربين وترويعهم.

تلكم يا عباد الله مشاهد قليلة من كم كبير ذكره اليهود في مذكراتهم ورواياتهم وكتبهم عما فعلوه بإخواننا قبل ستة عقود، رحم الله تعالى القتلى من المسلمين، وعامل اليهود المجرمين بعدله، وحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كيد الكافرين والمنافقين، وردهم على أعقابهم خاسرين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120] بارك الله لي ولكم....

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واثبتوا على دينكم، وثقوا بوعد الله تعالى لكم، واصبروا على أذى أعدائكم من الكفار والمنافقين والمرتدين؛ فإن العاقبة للتقوى.

أيها المسلمون: حين نذكر فاجعة إخواننا الفلسطينيين فيما سمي بالنكبة فإن أمثال هذه الفاجعة يتكرر كل حين على ثرى الأرض المباركة، ولا يزال كذلك إلى الآن في غزة المحاصرة التي يقتل أهلها صبرا، وقد ورث أبناء الصهاينة عن آبائهم مخططاتهم كما ورثوا عنهم قسوتهم ووحشيتهم.

وتعقيد الأعداء للقضية الفلسطينية، وتطويلهم فصولها، وقذف اليأس من حلها، يجب أن لا يكون صارفا للمسلمين عن التعايش معها، والإحساس بمصاب إخوانهم في الأرض المباركة، فهم درع الأمة دون التوسع الصهيوني، ولو استطاع اليهود سحقهم لتجاوزوهم إلى غيرهم.

والمرابطون في فلسطين هم إخواننا في الدين، فيجب أن نواليهم في الله تعالى، ونعادي أعداءهم من اليهود والنصارى الذين تقاطروا على الأرض المباركة لإحياء ذكرى ستين سنة على قيام دولة اليهود، وأيديهم جميعا ملطخة بدماء المسلمين والله تعالى يقول {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] وفي آية أخرى {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بها أَدْنَاهُمْ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ) رواه الشيخان عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما.

وفي رواية لمسلم (كُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ) وقد خذل المسلمون إخوانهم في الأرض المباركة وأسلموهم إلى عدو مجرم شرس، لا يرحم طفلا ولا امرأة ولا شيخا مسنا.

وما أسس اليهود دولتهم في بلادنا، وبلغوا هذا المبلغ من العتو والطغيان إلا بذنوب المسلمين، وذلك تسليط من الله تعالى علينا؛ وتذكر بعض المصادر التي أرخت للنكبة أن دور الربا والخمارات آنذاك كانت في القدس تطل على ساحات المسجد الأقصى، ونُقل عن إحدى الرَّحالة من العقيلات أنه كان في القدس قُبيل النكبة وصلى في المسجد الأقصى صلاة الفجر فما حضر الصلاة معه إلا الإمام ورجل آخر.

وانظروا رحمكم الله تعالى في زمننا هذا كيف يلهو المسلمون ويلعبون والأخطار العظيمة تحدق بهم، والأعداء يتربصون ببلادهم، ويريدون الإطباق عليهم، وقد سباهم الاستعمار البغيض فلسطين فسلمها لأعدائهم الصهاينة.

وتوشك بلاد الإمام الأوزاعيِّ رحمه الله تعالى أن تسقط تحت أقدام حزب الشيطان الممتدِّ بعقيدته وفكره وولائه إلى مجوس طهران، ولليهود أطماع في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وعاصمة الخلافة الراشدة، كما أن للصفويين فيها مآرب كثيرة.

والعالم الإسلامي قد غرق في تفرقه وخلافاته، وإعلامُه من مشرقه إلى مغربه يرقص ويغني ويفسد ويعربد، فيميت إحساس الناس بما يقذف من شبهات، ويزين من شهوات، ويصرفهم عن قضاياهم الكبرى، ويلهيهم عن الأخطار التي تنتظرهم، ولا حافظ إلا الله تعالى، فعودوا -أيها المسلمون- إلى ربكم قبل ندمكم، وخذوا على أيدي السفهاء منكم؛ فإن الاحتساب على أهل الفساد، وأطرهم على الحق أطرا سبب لرفع العذاب، ودفع العقوبات {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116].

حفظ الله تعالى بلادنا وبلاد المسلمين كافة من كل مكروه، ورد الكافرين والمنافقين والباطنيين على أعقابهم خاسرين، إنه سميع قريب.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة