التوبة والرجوع إلى الله سبب انتصار المسلمين

الجمعة 30 يونيو 2017 01:06 م بتوقيت القدس المحتلة

التوبة والرجوع إلى الله سبب انتصار المسلمين

د. محمد راتب النابلسي

 أيها الإخوة الأحباب، الإسلام رسالة الإنسان، ومنهجه في كل مجالات الحياة، في جميع نشاطات البشر، لا يدع الإسلام جانبا من جوانب الحياة إلا كان له فيها موقفا، قد يتمثل هذا الموقف في لإقرار والتأييد، أوفي التصحيح والتعديل، أو في الإتمام والتكميل، أو في التغيير والتبديل، وقد يتخلل هذا الإرشاد والتوجيه، أو التشريع والتقنين، وقد يسلك الإسلام سبيل الموعظة الحسنة، وقد يتخذ أسلوب العقوبة الرادعة، كل في موضعه.

 أيها الإخوة الكرام، الغاية الأخيرة، والهدف البعيد، هو الحصول على مرضاة الله، لأن مرضاة الله عز وجل، ثمن لحسن الصلة به، وحسن الصلة به سبب للسعادة الأبدية في قربه، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾

[سورة الانشقاق]

 أيها الإخوة الأحباب، في الإسلام غايات وأهداف، إنسانية، واجتماعية، ولكنها بعد التأمل، لا تخرج عن الهدف الأكبر، وهو مرضاة الله تعالى، ومثوبته، فهو هدف الأهداف، وغاية الغايات، في الإسلام تشريع ومعاملات، ولمن المقصود منها تنظيم الحياة، حتى يستريح الناس، ويبرؤوا من الصراع الأدنى، ويفرغوا لمعرفة الله تعالى، وعبادته، والسعي لمرضاته، وفي الإسلام حث على المشي في مناكب الأرض، والأكل من طيباتها، ليكون العمل أساسا للابتلاء، والنعمة وسيلة لمعرفة المنعم، وأداء حقه وشكره، وفي الإسلام جهاد، وفي الإسلام قتال للأعداء، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فكل ما في الإسلام من تشريع، وتوجيه، وإرشاد، إنما يقصد به، إعداد الإنسان ليكون عبدا خالصا لله، يعرفه، ويطيعه، ويوحده، ويعبده، كل هذا من أجل أن يستحق الإنسان رحمة الله في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود]

 أيها الإخوة الكرام، لكن الإسلام ضمن الجهاد معنى إنسانيا وفريدا، وحدد له مقاصده العليا، منزهة عن الهوى، والأغراض المادية، والمطامع الشخصية والعنصرية، من شهوة العلو في الأرض، أو التوسع فيها، أو تكون أمة هي أربى من أمة، وجرد الإسلام الجهاد وسيلة رئيسة لترسيخ القيم، و المثل العليا، في الوجود البشري، والحفاظ عليها، وإن الإسلام أيها الإخوة، لم يجعل الجهاد مفروضا، في أعلا مراتب الفرضية، وأعظمها مثوبة، من أجل الدفاع عن الوجود، أو الحفاظ على مقوماته فحسب، بل أولاه عناية فائقة، إذ جعله سندا متينا لدعوته التي تسعى إلى نشر رسالة السماء في الأرض، كي تتحقق خلافة الإنسان فيها، عن طريق التمسك بمبادئ الحق والخير، وقيم العدل والإحسان، فجعل الإسلام الجهاد خالصا، ومخلصا لوجه الله تعالى، وابتغاء مرضاته، ومرضاته لا تتم إلا إذا سادت تعاليمه، وعلت في الأرض مثله، حتى لا تكون في الأرض فتنة، ويكون الدين لله، ولا أدل على صحة هذه المبادئ وتلك المفهومات، من هذه السعادة التي تملأ جوانح الإنسان، حينما يكتشف سر وجوده، وجوهر رسالته، وينطلق في طريق الهدف الكبير، الذي خُلق من أجله، لما فرغ الناس لقتلاهم في أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع ؟ في الأحياء هو أم في الأموات ؟ فذهب رجل من الأنصار، فوجده جريحا في القتلى، وبه رمق، فقال له، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرني أن أنظر في أهل أحد، أفي الأحياء أنت أم في الأموات، قال: أنا في الأموات، أبلغ رسول الله عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك السلام، وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إذا خُلص لنبيكم وفيكم عين تطرف. قال فلم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته خبري فبكى حتى أخضل لحيته.
 ما هذه السعادة التي كانت تملأ جوانح سعد بن الربيع ؟ لقد ظهرت في ضوء هذه المبادئ وتلك القيم، بطولات فذة، يندر أن نرى مثلها في المجتمعات التي أدارت ظهرها لمنهج الله، وانغمست في وحول الشهوات، من هذه البطولات الفذة بطولة سيدنا جعفر في مؤتة، لما وصل المسلمون إلى مؤتة، وهي قرية واقعة على مشارف الشام في الأردن، وجدوا أن الروم قد أعدوا لهم مئة ألف، تُظاهرهم مئة ألف أخرى، أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف، وما أن التقى الجمعان، ودارت رحى المعركة، حتى خر زيد بن حارثة صريعا، مقبلا غير مدبر، فما أسرع أن وفد القائد الثاني سيدنا جعفر بن أبي طالب، وثب عن ظهر فرسه الشقراء، وحمل الراية، وأوغل في صفوف الروم وهو يُنشد:

يا حبذا الجنة واقترابها   طيبة وباردا شرابها
الروم روم قد دنا عذابها   كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذ لاقيتها ضرابها

***

 وظل سيدنا جعفر رضي الله عنه يجول في صفوف الأعداء، بسيفه، ويصول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، فما لبث أن أصابته ضربة أخرى قطعت شماله، فأخذ الراية بصدره وعضديه، فما لبث أن أصابته ثالثة شطرته شطرين، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم مصرع سيدنا جعفر، فانطلق إلى بيت سيدنا جعفر بنفسه، فوجد زوجته أسماء تتأهب لاستقبال زوجها الغائب، وقد عجنت عجينها، وغسلت بنيها، ودهنتهم وألبستهم، قالت أسماء فلما أقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم، فسرت المخاوف في نفسي، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر، مخافة أن أسمع منه ما أكره، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ائتني بأبناء جعفر، فدعوتهم له، فهبوا نحوه فرحين، مزغردين، وأخذوا يتزاحمون عليه، كل يريد أن يستأثر به، فأكب عليهم صلى الله عليه وسلم، وجعل يتشممهم، وعيناه تذرفان من الدمع، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء ؟ قال:نعم، لقد استشهدوا هذا اليوم، عند ذلك غاضت البسمة من وجوه الصغار، لما سمعوا أمهم تبكي، وتمشج، وجمدوا في أماكنهم، كأن على رؤوسهم الطير، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد مضى وهو يكفكف عبراته ويقول: اللهم اخلف جعفرا في ولده، اللهم اخلف جعفرا في أهله، ثم قال: رأيت جعفرا في الجنة، له جناحان، مدرجان بالدماء، وهو مصبوغ القوادم.
 أيها الإخوة الكرام، لا يخفى عليكم أن الأمة العربية والإسلامية، تمر في هذه الأيام بظروف عصيبة، لكن الحدث قد يقع، لكن العبرة في تفسيره، الحدث يقع، وهناك آلاف التفسيرات، بعضها صحيح، وبعضها غير صحيح، لابد من أن تسأل أهل الذكر، قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة الأنبياء]

 اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، من هم أهل الذكر ؟ هم الذين يعرفون الوحيين، الكتاب والسنة، والدليل، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾

[سورة يس]

 - أي القرآن - وقال تعالى:

﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ﴾

[سورة ص]

 وقال تعالى:

﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾

[سورة القلم]

 -القرآن- وقال تعالى

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾

[سورة النحل]

  فما معنى قوله تعالى إذا: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، ؟ اسألوهم عن تفسير هذه الحوادث، لا ينبغي أن نأخذ تفسيرات الحوادث التي تُلم بنا من الشاردين عن الله، ولا من التائهين، ولا من الحاقدين، ولا من أهل الدنيا، ولا من العصاة المذنبين، ينبغي أن نأخذ تفسير الحوادث من خالق الكون، ماذا يقول الله عز وجل، دققوا في هذه الآية:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾

[سورة إبراهيم ]

 مئة قتيل شهيد، وألفان من الجرحى، لا يعبأ أحد بهم، أما ثلاثة أسرى، قامت الدنيا ولم تقعد، قامت الدنيا ولم تقعد، جاء غلى المنطقة أمين هيئة الأمم، ليطمئن على حسن معاملتهم، أما هؤلاء المئة الذين قُتلوا وهؤلاء الألفان الذين جُرحوا، لا أحد يعبأ بهم، وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام. يجب أن تؤمن أن الله لا يخلف وعده، وقال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾

[سورة إبراهيم ]

  وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام، أما الآية التي لو فهمناه، لو عقلناها، لو أدركنا مضمونها، لكنا في حال غير هذه الحال، قال تعالى:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

[سورة آل عمران ]

  دلنا الله على شيئين إن فعلناهما، كل هذا الكيد، وكل هذا المكر الذي تزول منه الجبال، لا نتأثر به، لا يضرنا، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا، إن الله بما يعملون محيط.
 أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل: ومن آياته خلق السماوات والأرض، ومن آياته الليل والنهار، ومن آياته الشمس والقمر، يعني علامة صارخة، دالة على عظمة الله، الآن أية دقيقة جدا، يقول الله عز وجل:

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾

[سورة آل عمران]

 - معنى الآية أن الفئة القوية لو انتصرت على الضعيفة، شيء طبيعي، هذا من قوانين الحياة، فئة تملك أرقى أنواع الأسلحة، أخطر أنواع الأسلحة، لو انتصرت على فئة لا تملك السلاح، لكان شيئا طبيعيا، هكذا قوانين الحياة، لو أن فئة أخذت بكل الأسباب، وفئة أخرى أخذت ببعضها، بقدر المستطاع، وانتصرت على الفئة الضعيفة، بأسبابها شيء طبيعي، هذا من قوانين الحياة، ولكن الآية الصارخة، أن تنتصر الفئة القليلة بعددها، على الفئة الكثيرة، قال تعالى:

﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة البقرة]

 الآية، أن تنتصر الفئة التي تمتلك بعض الأسباب، على فئة تملك أكبر ترسانة من الأسلحة، أن تنتصر الفئة التي تمتلك بعض الأسباب، على فئة تملك كل الأسباب، هذه آية من آيات الله، أن تنتصر فئة قليلة العدد، والعدة على فئة كثيرة العدد والعدد، هذا من آيات الله الدالة على عظمته، كيف أن الشمس والقمر آيتان، وكيف أن الليل والنهار آيتان، أن تنتصر فئة قليلة، ضعيفة، لا تملك من الأسباب شيئا، على فئة كبيرة كثيرة العدد والعُدد، تملك كل الأسباب، هذه آية صارخة، دالة على عظمة الله، إليكم الآية، يقول الله عز وجل:

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة آل عمران]

 -العبرة أن يكون القتال في سبيل الله، في سبيل إعلاء كلمة الله -،

﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾

[سورة آل عمران]

 في هذه الآية ملمح بلاغي رائع، حُذف من الأول ما دل عليه الثاني، وحُذف من الثاني ما دل عليه الأول، قال فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، من هي الأولى ؟ الآن، الفئة الثانية، قال كافرة، لم يقل تقاتل في سبيل من، ما دامت الأولى تقاتل في سبيل الله، فالثانية تقاتل في سبيل الشيطان،

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾

[سورة آل عمران ]

 لعلماء التفسير اجتهادات في هذه لآية، بعضهم قال، طمأن الله المؤمنين، فرأوا الكفار قلة، والمؤمنون يُعدوا مثليهم، وبعضهم قال: ضعف الله الكافرين، فجعلهم يرون المؤمنين مثليهم على كلِّ، هناك آية دقيقة تؤكد هذا المعنى:

﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾

[سورة الأنفال]

 معنى ذلك أن النصر بيد الله، إذا ملأ اللهُ قلبَ الكافر خوفا انتصر المؤمن، وإذا ملأ قلبَ المقاتل خوفا ولى هاربا، قال صلى الله عليه وسلم:

((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ))

[رواه مسلم]

 معنوية المؤمن عالية جدا، معنويات الذين يقاتلون في سبيل الله عالية جدا، مهما ملك الإنسان من أسلحة فتاكة، مادام بعيدا عن الله عز وجل، قلبه فارغ، خائف، مرتعد في فصائله.
 أيها الإخوة، قال تعالى:

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾

[سورة آل عمران ]

 إن أردت أن تُعيد من على الإنسان، النصر له أسباب، من أخذ بها استحق النصر، إن أردت أن تعيد النصر على الله عز وجل، فالله عز وجل ينصر كما قال: وإن جندنا لهم الغالبون، إذا كانت جنديتك لله، فأنت المنتصر، قال تعالى:

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[سورة غافر ]

 للنصر الذي هو عزيز على كل مسلم شرطان فقط، أن تكون مؤمنا، وأن تأخذ بالأسباب، أن تكون مؤمنا، وأن تأخذ بالأسباب المتاحة، قال تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة المائدة]

  وقال:

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الروم ]

 وقال:

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[سورة غافر]

 أما أن نأخذ بالأسباب، قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

[سورة الأنفال]

  من تفيد استغراق أفراد النوع، كل أنواع القوى، يجب أن تعدوها، بقدر المتاح، ومن رباط الخيل، عطف الخاص على العام، لنفهم، في زمن أصحاب الرسول رباط الخيل، بعدئذ هناك المدرعة، هناك الطائرة، هناك التغطية، إلى آخره، قال تعالى

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

[سورة الأنفال]

  لابد من أن يكون عدوكم عدو الله، لأن لا تقعوا في فتنة داخلية، لابد من أن يقاتل المؤمنون جميعا في خندق واحد، ضد أعداء الله، أما أن يقتتلوا فيما بينهم، ترهبون به عدو الله وعدوكم في وقت واحد، يجب أن يكون عدوكم عدو الله.
 أيها الإخوة الكرام، هذه آية دالة على عظمة الله، وهي بمثابة قانون، في كل زمان ومكان، لو أخذنا بأسبابها لقطفنا ثمارها.
 أيها الإخوة الكرام، ما منا واحد، إلا ويتمنى النصر، قال تعالى

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة الروم ]

 إلا أن المؤمن يأخذ بالأسباب، وأسباب النصر أن نؤمن بالله إيمانا حقيقيا، وأن نأخذ بما أُتيح لنا من أسباب، وبعدئذ نتوكل على الله، والله سبحانه وتعالى لا يُخيبنا،
 أيها الإخوة الكرام، آن لهذه الأمة أن تصحو من غفوتها، آن لهذه أن تعود إلى ربها، آن لكل فرد منا أن يقيم الإسلام في بيته، آن لكل فرد منا أن يقيم الإسلام في عمله، آن لكل فرد منا أن ينكر المنكر، وأن يأمر بالمعروف، آن لكل فرد منا أن ينتبه إلى أولاده، وإلى بناته، وإلى زوجته، وإلى أهل بيته، من أجل أن نستحق النصر على أعدائنا، لأن الله عز وجل يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الرعد ]

 إن كنا في محنة شديدة مع عدو غاصب، مع عدو وحش كاسر، عدو لا يرحم، عدو متغطرس، عدو مستعل، عدو معه قوى الأرض، تظاهره على ظلمه، إن كنا كذلك، فلا بد أن نلتجئ إلى الله عز وجل، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 يعني غيِّر كي يغير، إن لم تغير، لا يغير، أما أن نتساهل فيما نحن نملكه من بيوت، وأعمال، ثم نشتكي إلى الله، لأنه لا ينصرنا ! هذا كلام فارغ، أقم الإسلام فيما تملك، يكفك فيما لا تملك، هذه القوة الجبارة العاتية، هذه القوى المتوحشة، الكاسرة، لا نملك ردعها، لكن نملك أن نقيم الإسلام في بيتنا، نملك أن يحب بعضنا بعضا، نملك أن نكون منصفين، نملك أن نعود بالإسلام إلى أصوله، إلى ينابيعه، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الرحم، حتى بعث الله فينا رجلا، نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحقن الدماء.
 أيها الإخوة، هكذا الإسلام، الإسلام له مضمون أخلاقي، فلابد من أن نعود إلى ربنا، ترون وتسمعون شيئا لا يُحتمل، عدوا لا يرحم، يكيل بألف مكيال ومكيال، يُذبح المسلمون بمئات الألوف، يقولون شأن داخلي، ثلاثة رجال يُؤسرون، وهم مقاتلون، تقوم الدنيا ولا تقعد، لماذا ؟  الأعداء يكيلون بألف مكيال، ينحازون انحيازا قذرا، ومع ذلك البد من أن نستعين بالله تعالى عليهم، لابد من أن نصطلح مع الله، لابد من أن نقيم الإسلام في بيوتنا، لابد من أن نظر إلى زوجاتنا وإلى بناتنا، هؤلاء الفتيات اللواتي يخطرن في الطرقات، كاسيات عاريات، أليس لهم آباء مسلمون، أليس لهم أزواج مسلمون، أليس لهم إخوة مسلمون ؟ كيف سمحوا لهن بالخروج بهذا الشكل ؟ قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

[سورة مريم ]

 يا أيها الإخوة الكرام، والله زوال الكون، أهون على الله من أن لا يحقق وعوده للمؤمنين، قال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

[سورة النور]

 أين التمكين،

﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

[سورة النور]

 أين التطمين، لا استخلاف ولا تمكين ولا تطمين، لماذا ؟ لأنه خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا، في آخر الزمان يبيع المرءُ دينه بعرض من الدنيا قليل، يحلف على كتاب الله كاذبا، يبيع مبدأه من أجل مبلغ يسير، أو مركبة يركبها، ينافق نفاقا اعتقاديا، يقول مالا يقنع، يقول بما لا يقنع، ويعمل بما لا يقول، هذا النموذج، مليون إنسان كأف، لا يحركون ساكنا، ليست كلمتهم هي العليا، أمرهم ليس إليهم، للكافر عليهم ألف سبيل وسبيل.
 يا أيها الإخوة الكرام، عودة إلى الله، اصطلاحا مع الله، توبة نصوحة إلى الله، لأن قضية المسلمين اليوم، نكون أو لا نكون، قضية مصيرية، جهود طويلة، انهارت في ساعات، جهود طويلة مع حسن الظن بالأعداء انهارت في ساعات، وانتهى كل شيء
 يا أيها الإخوة الكرام لابد من مراجعة الحسابات، لابد من ترتيب أوراق البيت الداخلي، لابد من جلسة نتأمل فيها واقعنا، نتأمل فيها رسالتنا، نتأمل فيها منهجنا، الأمر خطير جدا، رأيتم كيف أن الجفاف يهددنا، نحن مهددون بكأس الماء، مهددون بأعداء، لا يرحمون، وترون وتسمعون بما يجري بأخوتكم في الأرض المحتلة.
 أيها الإخوة الكرام، أردت من هذه الخطبة، أن تكون باعثا متواضعا، على تصحيح المسار، على ترتيب البيت المسلم، على ضبط الأمور في بيتك، وفي عملك، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا، وينصرنا على أعدائنا، وأسباب النصر بين أيدينا، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة آل عمران ]

 أخطر شيء، أن ننهزم من الداخل، أن ننهزم من الداخل هذا أخطر شيء، ربما لا تملك شيئا، ولكنك موقن بنصر الله، بدأت الحرب بالإنسان، وانتهت بالإنسان، الإنسان الذي يريد أن يعلي كلمة الله، لن يخذله الله عز وجل.
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

***

 الخطبة الثانية
 أيها الإخوة الكرام، لعل الله جل جلاله يرحمنا، وينصرنا، وننتقل من مرحلة الاستنكار والشجب والتنديد، ومتابعة الأخبار بقلق، وتحميل المسؤولية إلى مرحلة أخرى، نذوق فيها النصر العزيز، دعوني أضعكم في صورة من صور ماضينا المشرق، ملكة الروم اسمها الإمبراطورة إريني، قضت نحبها، وكانت تجلس على عرش الإمبراطورية الرومانية، خلفها من بعدها الإمبراطور نقفور، وما إن استقر على العرش، واستقل بالحكم، حتى أرسل إلى هارون الرشيد، يقول له: لقد وضعتك التي كانت قبلي من نفسها مكانا رخا - الطائر المسيطر - ووضعت نفسها منك مكان البيدق - يعني الجندي الصغير - في لعبة الشطرنج، وأرسلت إليك من أموال الدولة، ما كنت خليقا أن ترسله أنت إليها، فإذا جاءك كتابي هذا، فأرسل كلما كانت قد أنفذته إليك من أموال الدولة، وإلا فالحرب بيني وبينك، إمبراطور أكبر دولة، الرومانية، يرسل رسالة إلى هارون الرشيد، قال له: أرسل كل الأموال التي أرسلتها إليك من كانت قبلي، وإلا فالحرب بيني وبينك، فأرسل هارون الرشيد يقول: من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسرعان ما اتجه بجيش جرار إلى هرقل، وقاتل نقفور، وأخضعه لما كانت قد خضعت له من قبله الإمبراطورة، وكتب في ذلك كتابا وعاد منتصرا، وفي الطريق، كان الشتاء قاسيا، وكان الثلج يهمي، وقد غطى الطريق كله، سمع رجال من حاشية هارون أن نقفور نكث العهد، فاستكتموا الخبر، خوفا من أن يسمع به هارون الرشيد، فيعودوا مرة ثانية، وكان الوقت قاسيا، والبرد قارسا والشتاء شديدا، ولكن الخبر تسرب إلى سمع هارون الرشيد، فعاد مرة ثانية، وقاتله، وأخضعه، بموجب كتاب ألزمه توقيعه، لما كانت قد خضعت له الإمبراطورة من قبله، يعني، هذا الذي نرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيده على أمتنا، كان العرب قبل الإسلام رعاة للغنم، فلما جاء الإسلام وتشرفوا به، صاروا قادة للأمم، وليس بعيدا أن ينصرنا الله على أعدائنا إذا اصطلحنا مع ربنا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ))

[رواه الترمذي]

 وفي حديث آخر:

((الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ))

الدعاء

 اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وبارك اللهم لنا في ما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك، ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زادا لنال من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تُؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمتي الحق والدين، وانصر الإسلام، والمسلمين، أنصر إخوتنا في الأراضي المحتلة، على أعدائهم أعدائك أعداء الدين، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل كيدهم في نحرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم، اجعل تدميرهم في تدبيرهم، يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمتي الحق والدين، وانصر الإسلام، والمسلمين، وخذ بيد ولاتهم لما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة