المستضعفون في الأرض .. وسنن التمكين

الجمعة 28 يوليو 2017 01:20 م بتوقيت القدس المحتلة

المستضعفون في الأرض .. وسنن التمكين

عبد الله المبرد

أيها المؤمنون: ما كرر القرآن قصة ولا خبراً كقصة فرعون وطغيانه وتجبره على الأمة المستضعفة من بني إسرائيل، وما أعاد القرآن حادثة عدد ما أعاد البلاء النازل بتلك الأمة المظلومة المهضومة المكلومة؛ ففرعون بطغيانه وهيجانه كان يصيح منتفخاً (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [127 سورة الأعراف]، وكان يذبح أطفالهم ويستخدم نساءهم في خطة شنيعة؛ لإبقائهم تحت نيران الذل والعبودية؛ لئلا يخرج منهم من يرد لهم كرامتهم، وينهض بهم من كبوتهم، ولكن الله -عز وجل- الذي له الخلق والأمر، وإليه القبض والبسط، ومنه العز والذل - أراد غير ما أراد الطاغية المتجبر (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) [6 سورة القصص]..


الله أكبر آية من آيات الله عظيمة فيها عزاء ووعد وفجر يلوح في آفاق المظلومين.. إنه صبح يتراءى لأهل غزة وأمثالهم على مر التاريخ، أمة تحت القهر والذل معزولة عمن ينصرها ليس لها أمل في عون أحد، ولا رجاء في رحمة مخلوق أو نجدته، ليس لها من أسباب القوة ما تعلق به آمالها، ولكن الذي بيده ملكوت كل شيء أراد أن يمن عليها -ومن يرد مشيئة الذي له القوة المطلقة، والكبرياء المطلق سبحانه-، أراد أن يمكن لهم في الأرض وهم رغماً عن عددهم الجبار، أراد أن يمكن لهم رغماً عن أعوانه وأجناده والخونة المتآمرين معه، أراد الله أن يجعل هذه الأمة التي ما كانت تحلم بأكثر من الخروج من ذلها أراد أن يجعلهم أئمة -الأمة التي ما كانت تحلم بأكثر من الخروج من الأرض التي ظلمت فيها-، أراد الله أن يجعل لها ملك هذه الأرض والتمكين الكامل فيها.


يقول ابن كثير رحمه الله " أراد فرعون بجوله وقوته أن ينجو من موسى فما نفعه ذلك من قدر الملك العظيم، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت بسببه ألوفاً من الولدان إنما منشأه ومرباه على فراشك وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلـله وتتفداه، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يده؛ لتعلم أن رب السموات العلا هو القادر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ".


أجل أيها المؤمنون: أنجى الله القلة القليلة العزلاء الذليلة، أعزها وأهلك الدولة المستكبرة والمتجبرة والطاغية المستعلية في الأرض بغير الحق مع بطشه وقوته؛ لتبقى سنة الله وقانونه وحكمه العادل (إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [128 سورة الأعراف].

 
أيها المؤمنون: إن غزة استثنائية ومنعطف تاريخي كبير في تاريخ صراع المسلمين مع اليهود، فالذين يقاتلون اليهود اليوم ليسوا كالمنظمات العلمانية التي واجهها اليهود من قبل، ولا كالجيوش المأجورة التي لقوها من قبل، إنهم أبناء ثورة المساجد التي انطلقت عام 1407هـ للهجرة النبوية، إنهم أبناء المقاومة الإسلامية، بل أبناء الجهاد المقدس نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله، ولذلك فاليهود ومن خلفهم -أبناء أبي رغال الخونة- قد يئسوا من ترويضهم بالسياسة، أو إسكاتهم بالرشاوى، أو جرجرتهم لأنصاف الحلول وأرباعها وأعشارها التي كانت تملأ بطون من قبلهم.


إنهم قالوها بجلاء ووضوح لا اعتراف بإسرائيل، ولا بأي شبر لهم في أرض المسلمين، ففجعت يهود فيما حصلوا عليه من قبل، ثم ذهل الصهاينة مرة أخرى بأن الشعب الفلسطيني اختار هذه الحركة المقاتلة بفكرتها الجهادية، اختارها لقيادته فعوقب الشعب على اختياره بالجوع والعزلة والإقصاء والموت البطيء ..، ولكنه صمد بل ازداد تمسكاً والتحاماً مع قادته، بل إن الشعب بأكمله اعتنق الفكرة العظيمة، والهدف الكبير؛ هدف الجهاد، وتطهير الأرض من رجس يهود، فسعت السياسة الصهيونية لإقناع الدول المؤثرة بخطر هذه الفكرة ورجالها حتى على أنظمتهم، واستدعتهم لمؤازرتها في حصارها، لأنهم لا يريدون مسلماً يذكر أمته بواجب الجهاد وفرضية تحرير القدس الشريف، ونقول للذين يرددون مبررات اليهود بلا وعي: هل كانت صواريخ غزة موجودة حين ذبح اليهود 3500 مسلم في صبرا وشاتيلا ؟! وهل كانت موجودة حين مذبحة خان يونس عام 56م أو يوم دير ياسين ؟! أو في مقتلة قانا التي قتل فيها 1250 مسلم ؟! هل كان أحد مطلق الصورايخ حين أحرق اليهود الأقصى عام 69م ؟!

هؤلاء اليهود والِغون في الدماء من سلفِهم الممسوخ قبل حركة الجهاد وصواريخها فقد ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [21  سورة آل عمران].


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مئة وسبعون رجلاً من بني إسرائيل فأمروا -من قتلهم- بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم " فهم الذين ذكر الله عز وجل في هذه الآية.


ولن يقطع هذه اليد المضرجة بالدماء إلا الجهاد ورجاله، (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) [111 سورة آل عمران].

 
أجل أيها المؤمنون هي في شرعة الجهاد التي أوجبها الله على المؤمنين، وجعلها عزهم ومجدهم وسؤددهم، بل جعلها الصفقة التي جفت بها الأقلام وطويت عليها الصحف ها هي ذي تصبح الرقم الصعب والمعادلة العسيرة التي تصطدم بها القوى السياسية، وتستعصي على الترويض الإعلامي والمكرر الأمي إنها بيعة الله مع عباده ولا إقالة واستقالة (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [111 سورة التوبة].

 
هكذا يسير الزمان لتتجلى عظمة الجهاد وأهله، وليعلم العالم أجمع أن المجاهدين هم وحدهم المؤهلون لاسترداد الأقصى، وهم دون غيرهم المستعدون لإعادة الأمة إلى منابر العز ومدارج السؤدد، وهم دون سواهم الذين يستطيعون أن يردوا العدو إلى دوائر الذل والصغار التي يستحقها وكتبها الله عليه.


ظهور الجهاد هو علامة الرجوع الكبرى للدين العظيم، وعلامة النهوض بعد الكبوة والصعود بعد الانحدار قال صلى الله عليه وسلم " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "


في هذا العقد من الزمان ركز اليهود والنصارى وظلهم الذليل من المنافقين على تشويه الجهاد وأهله ورميهم بالإرهاب والتطرف حتى بات الحديث المجرد عن شرعة الجهاد يعد كلاماً مريباً وطرحاً غريباً؛ كل ذلك لنزع هاجس الجهاد من نفوس الأجيال، كل ذلك لتموت الأمة بأكملها فيه جاهلية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية "


ولكن هو ذا الجهاد يعلن انبلاج صبحه، وانطلاقة خيوله؛ لتظل الطائفة المنصورة تضرب بسلاحها، وتفخر بجراحها لا يضرها من خذلها ولا من عادها حتى تقوم الساعة.


ولا يعني ذلك تزكية مطلقة تبريراً لكل خطأ، ولكنها النهج الشرعي الذي يجب سلوكه بأن تقف مع الجهاد داعماً وداعياً وموجهاً وناصحاً.


ولو سلم جهاد من خطأ لسلم منه جهاد الصحابة الذي كان يقوده محمد صلى الله عليه وسلم، وانظر كم عاتبهم القرآن وتتبع هناتهم؛ يربيهم ويوجههم ويشيد بمواقفهم ويسجل رضا الله عنهم ويقر لهم بالفوز الكبير، فقد تنازعوا الغنائم -رضوان الله عليهم- فأنزل الله عليه (قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [1 سورة الأنفال].

 
وفر بعضهم وفيهم عثمان بن عفان فأنزل الله (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [155  سورة آل عمران] وافتخر بعضهم بالكثرة والقوة فأنزل الله (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [152  سورة آل عمران].


ولكنهم مع كل ذلك هم المرضيون عند الله، وهم خير القرون، وهم حزب الله المفلحون، وهم أهل الفوز الكبير والفوز العظيم، وهم خير عصبة ركضت بها الخيول، وهم زينة البشرية وفخر بني الإنسان (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [22  سورة المجادلة].




 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة