لا تكن صلبا فتُكسر ولا تكن لينا فتُعصر

الأربعاء 16 أغسطس 2017 10:31 ص بتوقيت القدس المحتلة

لا تكن صلبا فتُكسر ولا تكن لينا فتُعصر

عبد الرحمن حمد

جلستُ متفكرا  في الظروف التي تحياها غزة عامة، والحركة الإسلامية خاصة، من تآمر فاق كل وصف، وتوقفت مع ما حدث مؤخرا من تفاهمات مع من يتآمرون ضدنا ونعلم بغضهم لنا، فخلصت إلى هذه الخاطرة، وهي أنه في هذه الحياة الصعبة التي نحياها، ونشهد عقباتها الكثيرة، ويشتد فيها مكر أهل الباطل، نحتاج أحيانا لأن نكون كجسم هلامي فيه نوع من التماسك وفيه مقدار من الليونة، فلا نكون شيئا صلبا لا يتقبل الأخذ والرد، ولا نكون كالريشة في مهب الريح.
وسأضرب لك مثالا، فبالمثال يتضح المقال، تخيل معي أن العقبات التي نحياها كمجسم من الفولاذ ويوجد فيه بعض الثقوب التي تمثل احتمالات وفرضيات الحل، فلو أردت أن تُدخل شيئا صلبا من خلال هذه الثقوب، فلا بد وأن يكون هذا الشيء المُدخل على نفس مقاس الثقب ليدخل فيه بإحكام، لأنه إن كان الشىء المدخل أصغر من الثقب بكثير تحرك فيه يمنة ويسرة وربما سقط إذا تحرك المجسم وهذا ما لا نريده، وإذا كان هذا الشيء الصلب المراد إدخاله أكبر من مقاس الثقب وأردت أن تدخله عنوة فستضطر لكسر أحدهما أو تشويهه لإدخاله في هذا الثقب، وهذا ما لا نريده أيضا، ولكن الجسم الهلامي تستطيع أن تشكله وتضغطه كيفما شئت وتدخله في ذلك الثقب، ثم لما أن ترفعه من ذلك الثقب يرجع إلى شكله الأول.
وسأضرب لك مثالا آخر لتتضح لديك الصورة أكثر، تخيل أن الصعوبات التي تحيط بنا، كوعاء مملوء بمجموعة من قطع الحجارة وبين هذه القطع بعض المسافات والمسامات التي تمثل فرضيات الحل التي يجب أن تعبرها، وتريد أن تمرر شيئا من خلال هذه المسافات الصغيرة فلو كان هذا الشئ المدخل صلبا فلن يمر إلا إذا تحطم ذلك الشيء أو تحطمت الحجارة وسيتشوه شكل ذلك الشيء حتما وهذا ما لا نريده، لكن لو جئت بكأس من الرمل ثم سكبته فوق الحجارة لرأيت كيف أن الرمل يتغلغل من خلال المسافات الصغيرة حتى يصل إلى أخر نقطة متاحة ويتواصل تراكم الرمل وتواصله من خلال المسامات حتى يملأها جميعا، ثم إذا أردت إرجاع الرمل إلى شكله السابق تستطيع أن تجمعه في الكأس مرة أخرى كما كان بكل سهولة. 
 أظن أن فكرتي قد وصلت. 
هكذا يجب أن نكون في بعض المواقف وخاصة ونحن نواجه التحديات والمكر العالمي الذي يُحاك ضدنا.
نتماشى مع بعض الظروف ونحافظ على تماسكنا ونرجع إلى  شكلنا السابق في أقرب فرصة ممكنة.
ولعل الناظر في كلامي للوهلة الأولى يظن أنني أدعو لتبني مبدأ التميع والتفريط شيئا فشيئا، لا ... بل أنا من أنصار مبدأ اثبت ولو خالفك الجميع، فسيجعل الله بعد عسر يسرا، ولكني لما رأيت البعض يلوم إخوانه وكأنهم بدلوا وغيروا وفرطوا وضيعوا، وهو الثابت المحافظ في نظر نفسه، أردت أن أقول أن السياسة الشرعية بوابتها واسعة ومشرعة في كثير من المسائل، وعلينا أن نأخذ بها في بعض المواقف، وأن ندرس السيرة والتاريخ ونستفيد منهما العبر في المواقف والظروف المشابهة،  فقد نأخذ في بعض المواقف والظروف قرارات نرفضها في مواقف وظروف أخرى، ولو نظرنا إلى السيرة النبوية لوجدنا هذا الأمر جليا، وأكتفي بمثال واحد، لقد همَّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب أن يصالح غطفان على أن يأخذوا ثلث ثمار المدينة مقابل أن يرجعوا عن حربه، وذلك شفقة على أصحابه لأنه رأى أن العرب قد رمتهم عن قوس واحدة، ومواقف أخرى من السيرة والتاريخ كثيرة، تبدو في ظاهرها تنازلا ولكنها كانت فتحا مبينا بعد ذلك، ولا يخفى صلح الحديبية وما حدث فيه على أحد منا.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة