العشر من ذي الحجة رسالة للتغيير

الخميس 17 أغسطس 2017 03:38 م بتوقيت القدس المحتلة

العشر من ذي الحجة رسالة للتغيير

احمد السلاق

ها هي نسائم ذي الحجة تهب علينا محملة بالخيرات، تنادي على كل مسلم أن أقبل فهنا بوابة جديدة للطاعات، فادخل بنفس متوثبة لتنال البركات ، وافتح صفحة جديدة واستنشق طيب هذه النفحات ، واعقد العزم أن تغيّر واقعك في هذه العشر الكريمات....

ألا يا باغي الخيرات أقبل         إلى ذي الحجة الشهر الحرام

به العشر الأوائل حين هلت      أحب الله خيرا للأنــــــــــــام

به النفحات من  فيض ونور     وعرفات فشمر للصــــــــيام

به الميلاد يبدأ من جديـــــد         إذا ما القلب طهر من سقام

فضلها:

- أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله:

عن ابن عباس – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر،فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" أخرجه البخاري (2/382)

وما أعظم ذاك الجيل المشرق الذي يحثنا على المقارنة بين الأعمال ، والتساؤل عن الأفضل فيها ، فعندما أخبر النبي –صلى الله عليه وسلّم – أن العمل الصالح في هذه الأيام أحبّ إلى الله تبادر إلى خواطرهم أسمى عمل وفريضة في حياتهم الجهاد في سبيل ... فحري بنا أن نعظم هذه الأيام ، ونجد نجتهد في العبادة فيها ، ونستشعر أيضا عظمة الجهاد في سبيل الله الفريضة الضائعة ، والواجب الغائب عن الضمير والوجدان.

- فيها يوم عرفة يوم إكمال الدين وتمام النعمة على الأمة:

عن أبي قتادة – رضي الله عنه – قال سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن صيام يوم عرفة ؟قال : "يكفر السنة الماضية والباقية" (رواه مسلم)

عرفة ذاك اليوم العظيم يوم الحشد والرباط في معسكر الطاعة والتجرد والخضوع بين يدى الله ... عرفة موطن العتق من النار يقول النبي –صلى الله عليه والسلام –"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة "(رواه مسلم)

-فيها يوم النحر العظيم:

يقول النبي –صلى الله عليه عليه وسلم – " إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر "(صححه الألباني)

وكم نحن بحاجة في هذا الزمان لأن ننحر أهواءنا وشهواتنا قبل أن ننحر الهدي، وننحر كل معتد على ملكوت الله ، ونهرق الدماء التي يحبها الله ، فالله يحب إهراق دماء الهدي، ويحب أن تهرق الدماء رخيصة في سبيله... فأعد الأضحية واستعد للتضحية.

فيا أخي المسلم : تأمل وتدبر فضائل هذه الأيام ، وليكن لك فيها برنامج خاص تسعى فيه للنهوض بروحك وعقلك وبدنك فهذه العشر من ذي الحجة ميدان للبناء، بناء للروح والقلب بالذكر والصلاة والقرآن، بناء للنفوس بالصدقة وتطهيرها من البخل، بناء للعقل بتعظيم شعائر الله وتكبيره والتخلص من عوالق الشرك والأدران، بناء للجسد بالسير إلى موطن الساجدين وإلى أبواب الفقراء والمساكين والتحرك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المستضعفين... إن فعلنا كنا من الفائزين الرابحين وإن قصرنا سنؤخر النصر عن أمتنا إلى حين، وعندها سنكون أخسر الخاسرين، أو نكون في عداد المستبدلين، وكما قيل: إن المنهزمين في ميدان صغير ليسوا أهلا لأن يحوزوا النصر لأمتهم في ميدان كبير ، فالجد الجد لنبلغ العلا والمجد...

فريضة الحج منطلق للتغيير:

هذه الأيام تنادي الحجيج ليؤدوا فريضة الله ويلبوا دعوته، يقول الله تعالى:" وأذن في الناس للحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق"(الحج27) وها هي جموع المسلمين تلبي نداء الله، وتهتف جوارحهم وأرواحهم شوقا لنيل رضاه...تلهج ألسنتهم بذكره، وتسح دموعهم من خشيته، وتنبض قلوبهم بمحبته. فهنيئا لمن اختاره الله في هذا العام ليسير في موكب الحج المهيب، والله يعلم أن هناك يقية تنتظر حبسها العذر أو أمر من الله قد قُدِر.

يا سائرين إلى البيت العتيق لقد     سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا

إنا أٌقمنا على عذر وقد راحوا      ومن أقام على عذر كمـــــن راحا

فالحجيج هم سفراؤنا الحقيقيون الذين يذهبون إلى المورد العذب منه ينهلون حيث كان رسولنا وصحبه يقيمون...الحجيج هم سفراؤنا الحقيقيون الذين يذهبون ويجلسون تحت مظلة السفارة النبوية التي تخرج منها الدعاة والمصلحون وهذا المعنى الذي يجب على كل حاجّ أن يعيشه ويبلغه فهم المقصودون بقول الله تعالى:"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".(التوبة122)

هؤلاء الحجيج إذا ما أخلصوا دينهم وعباداتهم لله، وتوحد صفهم، واجتمعت كلمتهم، ونظروا نظرة اشفاق لحال أمتهم فإنهم حتما سيصنعون لأمتنا العجائب وسيغيرون مجرى التاريخ وسنرى مصارع الظالمين والفراعنة الجدد، وسنرى تطهيرا لأرض النبوة من أنجاسها أمثال مسيلمة وأبي لهب.

حجة الوداع ورسائل التغيير النبوية:

إن هذه الأيام ، وهذا الموسم الروحاني الجهادي التربوي موسم الحج لا بد أن يعيد الأمة إلى جذورها وأصولها ،لتراجع حساباتها، وتقف وقفة جادة مع نفسها .

وما أجمل التوجيهات النبوية التي بثت في صعيد عرفات في مثل هذه الأيام المباركات المعدودات، ما أجملها حين نعيدها حقيقة وواقعا في حياتنا ، وما هانت الأمة وما ضعفت إلا عندما تنكبت عن مسك الكلمات التي ختم فيها نبينا الكريم حياته في حجة الوداع ...

-لقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأيام :" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا"،ويا ليتنا سمعنا هذا التوجيه الراقي حتى لا تهون دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ، لقد أصبح دم المسلم في زماننا رخيصا ، فصور الدمار وانتهاك الحرمات والأعراض وسفك دماء المسلمين واضح للعيان، وصلنا إلى زمان نقول فيه الحمد لله إذا قتل عشرة من المسلمين اليوم لأنه بالأمس قد قتل الآلاف.

لقد أضعنا فريضة حماية الدماء والأعراض والأموال والعقيدة فريضة الجهاد في سبيل الله ، فغدا كل نذل وجبان يتطاول ويستأسد علينا، وأصبحنا ندافع عن ثوابتنا بمنطق العجزة والمقعدين وأصحاب الأعذار فديست كرامتنا ، وقُتّل أطفالنا ، واغتصبت في السجون نساؤنا وأخواتنا ، وقدمت أرواح المستضعفين والشيوخ قربانا من العبيد لسادتهم وكبرائهم.

وللأسف وصلنا إلى زمان أصبح فيه من يبحث عن طريق لخلاص أمته إرهابيا ومجرما ، ومصيره إما السجن أوالتعذيب أوالطرد أوالقتل.

والواجب يتحتم علينا لنحمي عقيدتنا وأعراضنا وأموالنا أن نعود فترة من الزمن لنرابط على العبادة والطاعة والإعداد والاستعداد ، حتى يهيء  الله لنا الفرصة السانحة لننقض على كل متكبر جبار ، أوعميل جبان ، أو منافق خوان ممن استغلوا ضعف المسلمين وهوانهم فغدوا ينتهكون حرمات الله ويبغون في الأرض فسادا ، ويصدون عن سبيل الله.

-لقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأيام:" إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى ". فاتخذ الناس في زماننا أربابا من دون الله ، وعبدوا أصناما بشرية تضر ولا تنفع ، وأصبح ميزان التفاضل بين الناس الحسب والنسب والمنصب الشريف ، وتغلغلت روح العنصرية في مجتمعاتنا يربى عليها الأبناء منذ الولادة ويرضعون حليبها المسموم ولا يفطمون ... لقد أعادنا الأعداء عندما غفلنا عن هذا التوجيه إلى زمن أبي لهب وأبي جهل زمن التناحر والتباغض للنسب والقبلية ، فقسمونا دويلات وأقاموا بينا الحدود ، وأشعلوا نيران الفتن ، وبدأنا نقاتل تحت رايات عنصرية ، وأفكار صهيونية ، وتدبيرات أمريكية ، ولم نسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قاتل تحت راية عمية ،يغضب لعصبية ، ويدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلة جاهلية " صحيح مسلم (3/ 1477)، وما أكثر الموتى في سبيل هذه الغاية الدنيئة في زماننا.

إن إشعال نيران العنصرية عمل شيطاني حرفنا عن ميدان القتال الحقيقي الذي يريدنا الله أن ننضوي تحت رايته ، راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

-لقد قال نبينا –صلى الله عليه وسلم – في مثل هذه الأيام" استوصوا بالنساء خيرا" ، فضاعت نساؤنا وبناتنا ، واندثرت روح التربية والرعاية الحقيقية لهن، وخرج من بيننا أدعياء ينادون بتحرير المرأة أولئك الذين يريدونها جسدا مشاعا يفترسه ذئاب الأرض وكلابها، أولئك الذين يريدونها أن تنحرف عن مهمتها الأساسية في المجتمع الإسلامي وهي تخريج الأجيال المؤمنة المجاهدة المرابطة في سبيل الحق والعقيدة.

وكثيرة هي التوجيهات النبوية التي ينبغي علينا أن نحييها في هذه الأيام ، لنخرج من بوتقة التسليم بعلقم الواقع ، ونقف أمام الأمواج الفكرية العاتية التي اشتدت على ديار المسلمين .

وفي الختام....

يا مسلم ويا ابن الأمة المحمدية المرابطة المجاهدة هذه الأيام هي ميدانك فأعد خيلك ورجلك وابدأ السباق لتبلغ الآفاق ... ولتعش مع هذه الأيام المعدودات بروح جديدة ، وبهمة عالية فهذه الأيام تناديك للصيام والصبر حتى تنال من الله الخير والأجر ، تناديك للتكبير والتهليل والذكر ، لتصل إلى حصن أهل الغدر والنفاق والكفر ولتكون عاملا نافعا في بزوغ الفجر.

والوصية لكل تائق إلى حج بيت الله ولم يستطع في هذا العام أن يسمع وصية الإمام مالك-رحمه الله- ويعيها حق الوعي ليعرف مهمته:" من لم يستطع الوقوف بعرفة فليقف عن حدود الله الذي عرفه، ومن لم يستطع المبيت بمزدلفة فليبيت عزمه على طاعة الله ليقربه ويزلفه، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا ليبلغ المنى، ومن لم يستطع الوصول للبيت لأنه  بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب  إليه من حبل الوريد" والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة