عشر ذي الحجة

الأحد 20 أغسطس 2017 12:12 م بتوقيت القدس المحتلة

عشر ذي الحجة

د. تيسير الفتياني

مواسم الخير كثيرة ولله الحمد فما يكاد ينتهي موسم حتى يأتي بعده موسم آخر لاستكثار العمل الصالح، ومن هذه المواسم عشر ذي الحجة فهل لكم أن تبينوا لنا فضل هذا العشر العظيم وحكمتها؟ وكيف يتم استقبالها؟ وماذا يستحب فعله وتركه فيها؟

فقد ورد في فضل عشر ذي الحجة آيات وأحاديث كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: 
آ ـ قال تعالى: (وَالفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ)(الفجر: 2.1). قال ابن كثير رحمه الله: المراد بها عشر ذي الحجة، وقال تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)(الحج: 28) قال ابن عباس رضي الله عنهما: أيام العشر.
ب ـ ومن السنة: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" يعني العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء".
وعن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".
وكان السلف الصالح رحمهم الله يجتهدون في هذه العشر اجتهاداً لا يكاد يقدر عليه، والحكمة من ذلك: أن في عشر ذي الحجة تجتمع أمهات العبادة ولا يأتي ذلك في غيره ففيها الصلاة والصيام والصدقة والحج.
وأنه لما كان لا يستطيع كل واحد الحج جعلت العشر موسماً مشتركاً بين الحجاج وغيرهم، فمن لم يقدر على الحج فإنه يقدر على أن يعمل في العشر عملاً يفضل على الجهاد.
ج. أننا نصوم تسعة أيام ويكتب لنا أجر صيام عشرة.
د. أن آخر السنة وهو شهر ذي الحجة صيام، وأولها صيام وهو شهر محرم.

استقبال عشر ذي الحجة

يتم استقبال أيام العشر من ذي الحجة بالتوبة الصادقة قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(النور: 31) وكذلك بالعزم الجاد على اغتنام هذه الأيام فمن عزم على شيء أعانه الله عليه وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكماله، ومن صدق الله صدقه قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)(العنكبوت: 69). ناهيك عن البعد عن المعاصي، فالمعاصي من أسباب البعد عن الله والطرد من رحمته، وقيام لياليها، قال سعيد بن جبير لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر تعجبه العبادة.

أمور يستحب فعلها

ومن الأمور التي يستحب فعلها في العشر من ذي الحجة، ما يلي:
أولاً: الصلاة، ويكون ذلك بالحرص على صلاة الجماعة، والإكثار من النوافل، وكثرة السجود، ففي الحديث: "عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد سجدة إلا رفعك إليه بها درجة وحط عنك بها خطيئة".
ثانياً: الصيام، فإما أن يصوم المرء التسع كاملاً، أو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، أو أن يصوم الاثنين والخميس، فإن لم يستطع يصوم يوم عرفة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، وفي هذا الصدد قال الإمام النووي رحمه الله عن صوم أيام العشر إنه مستحب استحباباً شديداً.
ثالثاً: التكبير والتهليل والتحميد؛ لما ورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".
رابعاً: من أراد أن يضحي فإنه يستحب له أن لا يأخذ من شعره أو أظافره أو جلده شيئاً حتى يذبح أضحيته، لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره"، وفي لفظ: "فلا يمس من شعره ولا بشره شيئاً حتى يضحي" وهذا الأمر متعلق في حقه وليس في حق أهله، وهذا من السنة فإذا أخذ شيئاً من شعره أو أظافره فلا إثم عليه، وخاصة إذا احتاج إلى ذلك.

أحوال السلف في هذه الأيام المباركة

كان للسلف الصالح شأن خاص في هذه الأيام المباركة، ومن أمثلة ذلك: ما رواه الإمام البخاري رحمه الله، أن ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، وكان ابن عمر رضي الله عنه يكبر على فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً. وكان سعيد بن جبير رضي الله عنه إذا دخلت العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه.

حصاد المؤمن في العشر من ذي الحجة

وقد ذكر بعض العلماء: أن من صام هذه الأيام أكرمه الله بعشرة أشياء:
1. البركة في عمره.
2. الزيادة في ماله.
3. الحفظ في عياله.
4. التكفير لسيئاته.
5. التضعيف لحسناته.
6. تسهيل سكرات الموت. 
7. الضياء لظلمات القبر.
8. التثقيل لميزانه.
9. النجاة من دركات النار.
10. الصعود على درجات الجنة.

الأفضلية للعمل أم للجهاد في سبيل الله خلال العشر من ذي الحجة

إذا استغرق العشر كله الأعمال الصالحة وأتى بها على أكمل وجوه البر من أداء الواجبات واجتناب المحرمات وانضم إلى ذلك الإحسان إلى الناس ببذل السلام وإطعام الطعام، وضم إليه كثرة ذكر الله عز وجل، فإنه على هذا الوجه قد يفضل العمل فيها على الجهاد، لفضل العشر وشرفه، وذلك لحديث جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة، فقال رجل: يا رسول الله هو أفضل أم عدتهن جهادا ً في سبيل الله"، وهذا في جهاد الطلب وهو فرض الكفاية أما في جهاد الدفع وهو فرض العين فلا، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله ورسوله" قال ثم ماذا قال: "جهاد في سبيل الله" قال ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" وعنه أيضاً قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا أجده" قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد في سبيل الله أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر الصائم القائم القانت بآيات الله، الذي لا يفتر صلاة ولا صياما حتى يرجع المجاهد في سبيل الله".

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة