سلمان العودة وإخوانه.. أنتم الأعلون

الأربعاء 13 سبتمبر 2017 12:46 م بتوقيت القدس المحتلة

سلمان العودة وإخوانه.. أنتم الأعلون

لمى خاطر

"كيف يصوغُ الشاعرُ شِعرَه
والفاصلُ بين أصابعهِ والبلطةِ..
أرفعُ من شَعرة؟
عمّ سيكتبُ..
والشرفُ الرسميُّ رفيعٌ
والكلماتُ الحرّة ُ عَوْرة؟"

الشاعر أحمد مطر

لعل بعضنا سبق أن أدان بشدة صمت كثير من الدعاة والعلماء في الجزيرة العربية ومحيطها خلال الأزمات الأخيرة في المنطقة العربية، وامتناعهم عن انتقاد السياسات الظالمة أو المتخبطة لأنظمة دولهم، لكننا اليوم بتنا نرى قتامة الصورة في تلك المنطقة بشكل أفضل، ونبصرُ الحد الذي يمكن أن يبلغه الجور والاستبداد، إلى درجة محاسبة الناس ليس فقط على ما يقولونه، بل على ما يصمتون عنه أيضا. أما العارفون بطبيعة المشهد فقد قدّروا لعدد من الدعاة (ومن بينهم الشيخ سلمان العودة وإخوانه) صمتهم عن مباركة الضلال والتضليل، واعتمادهم لغة توافقية، حتى لو كان فيها تجنب لانتقاد السَّفه البيّن والرعونة الصريحة لسياسات حكام السعودية!
 
اعتقال الشيخ سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري وغيرهم أعاد تذكيرنا بأن للشهرة ضريبتها في ممالك القمع، وأنها تتحول إلى عبء على المرء حين تطالبه سلطة بلده بأن يؤدي ضريبة اشتهاره وفقاً لمقدار الملايين التي تتابعه على مواقع التواصل، أما شكل الضريبة تلك فهو دفعات متواصلة من مباركة السفه والطيش وتخبط السياسات، تُؤدَّى عقب كل موقف أو قرار، بلا إبطاء أو تورية، وذلك بتأكيد خضوع الشخص بين يدي السلطة صباح مساء، ومطالبة الناس بالتقرب إلى الله بالدعاء لحكامها، وذلك أملاً في انتقال عدوى الإذعان تلك إلى الملايين التي تتابع الداعية وتراه قدوةً ورائدا.
 
أما ردود أفعال ما بات يعرف (بالذباب الإلكتروني) أو (اللجان الإلكترونية) لدول الحصار فهي باعثة على الرثاء، رثاء الضمير والأخلاق وبقية الفهم. ويستوي في ذلك الرسميون مع المرتزقة ومحدودي الأفق والفهم، إذ نجد وزير خارجية (جزيرة الريتويت) يصف المعتقلين بأنهم دعاة إرهاب وأعوان شياطين، فيما يقول أحد أعضاء لجان الذباب إياها إنه رغم حبه للشيخ سلمان لكن حبه لوطنه أكبر، أي أنه يبرر اعتقال رجل التزم الصمت ولم يعلّق على مواقف الحاكم الذي غدا في عرف ذلك المعلّق متماهياً مع الوطن! ويعلّق إعلامي مشهور آخر بصيغة أكثر تعجرفاً قائلاً: إنه "رغم أنف كل من أخذته العزة بالإثم فالدولة تبقى دولة"!
 
يذكرنا كل ذلك أيضاً بحملة الشيطنة التي طالت جماعة الإخوان المسلمين ومعارضي الانقلاب في مصر قُبيل الانقلاب وبعده، حيث دُمغت الجماعة بالإرهاب وجُرّمت رغم إغراقها في السلمية، ورغم كونها حتى الآن ملتزمة بتجنب السلاح في مواجهتها مع سلطة الانقلاب المجرمة، وألقي بمعارضي الانقلاب من غير الإخوان في السجن بدعوى أنهم "خلايا إخوانية نائمة"، بل لم تسلم من تلك الفرية منظمات حقوقية دولية، لأنها أكدّت بالأدلة حدوث انتهاكات واسعة بحق المعتقلين داخل السجون.
 
ولن تتوقف حملات الشيطنة عند تلك الحدود، بل لعلها ستعمّ قريباً جميع الساحات العربية، لتطال من اختاروا الصمت على النطق بالفجور، بل وكل من يحمل بذرة فضيلة في داخله، حتى لو اعتزل السياسة ولزم بيته، فهذه الأنظمة كلها تنهل من مورِد شرّ واحد يبغض الفضيلة بكل مظاهرها وتجلّياتها، وهي ترتكب الموبقات ذاتها بحق شعوبها، وتستقي فنون القمع والترهيب من مدرّب واحد، ولم يعد يعنيها أن تقدّم تبريراً مقنعاً لانتهاكاتها، إذ يكفي أن تصوّر أبواقُها الإلكترونية ضحاياها بأنهم أعداء للدولة أو للوطن، أو أنهم إرهابيون، ودعاة فتنة.. هكذا بكل صفاقة ودون حاجة إلى برهان!
 
ولعل شعر أحمد مطر يبدو اليوم أكثر مُلاءَمة لأن يعاد الاستشهاد به لوصف الحالة العربية، حيث إن ما كان يبدو منه مبالغات شعرية يَشْخص الآن حقيقة ماثلة تُجسد تلك الرداءة المستمرة التي تصطبغ بسوادها آفاقنا المختنقة بأنفاسها.
 
 
لم يبالغ أحمد مطر حين قال قبل سنوات طويلة:


" لا تسألوا
كيف اختفتْ لافتتي الشعرية
لا تسألوا
فهذه الأوطان تعتقلُ الفأسَ
إذا ما حلّت الأوثان
وهذه الأوطان
تودّع الملاكَ دوماً
عندما تستقبلُ الشيطان
وهذه الأوطان
إذا أتاها ظالمٌ
تذبح كلَّ طائرٍ مغردٍ
وزهرةٍ برية
لأنها تخشى على شُعوره
من منظر الحرية!
حلّفْتكم بالله!
ألا تلمسوا أوتاريَ الصوتية
يا ناسُ إني صامتٌ
وأحمدُ الله إذا لم أُعتَقَل
بتهمة الكتمان
فالشاعر الشريف في أوطاننا
يُدان أو يُدان!
يا سادتي
تلك هي القضية!"

 

الحرية للشيخ سلمان العودة ولإخوانه عوض القرني وعلي العمري، ومن قبلهم عبد العزيز الطريفي وإبراهيم السكران، ولغيرهم ممن لم نعرف، أو لم تصلنا أخبار تغييبهم، ولعلّ بعض عزائنا في أن كل ما فعله سجانهم أنه حَوّلهم من سجن كبير إلى آخر أصغر وأضيق، لكنهم في هذا الأخير سيكونون أكثر حرية، وأقرب لجمهورهم الذي سيقرأ اليوم ما لم يقولونه من كلمات، وسيستعيد مواقفهم القديمة ويطالع إرثهم المكتوب والمسموع، وسيُكتب لأسمائهم البقاء ولظالميهم الفناء، ذِكراً وأثَرا، فالأيام دول، والسجن لا يدوم على أرض تتوق للثورة، لأن أديمها لا يتآلف مع شكل قضبانه، ويأبى أن يصطبغ بلون جدرانه.

المدونة على "مدونات الجزيرة"

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة