الأقصى ينادي

الجمعة 22 سبتمبر 2017 10:01 ص بتوقيت القدس المحتلة

الأقصى ينادي

أحمد حسين الفقيهي

عباد الله: لا تزال أمتكم الإسلامية هدفاً للأمم الكافرة، والشعوب الباغية، يسعون في إبادتها، ويحصدون خيراتها، وينتهكون مقدساتها، استعملوا كل أساليب الإبادة، فمرة بالإبادة الشاملة، ومرة بالحرب الفكرية، ومرة بإثارة الضغائن والأحقاد بين أبناء البلد الواحد، ولم تزل كل ألوان الحرب المعاصرة تستخدم ضد المسلمين، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

أيها المسلمون: لقد رزئت الأمة باليهود المعتدين في الأرض المباركة فلسطين، سلب أولئك الخونة من ذلك الشعب المسلم أرضه، وشرده من مساكنه، واعتدى على مساجده ومقدساته، بل وسامه سوء العذاب.

لقد تجاوز الاستكبار اليهودي حدوده، وبلغ طغيانه المدى سفكوا دماء الأطفال الرضع والشيوخ الركع والنساء العزل، ولم يكتف العدو بذلك فتجاوز طغيانه ووصل إلى حرمات المسلمين ومقدساتهم.

لقد سالت - عباد الله - دماء الأقصى تئن قائلة: وا إسلاماه وا إسلاماه، تطلب الغوث والنصرة مما تلاقيه على أيدي اليهود المعتدين.

فالنـور طـال غيابه *** والليـل مسدول الجناح

والقدس في أسر اليهود *** وهـم على دن وراح

والمسجد الأقصى غدا *** في الأسر مغلول السراح

لنـدائه في كل قلب *** مؤمـن وخـز الرماح

أين الذين يقودهـم *** للبذل ذبـح واجتيـاح

 

عباد الله: هل نسي المسلمون ما للأقصى من مكانة في الإسلام، أنسوا أن الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى، صلى إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أثني عشر شهرا.

أنسوا أن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد وضع في الأرض لعبادة الله وتوحيده، كما في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولا؟: قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة".

أنسوا أن المسجد الأقصى تضاعف فيه الصلاة ويعظم الثواب، قال صلى الله عليه وسلم "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة".

إن نسي المسلمون تلك المكانة الرفيعة لتلك البقعة المباركة، فإن المولى سبحانه قد تكفل بحفظها وإعادتها إلى حياض المسلمين، وسيبقى المسجد الأقصى منارة من منارات الإسلام الشامخة طال الزمان أو قصر.

أيها المسلمون: إن أحلام اليهود ومخططاتهم لهدم المسجد الأقصى وإزالته, وتحويله إلى هيكل, ظهرت منذ احتلالهم للقدس عام 1967م, وحينها أصبحت القدس الشرقية من ضحايا الهزيمة التي حلت بالعرب آنذاك، ولقد صرح مؤسس الكيان الصهيوني: أنه لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون انتزاع موقع الهيكل من العرب.

لقد جرت محاولات سابقة لحرق الأقصى وإزالته في عام 1967م، وعام 1984م، ومنذ حريق الأقصى وعمليات الاقتحام من الجماعات اليهودية المتطرفة لم تتوقف بحجة الصلاة في ساحته، ثم شرعت سلطات الاحتلال بأعمال حفريات تحت ساحات المسجد وأساساته بدعوى البحث عن آثار يهودية مقدسة، وهم يهدفون من خلال شق تلك الأنفاق وتفريغ التربة من تحت أساسات المسجد الأقصى, إلى تعريضه للانهيار عند أي عارض طبيعي, أو صناعي من الاهتزازات العنيفة.

وقد اعترف أحد خبراء الآثار عند اليهود في تصريحات صحفية عام 1990م قائلاً: سنقوم بإعادة بناء الهيكل الثالث على أرض المسجد الأقصى الذي تستطيع إسرائيل تصديعه باستخدام الوسائل الحديثة.

عباد الله: لقد تأكد من مصادر مطلعة -كما يقول حارس الأقصى الشيخ رائد صلاح-: أن هناك حفريات جديدة تحت الحفريات الأولى، وأن المؤسسة اليهودية باتت تقيم لها منشآت تحت المسجد الأقصى المبارك، ومن ذلك إقامتهم كنيساً تحت المسجد الأقصى مكون من طابقين يؤدون فيه طقوسهم الدينية، ويخططون كذلك لإقامة مدينة يهودية مصغرة تحت الأقصى المبارك.

أيها المسلمون: إن هذه الحفريات تشكل خطراً داهماً على بنيان المسجد الأقصى, وقد كشف تقرير رسمي لليونسكو استخدام المؤسسة اليهودية للحوامض الكيماوية خلال الحفريات، مما يعني أن هذه الحوامض التي استخدمت على مدار سنوات, باتت تتغلغل في أساسات المسجد الأقصى، وعلينا أن ننتبه قبل أن تحل الكارثة.

عباد الله: في الأيام الماضية شرع أخوان القردة والخنازير في هدم طريق باب المغاربة الملاصق للمسجد الأقصى, إضافة إلى غرفتين من غرف المسجد الأقصى، وقبل أن بين مخاطر هذا الخطوة وأهدافها, دعونا نلقي لمحة يسيرة عن هذا الباب وتاريخه:

باب المغاربة, أو باب حارة المغاربة: هو واحد من (11) باباً أقامهما العثمانيون في عهد السلطان سليمان القانوني، وهو أحد سبعة أبواب فقط ما زالت مفتوحة إلى الآن, سمي هذا الباب بهذا الاسم؛ لأن القادمين من المغرب يعبرون منه لزيارة المسجد الأقصى،

 ولأنه المدخل الذي كان يأوي من خلاله القاطنون بحارة المغاربة إلى ساحة المسجد الأقصى منذ مئات السنين، والكثير منهم يعودون بأصولهم إلى المجاهدين المغاربة الذين ساهموا في تحرير القدس الشريف من قبضة الصليبين المعتدين في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله رحمة واسعة.

لقد ظلت هذه الحارة تمثل رباطاً منيعاً لحماية المسجد الأقصى عموماً, وحائط البراق خصوصاً، ولذا ولدت هذه الحارة - بصمودها الرائع - أحقاداً دفينة في نفوس الصهاينة، جعلت أول خطوة يقدمون عليها بعد احتلالهم للقدس عام 67م، أن هجَروا أكثر من ألف شخص من حارة المغاربة، وهدموا منازلهم؛ وذلك لخلق مساحة ممتدة امام حائط البراق, وأطلق على المكان منذ ذلك الحين اسم حارة اليهود.

عباد الله: قبل سنتين من الآن, إنهار جزء من طريق باب المغاربة؛ بسبب تواصل الحفريات الإسرائيلية في المنطقة، وادعى اليهود حينها أن الهدم جاء نتيجة تساقط الثلوج والأمطار الغزيرة, ومنعت مؤسسة الآثار لدى اليهود دائرة الأوقاف الإسلامية من ترميم الطريق، وبنت جسراً خشبياً مؤقتاً بدلاً عن طريق باب المغاربة، واليوم يسعى أبناء يهود إلى بناء جسر علوي دائم، وإزالة طريق باب المغاربة.

أيها المسلمون: أن خطورة هذه الخطوة تكمن في أن هدم الغرفتين من شأنه أن يكشف مباشرة عن مسجد البراق الواقع داخل المسجد الأقصى غرباً، وعندما تقوم المؤسسة الإسرائيلية ببناء جسر جديد في المنطقة سيؤدي هذا إلى هدم مساحة كبيرة من الآثار الإسلامية التاريخية في الموقع،

 فضلاً عن أن المسجد الأقصى سيصبح مكشوفاً للإرهابيين الصهاينة, لاقتحام المسجد الأقصى المبارك في أي وقت، وقد صرح أحد الذين ينفذون جريمة الهدم بأنه سيتم تحويل مسجد البراق إلى كنسية بعد هدم الغرفتين، وذلك يتزامن مع بناء كنيسة أخرى على بعد (50) متراً عن المسجد الأقصى في إطار التهديد الذي ينفذ بأحكام وإصرار.

عباد الله: إن عمليات الحفر وصلت إلى مرحلة مدمرة وخطيرة للغاية؛ لأنها وصلت إلى عمق المسجد الأقصى, وتحديداً تحت المنطقة المسماة "الكأس" الواقعة بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة، علماً بأن اليهود يستخدمون في هذه الحفريات عمالاً أجانب, لا يجيدون اللغات الأجنبية، ويعيشون في تجمعات منطوية على ذاتها, وذلك يضمن لليهود إحكام التكتم على ما يجري تحت المسجد الأقصى وفي محيطه.

أيها المسلمون: في الوقت الذي تنشغل فيه فئام من امة محمد صلى الله عليه وسلم بالاحتفالات بالأعياد الباطلة والملهيات, يقف أخوان لكم من أبناء داخل فلسطين بالمرصاد امام اليهود وأحلامهم، فهم لليوم العاشر على التوالي يرابطون ويحتشدون أمام أعمال الهدم والحفريات في طريق باب المغاربة بالمسجد الأقصى المبارك، وذلك وسط إجراءات أمنية مشددة اتخذتها الشرطة الإسرائيلية لمواجهة المعتصمين، وهذا الفعل من إخواننا هناك هو أقصى ما يمكن أن يقدم من أمثالهم، حين غابت جيوش المسلمين عن الوغى وساحات الجهاد.

يا قدسنا المحبوب عذراً إننـا *** تهنا على درب الخلاف كما ترى

وقفت سدود الخائنين أمامنـا *** فاعذر فإن الشهم من قدا اعذرا

مهما تعددت المشارب حولنا *** مهمـا تطاول ظـالم وتجبـرا

فلسوف تبقى أمتي منصـورة *** ترنـو بعينهـا إلى أم القـرى

أولم يبشرها الرسـول بأنهـا *** ستظل أقوى في الوجود وأقدرا

ستظل طائفـة على إيمانهـا *** منصورة تبنـي الكيان الأكبـرا

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة..

الخطبة الثانية:

عباد الله: إن هذه الأحداث قدر مكتوب على هذه الأمة لتنهض من كبوتها وتعي رسالتها، وترص صفوفها تحت راية واحدة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

أيها المسلمون: إن المستقبل لهذا الدين بلا منازع، لكنه لا يتحقق بالمعجزات السحرية، وإنما بالعمل والبذل لله من منطلقات صحيحة على منهج أهل السنة والجماعة، وإن محنة فلسطين ليست هي الأولى ولا الأخيرة،

فقد تعرضت هذه الأمة لمحن كثيرة وقاسية, ومع ذلك لم تستسلم للجراح ولم تيأس, وظلت تكافح وتجاهد حتى نصرها الله على أعدائها.

عباد الله: أغيثوا إخوانكم جنود الأقصى الصابرين، أغيثوهم بالمال وبما تجود به أنفسكم, واعلموا أن إخوانكم هناك في الحركة الإسلامية، وفي مؤسسة الأقصى في الداخل الفلسطيني, يقفون بالمرصاد أمام الأعداء ومخططاتهم, فقدموا لهم ما يعينهم على إكمال مسيرتهم المباركة.

واعلموا - عباد الله - أن من أبرز صور النصرة في هذا الموضوع خاصة: أن نبين لأبنائنا وإخواننا حقيقة المسجد الأقصى وحدوده؛ لكي لا نقع فيما يريده منا اليهود, وهو اعتقاد أن مسجد قبة الصخرة هو المسجد الأقصى فقط، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " المسجد الأقصى اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان عليه السلام, وهو اسم لجميع ما دار عليه السور، ويشتمل على المسجد الذي في صدره وقبة الصخرة ا.هـ رحمه الله

أيها المسلمون: إن عجزنا عن النصرة الحقيقة فلا نعجز عن النصرة بالدعاء واللجوء إلى الله أن ينصر إخواننا في كل مكان وأن يقهر عدوهم.

ثم صلوا رحمكم الله على نبي الرحمة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم....

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة