رسالة المنبر "نحن أولى بموسى منكم"

الخميس 28 سبتمبر 2017 08:00 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "نحن أولى بموسى منكم"

د. محمد سعيد بكر


المحاور:
- أطلق النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة شعاراً خالداً في سياق تأكيده على قيمة: (الانتساب للفضيلة والأفاضل) حين قال ليهود المدينة وقد رآهم يصومون يوم عاشوراء شكراً لله تعالى على نجاة موسى عليه السلام من الطاغية فرعون: (نحن أولى بموسى منكم، ثم صام ذاك اليوم وأمر بصيامه) رواه مسلم.
- تعد قيمة الانتساب للفضيلة والأفاضل من أرفع القيم وأشرفها، كيف لا؛ ومعلوم أن القرين بالمقارَن يقتدي، ومجرد الانتساب للكرام يضفي علينا من صفات الكرم، ويحثّ النفس على الترفع عن سفاسف الأمور، والسعي الحثيث نحو معاليها.
- ليس الانتساب للفضيلة والأفاضل مجرد ادعاء يدعيه المرء، بل هو عمل واقتداء يجلب لصاحبه في الدارين الكرامة والثناء، وَمِمَّا قيل في تأكيد هذا المعنى:
ليس الفتى من قال كان أبي
إن الفتى من قال ها أنذا.
- ردّ الله تعالى زعم كل زاعم يزعم ولاءه وانتماءه لسيدنا إبراهيم عليه السلام؛ لاسيما من الأمم والأقوام السابقين، ثم بين سبحانه من يستحق نيل هذا الشرف، مؤكداً قيمة الإتّباع وعدم المخالفة ولا الابتداع، حين قال تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (آل عمران: 68).
- لقد أثبتت الآية السابقة أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أولى بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وهذا ينسحب على أمته كلها، فنحن أولى بأبي الأنبياء، ذاك النبي الرشيد الشجاع الحليم الأواه؛ طالما أننا نحرص على التحقق من رشده وشجاعته وحلمه وتأوهه، ابتغاء مَرْضَات الله تعالى.
- نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الافتخار والتباهي بغير وجه حق، فقد قالت امرأة: (يا رسول الله إن لي ضرة، فهل عليَّ جناح إن تشبعتُ من زوجي غير الذي يعطيني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبيْ زور) رواه البخاري، ولقد ألبس اليهود أنفسهم ثياب زور وهم يزعمون نسبتهم لموسى عليه السلام، وهو برئ منهم، كما ألبس النصارى أنفسهم ثياب زور وهم يزعمون نسبتهم لعيسى عليه السلام، وهو برئ منهم، مثلما ألبس الروافض الشيعة أنفسهم ثياب زور وهم يزعمون نسبتهم لعلي وآل بيته وهم برءاء منهم كذلك.
- لا يزال اختبار الانتساب للفضيلة والأفاضل منعقداً لم يرتفع بعد، فكم من الرجال في زماننا كنا نصفهم بأصحاب الفضيلة ونضفي عليهم عبارات التقدير والثناء؛ إذ بها الأيام والمواقف تكشف لنا عن قبحٍ كان يخفى، وغشٍّ لم يكن ليظهر لولا الشدائد والمحن، مثلما كشف الزمان لنا عن رجال معادنهم كالذهب في روعتها، أولئك الأشراف بحسن انتسابهم للأشراف قبلهم، فهل لنا في الانتساب إليهم وتحقيق الولاء لهم وبهم من سبيل؟.
- المصلحون أولى بشرف القيادة والسيادة من المفسدين، والمجاهدون أولى بشرف النصر والشهادة من القاعدين، والطَّيِّبُون أولى ببركت الأرض من الخبثاء الفاسدين.
- يتعاظم الانتماء والولاء ويزداد الشرف كلما حضر اسم الحبيب وتردد في حياتنا، وكلما كان لهذا الحضور الإسميِّ ما يدفع لاتباعه والاقتداء به وحسن الذبِّ عنه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
- حكى أستاذ يهودي ذات يوم لمسلم في إحدى جامعات ألمانيا: نحن أولى بمحمد منكم!
فسأله المسلم: لماذا؟
فأجابه: أنتم لم تعرفوه ولم تتبعوه، أما نحن فقد عرفناه واستفدنا من طريقته وإدارته وإنجازه، وإن كرهناه .. ثم ذكر له كيف أنهم استفادوا من فكرة صلح الحديبية في إقامة معاهدات سلام حيدوا بها القوى المجاورة لهم ليسهل عليهم تحقيق مآربهم في العالم كله، مثلما حيّد النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً في ذاك الصلح ليتفرغ للدعوة وتمكين الدولة والانتشار .. فمن هو الأحق والأولى بالحبيب .. منْ تمثل خطواته أم من أعرض عنها واتبع هواه؟!.
- نحن أولى بصبر موسى ممن لم يصبروا في طلب علم ولا في دعوة أو جهاد، ولم يثبتوا في مواقف الشجاعة، بل قالوا لكل صالح مصلح: ( إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون).
- نحن أولى بحكمة وحلم موسى وقد قال لفرعون العنيف قوله اللين اللطيف؛ من قوم لم يحسنوا توصيل الرسالة وكانوا فتنة للناس عن الدين.
- نحن أولى بنخوة وشهامة موسى حينما سقى للفتاتين ثم تولى إلى الظل، من قوم فقدوا الشهامة على الطريق فتاهوا.
- نحن أولى بشجاعة موسى حين قال لفرعون: (إني لأظنك يا فرعون مثبورا) من قوم خافوا على أنفسهم وسكتوا عن الحق بل ونطقوا بالباطل أو حتى أولئك الذين قالوا له: (إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون).
- وفِي الختام:
- كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتمي لأمته ويحبها ويغار عليها بل ويفتديها بنفسه قال تعالى:( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ولن تفلح أمة حتى يكون هو أولى بها من نفسها ومالها وحياتها.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة