رسالة المنبر "ففيمَ يختصمون؟!"

الخميس 05 أكتوبر 2017 10:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "ففيمَ يختصمون؟!"

د. محمد سعيد بكر

الموضوع: 
- نعيش في زمان كثر فيه الشغب وارتفع الصخب، وقلّ فيه الوئام وحلّ الخصام، فهل يا ترى من مَخرج آمن من وسط هذا الركام؟!
- إننا إذا أردنا الوصول إلى حلول وتخفيف حدة الخصومة فيما بيننا فإنه لابد من البحث عن أسباب تلك الخصومة وتحديدها، ولعل من تلك الأسباب:
1. التطاول على حدود الله تعالى والغفلة عن قدرته في مراقبة وتدبير كونه، ونسيان وصية لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (لقمان: 16).
2. الجهل في الحقوق والواجبات والغفلة عن معرفة ما لنا وما علينا، فيتطاول الواحد في حقوق الآخرين وهو يعتقد أنها له، وينسى آخر حقه وهو يعتقد أنه لَيْس له، والأمر يحتاج إلى كشف وتبيين، ولعل حياة الزوجية مما ينبغي العناية في تفاصيلها كثقافة شرعية مجتمعية سابقة لكل مقبل على الزواج.
3. تسويل الشيطان لطبقة من البشر أنهم فوق الجميع وأنهم سادة الدنيا، وأن الله تعالى خلق الناس ليكونوا عبيداً وخدَماً لهم، وأن لهم حقوقاً وليس عليهم واجبات، فمن حقهم سلب إرادات ومقدرات الناس، ومن حقهم معاقبة الآخرين ومحاسبتهم، كأنهم آلهة؛ على طريقة فرعون الذي زادت حدة انتفاشه حتى قال للناس: (أنا ربكم الأعلى).
4. الضغوطات التي يعيشها الناس تجعل أرواحهم قصيرة ونفوسهم ضيقة فلا يحتمل الأخ إخوانه، ولا الرجل زوجته وأولاده، ولا الجار جاره، ولا الشريك شريكه؛ ضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية، جعلتنا كأننا قنابل موقوتة، نصنع من توافه الأمور مشكلات قد تصل إلى الشقاق والفراق والطلاق والجفاء، بل قد تصل أحياناً إلى القتل الانفعالي الذي حذرنا منه النبي عليه السلام حين قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ، فَقِيلَ : كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْهَرْجُ ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) رواه مسلم، وأصرح منه ما روى الإمام أحمد بسند صحيح قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ الْهَرْجَ، قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَال : الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ، قَالُوا : أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ الْآنَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْكُفَّارَ ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ . قَالُوا : سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَمَعَنَا عُقُولُنَا ؟ قالَ : لَا ، إِلَّا أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكَ الزَّمَانِ ، حَتَّى يَحْسَبَ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ ).
5. اتباع الهوى والحرص على المصلحة الشخصية وعدم تغليب المصلحة العامة، ولو أن الناس انتبهوا إلى قيمة المصلحة العامة في الوحدة والاجتماع والائتلاف ورصّ الصفوف ما اختلفوا، وحتى لو اختلفوا فإنه اختلاف تنوّع وتنافس في الخير وتكميل للنقص وسداد للفراغ لا اختلاف خصام وتشاكس؛ يلتقيان فيعرضان عن بعضهما، بل ويثيران الغبار الذي يغشاهما فلا يملكان استبانة للطريق، قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال: 46).
6. غياب الثقة بالمرجعية التي يحتكم إليها الناس عند خصوماتهم، فلم يعد القضاء يستند إلى مرجعية ربانية، وحلَّ في القضاة الضعف والوهن، وضاعت حقوق الناس في قضايا سجلت ضد مجهول، أو عبر روتين طويل ممل في المحاكم، وإن كان من أوثق عرى الإيمان الاحتكام إلى القضاء النزيه إن وُجد، قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (النساء: 65).
- وحتى تعود الأمة إلى لُحمتها، وتعود المياه إلى مجاريها لابد من التعاون بين مختلف قطاعات المجتمع في تمكين ما يأتي من معالم وأسباب:
1. التزام الحاكم والمحكوم بوصية النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام مالك بسند صححه الشيخ الألباني أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ).
2. العفو والصفح والتجاوز ولين الجانب والتغافل والإعذار والسماحة؛ طمعاً في عفو الله تعالى ورغبة في تحصيل شهادة الخيرية، قال تعالى: (فليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( .. وخيرها الذي يبدأ بالسلام).
3. ضبط معايير الحقوق والواجبات وبيانها ونشرها كثقافة مجتمعية أصيلة وفِي مختلف مفاصل الحياة، وقد روي أن عمر رضي الله عنه اعتذر بعد عام عن ولاية القضاء في عهد أبي بكر رضي الله عنه مبيناً أن الناس قد عرفت، والتزمت بما لها وما عليها؛ ففيمَ يختصمون؟!.
4. تأمين الخائف وإطعام الجائع وتعليم الجاهل، وهي ثلاثية مهمة لابد من تأمينها لتوفير بيئة قابلة لإقامة حدود الله تعالى على كل خارج عن الشريعة والقانون، قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا) البقرة، وقال كذلك في السورة نفسها: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، تلك العقوبات التي تطيب بها نفوس أصحاب الحقوق، قال تعالى: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا (الإسراء: 33)، وإلا فالحقوق المعلقة لا تزيد الأوضاع إلا انفجاراً وثأراً وخصومة.
5. اعادة ضبط ميزان الشدة والرحمة، أو العزة والذلة، ففي كتاب الله تعالى ما يؤكد أهمية الرحمة والذلة بين المؤمن وإخوانه، في وقت لا تسمح فيه كرامة المسلم بالمذلة والهوان والخنوع للكافرين والمعتدين، قال تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) وليس العكس، كما هو حال بعض المضطربين نفسياً وفكرياً من أبناء هذه الأمة اليوم.
6. التأكيد على أن الأصل في العلاقة مع الطيبين السماحة واللين والعفو والمسامحة والموادعة، إلا إن حصل بغي وعدوان فإنه يُدفع ويُردع، وأن الأصل في العلاقة مع المعتدين رد العدوان وإيقافهم عند حدهم، إلا إن جنحوا للسلم العادل كهدنة مؤقتة بين الحق والباطل وبين الخير والشر فلا بأس به، وأن سنة التدافع هي الأصل باعتبار أنه لا تعايش ولا تصالح مطلقاً بين ظالم ومظلوم، ولا بين محتل وصاحب حق، ولا بين أدوات الشيطان وأولياء الرحمن، قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة:251).
- وختاماً: 
الصلح مشروع بين المسلمين وغيرهم لاسيما عند الاضطرار له، وإذا تحققت به مصالح ودفعت به مفاسد، حتى ولو كلّف ذلك شيئاً من التنازل يقدر بقدره، والحذر عندئذ واجب ومطلوب؛ ففي السيرة النبوية تحقق للمسلمين في صلح الحديبية مصالح ودفعت عنهم مفاسد، وكان فيه شيء من تنازل، لكنهم استفادوا من تلك الهدنة المؤقتة مع أهل الباطل، وكان الحذر والاحتياط يرافقهم في كل حين، حتى وقع التحدي بنقض قريش للعهد، فحوله النبي صلى الله عليه وسلم إلى فرصة للبدء بمشروع الفتح المبين، أما الاسترخاء للأعداء وتطبيع العلاقات معهم وتسليمهم زمام الأمور وأعطاؤهم ظهورنا وتأمينهم ليأكلوا الأخضر واليابس في بلادنا؛ فهذا من الكبائر السياسية وليس من السلم الذي أمرنا سبحانه أن نجنح إليه، والافتراق على الحق خير من الاجتماع على الباطل، وليس كل صلح خير لأن المفاصلة بين الأخيار والأشرار ضرورة لنزول كلمة الفصل من العزيز الجبار (فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (الصف: 14)).

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة