رسالة المنبر "توفير الطاقة"

الأربعاء 11 أكتوبر 2017 05:03 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "توفير الطاقة"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- الطاقة بأنواعها وأشكالها نعمة من نعم الله تعالى التي تتطلب منا صيانتها وشكرها، لتحقيق دوامها والبركة فيها، وإلا فما أسرع ذهابها وزوالها، قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (ابراهيم: 7).
- كل هدر لأي صورة من صور الطاقة نوعُ إسرافٍ يحاسبنا الله تعالى عليه، بل وتأتينا لحظات ندمٍ نقول فيها: يا ليتنا ما فرطنا فيها، عند اشتداد الحاجة إليها.
- كل هدر لطاقات الأوطان والأمة لا يجوز ولا يبرر، ومن سمح لنفسه هدر أموال وأوقات الناس سيبيح لنفسه هدر أرواحهم وسلب عقولهم.
- لا يزال الكثير من صور وأشكال الطاقة مخزونة مخبوءة في حياتنا لم نكتشفها أو لم نستخدمها بعد، ولربما تكون قريبة منا وفِي متناولنا، لكن حالة الكسل والخمول والاتكالية التي نعيشها تجعلنا نتقاعس عن استخراجها والانتفاع بها، بحجة أن استخراجها قد يكلفنا شيئاً من الوقت أو الجهد أو المال، وهذا أيضاً نوعُ هدر وشكل من أشكال التضييع؛ سيسألنا الله تعالى عنه يوم القيامة، لأننا نكون بتأخرنا عنه قد تأخرنا عن واجب إعمار الأرض والاستخلاف فيها.
- يستوي في العقوبة كل من ارتكب جريمة هدر الطاقة أو البخل فيها، فالبخل والإسراف صنوان في القبح، لما ينتج عنهما من حرمان الناس من الانتفاع بنعمة الله تعالى، وحبسها لتكون دُولَة بين البخلاء والسفهاء فحسب.
- وحدهم الماديون هم الذين ينظرون إلى الطاقة على أنها ما أخرجته الأرض من مائها ومالها وزرعها وهوائها وزيوتها وبترولها وما لمسته أيديهم من خيراتها فحسب، ولاشك بأن هذه كلها من صور وأشكال الطاقة التي سخرها الله تعالى للإنسان لتكون معينة له على تحقيق غاية وجوده في الأرض التي جعله خليفته فيها، قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الجاثية: 13).
- النفس البشرية مستودع طاقات مكبوتة، تحتاج إلى من يحسن اكتشافها واستخراجها ثم استثمارها على أكمل وجه، وإلا فإن بقاءها مكبوتة قد يحدث تشوهات نفسية، أو أن شيطاناً من شياطين الإنس سيتمكن من السبق إليها وتوجيهها توجيهاً يؤذي صاحبها والعالم كله، ومن صور الطاقات البشرية الكامنة والتي تحتاج منا إلى عناية بالغة:
1. الطاقة العاطفية الروحية الوجدانية، وهي التي تظهر في صورة من التفاؤل وحب الخير والجمال، تلك التي تحتاج إلى استثمار لنرى من ثمارها؛ السعي في تمكين الخير وإغاثة الملهوف ونصرة الضعيف ونشر الدين الحق، ولو اقتضى ذلك مدافعة الشر والباطل.
2. الطاقة الفكرية العقلية الإدراكية، تلك التي تميز الإنسان بها عن غيره من المخلوقات، وبها نميز بين الغثّ والسمين وبين الحق والباطل وبين الخير والشر وبين الحقيقة والزور وبين الظلمات والنور، بل ومن خلالها نسعى للبحث والطلب والسؤال دون توقف.
- لما عطل الإنسان طاقته العاطفية أصبح بلا رحمة ولا إحساس؛ لا يؤثر فيه موت إخوانه في الإنسانية جفافاً من شدة الجوع والعطش، أو تيهاً من شدة الضلال والانحراف، بل إن بلادته جعلته يقتل أخوه ويجوعه ويضله بدم بارد.
- ولما عطل الإنسان طاقته الفكرية العقلية صار تابعاً لأهواء الآخرين، عبداً منقاداً لهم، تماماً كالدابة تُستخدم للحاجة ثم تُذبح أو تموت، قال تعالى: 
(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (الفرقان: 44).
- إن من أسوأ أسباب هدر الطاقة سوء اختيار وتعيين من لا يُؤْتمن عليها، فإذا وُسّد الأمر إلى غير الأمناء الأقوياء حلّ الهدر والإسراف والسلب والنهب، وحاشا لله أن يخلق مِنْ خلقه في أرض، ولا يجعل لهم فيها من الطاقات والمقدرات والأرزاق ما يصلح حياتهم .. فخيرات ربي في كل البلاد كثيرة، ولكن لصوصها ومهدريها أكثر .. لأجل ذلك سنبقى نشكو الفقر والجوع وانعدام البركة طالما الحال كذلك، حتى لو كنا نسكن في بلاد هي في الأصل بلاد الخيرات والبركة.
- من أعجب العجب أننا صرنا من الضعف أمام أعدائنا؛ حتى إنهم يأتون بلادنا ويأخذون ما فيها من طاقات بشرية ومادية، بأرخص الأثمان، ثم يعيدون إرسالها لنا بشكل أو بآخر وبأثمان لا نطيقها.
- وأعجب من ذلك أننا صرنا نستثمر طاقاتنا كلها في ضرب بَعضنا والاستقواء على ضعفائنا، فلم تعد الطاقة العاطفية تستخدم لتمكين المحبة بيننا، بل تحولت إلى طاقة غضبية وانفعالية تنفجر في وجوه أقرب الناس إلينا، وعند ذاك صرنا رحماء على أعدائنا، أشداء على بَعضنا!!.
- إذا صح القول بأن الطاقة لا تفنى، وإنما تتحول من شكل لآخر، فإنه من المستحيل محاصرة فكرة وخنقها ومصادرتها وتشتيتها، لأن الفكرة عصارة العديد من الطاقات، فكلما تم ضغطها أعادت تشكيل نفسها بشكل مختلف ومضمون مؤتلف.
- الطاقة مخلوق مرتبط وجوداً وعدماً بأسباب وسنن إلهية، فلا يغرنك حجمها وقدرتها لتصير من عُبّادها، كمن عبد الطاقة الشمسية والكهربائية والمائية والهوائية وطاقة الجاذبية بأنواعها، ولنتخيل لو أن الله تعالى عطل الطاقة المائية مثلاً؛ تلك التي جعل سبحانه منها كل شيء حي .. ماذا سيكون حالنا حينئذ، قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ (الملك: 30).
- لو أن أمتنا في وعيها وتمام عافيتها لاستثمرت كل طاقة من طاقاتها المادية والنفسية المعنوية في بناء ذاتها وحماية ونشر بركاتها، ولربحت ولاء أبنائها وبناتها، مثلما استثمر الحبيب صلى الله عليه وسلم طاقات أصحابه الروحية والفكرية والبدنية في نشر الدعوة وتمكين الدولة.
- وختاماً: الطاقة نعمةٌ بل نعيمْ، والله تعالى سائلنا عنها يوم الدين: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم)، وبناءً على ذلك فإن اكتشافها عبادة، وتنميتها طاعة، وحسن استثمارها على الوجه الذي ينفع العالم كله من أعظم القربات، أما خنقها وكبتها وسلبها ونهبها والتطاول عليها، وسوء استخدامها؛ فكل ذلك إثم وعار، وصدق الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (ابراهيم: 28).

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة