ابنتي برازيلية.. وجع فلسطيني

الأربعاء 18 أكتوبر 2017 04:50 م بتوقيت القدس المحتلة

ابنتي برازيلية.. وجع فلسطيني

أ.د. عبد الجبار سعيد

ليس لأنني برازيلي، ولا لأن أمها برازيلية، ولا لأن زوجها برازيلي، ولكن لأن ابنتها برازيلية. إنها حكاية الوجع الفلسطيني، إنها حكاية الاحتلال، والتشريد والتآمر على الشعب الفلسطيني، بل صفقات البيع والشراء وقبض الأثمان، عن فلسطين وشعبها. لست أدري من أين أبدأ حكاية الوجع والقهر، هل أبدؤها من ظلم الاحتلال وجبروته؟ أم من ظلم ذوي القربى، الأشد مضاضة ووقعا على النفس من وقع الحسام المهند؟
 
آه كم عانت فلسطين، وكم عانى الشعب الفلسطيني، منذ أن بيعت فلسطين في سوق النخاسة، وتاجر كثير من قادة بني يعرب بها ثمنا لكراسيهم، وارتضوا التنازل عنها، بثمن بخس، لكي يحافظوا على تلك الكراسي، ولم يكتفوا بذلك، بل أذاقوا الشعب الفلسطيني الأَمَرَّيْن مرات ومرات.
 
كم كنت أحزن، وكان يؤلمني حد الذهول والبكاء، ما كنت أسمع من حكايا اللاجئين والنازحين، فهذه الأم تضع مولودها على قارعة الطريق وهي مهاجرة، لعل ألم المخاض ينسيها ألم فراق الوطن والتشريد، وتلك الأخت يموت وليدها بين يديها تحت ظل شجرة، من شدة الألم والمرض، فلا تجد الطبيب المداويا. وهذا ابن يبحث عن والديه فلا يجدهما في زحمة الفارين بجلدهم بحثا عن الحياة، وتلك عائلة تفقد ربها ومعيلها، فلا تعثر عليه إلا في مخيمات اللجوء (بل مقابر الأحياء)، وبعد عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة، ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد.
 

يكتشف الفلسطيني أن البرازيل حريصة على إنسانيته وكرامته أكثر من بني جلدته، وكذا تشيلي ونيكاراغوا وكندا والقائمة الطويلة التي تخلو من بني جلدتنا من الأنظمة العربية
 
فبدلا من أن تكون الدول العربية حاضنة رؤوما لهذا الشعب المشرّد المهاجر النازح، بدلا من أن تؤويه وتواسيه، وتخفف آلامه وتُطبّب جراحه، تجعله يعيش الألم من جديد، وبشكل قاسٍ لم يتوقف حتى اللحظة، فيسكن الشعب الشريد الطريد بيوتا من صفيح لا يرتضيها الكثير من أبناء يعرب بيوتا لدوابهم ولا جِمالهم، فتتجمع العائلة بأنفارها الذين يزيدون عن العشرة وأحيانا العشرين في بيت من غرفة واحدة تفتقر إلى مقومات العيش الآدمي، لا يقيها حرّ صيف ولا برد شتاء، ويتجرع الشعب الطريد طعام المؤن الذي تقدمه الأمم المتحدة، وهو يتجرعه ولا يكاد يسيغه، على أمل أن هذه الحال مؤقتة، وأنها أيام قلائل وسيعود، اليوم نعود، لا بل غدا نعود، أمتنا لن تتركنا، ولن تخذلنا، لن نشتري أرضا، ولن نبني بيتا، فبيتنا في فلسطين ينتظرنا.
 
يداعب الأب خيال أبنائه بحلم لا يريدون أن يفيقوا منه، ويحتفظ بالمفتاح والكوشان، ليضمن العودة إلى بيته، ويصحو كل يوم على حلم ليكتشف أنه تبدد، ويا ليت الدول العربية تتركه يحلم، فتزيد عناءه عناء، وألمه ألما، تحرمه لقمة العيش الكريمة، فبعضها منحه وثيقة سفر لا يعترف هو بها، وبعضها منحه فرصة عمل لا تليق بعلمه ولا بشهادته، فالطبيب مضطر أن يبيع الخضار على العربة والمهندس ليس له إلاّ أن يعمل سمكريا أو عامل نظافة، وآخر يجمع الخردة، أو يلتقط النفايات ليبيع شيئا يقيم به أوَد عائلته، ومن لم يجد فعليه أن يبيع بعض المؤن التي تعطفت بها الأونروا، ليسدّ رمق عائلته.
 
(ولست أنكر هنا ما يحظى به بعض الفلسطينيين من حياة جيدة معقولة في بعض الدول العربية كالأردن، ولكنها ما زالت لم تشمل جميع أبناء الشعب الفلسطيني). ويا ليت الوجع وقف عند هذا الحد، فيضطر الفلسطينيون للاكتواء بنار الهجرة من بعض الدول العربية مرات أُخر، فيُهَجّرون من العراق ومن سوريا، ومن ليبيا، وغيرها، ولا يجدون من يرحب بهم، أو يستقبلهم من بني يعرب، فيضطرون إلى منافي الأرض، ويجدون حضنهم الدافئ في البرازيل وفنزويلا وتشيلي وكندا وأستراليا.
 
وتمضي الأيام والسنون، ويولد من يولد في بلاد المهجر، فمن ولد في دولة أجنبية ومنها البرازيل، فله حقوق المواطنة: من جنسية وجواز سفر محترم، بل إن أباه يكون قد اكتسب حق المواطنة، وأصبح له ما لأهل البلد التي هاجر إليها، وعليه ما عليهم. أما من خانه حظه، وتعثر والده وبقي في واحدة من بلدان يعرب، فليس له إلا الذل والألم، فلا جنسية ولا جواز سفر، ولا عمل يليق بكرامة الإنسان، ولا أرض ولا بيت يعيش عليها أو فيه ولو دفع كل ما لديه من مال، والأنكى من ذلك أن هذا كله يتم باسم الحرص على القضية الفلسطينية، والخوف على الشعب الفلسطيني من ألا يعود إلى فلسطين!
 
وكأن الفلسطيني لا قيمة لأرضه ووطنه عنده! وكأن الفلسطيني لا يحب وطنه! ما علم هؤلاء أن أبناء فلسطين لا يرضون عنها بديلا، ولو أعطوا جنان الأرض وقصورها. ليكتشف الفلسطيني أن البرازيل حريصة على إنسانيته وكرامته أكثر من بني جلدته، وكذا تشيلي ونيكاراغوا وكندا والقائمة الطويلة التي تخلو من بني جلدتنا من الأنظمة العربية، حتى صرنا نتمنى أن يحرص العرب علينا كما تحرص علينا البرازيل وفنزويلا.
 
أواه أواه أواه... لا أدري ما صنع شعبنا حتى ينال مثل هذا التشريد ومثل هذه القسوة ومثل هذا الظلم من بني جلدتنا؟! وما أشد ألم أن أفارق ابنتي وتفارقني وتفارق أمها وأهل زوجها؛ لتضطر أن تبحث عن كرامة ابنتها وحقوق مواطنتها وإنسانيتها في البرازيل، في الوقت الذي هي في أمس الحاجة لأن تكون في أحضان أهلها، وأن تولد ابنتها بين أهلها، لأن أمها لا تحمل جنسية وإن حملت جواز سفر، ولأن أباها يحمل وثيقة سفر لا تعترف بها بلدها التي أصدرتها. لتصبح حفيدتي برازيلية، وتنعم على ابنتي بالبرازيلية. وعاشت البرازيل.

المدونة على "مدونات الجزيرة"

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة