رسالة المنبر "سوبرمان"

الخميس 19 أكتوبر 2017 03:57 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "سوبرمان"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- تعتبر شخصية سوبرمان من الشخصية الخيالية التي تم ابتكارها وتسويقها في عالم الأطفال والكبار لتكون نموذج الإنسان الكامل؛ صاحب القدرة الخارقة والسرعة الفائقة في عمل الخير وإغاثة الملهوف، والمثالية العالية في السلوك!!.
- تركت هذه الشخصية في النفوس آثاراً متضاربة بين تقدير لهذه الشخصية الوهمية، وتعلق بها، ورغبة في الاقتداء بها، ومحاولة تمثيل دورها، وبين ازدراء وانتقاص لأي شخصية حقيقية مهما كانت قوية وإيجابية، فلا الأنبياء ولا الصحابة ولا أبطال التاريخ من العلماء والدعاة والمجاهدين والمصلحين الذين يعتز بهم التاريخ يمكن أن يساووا بعض ما يقدمه سوبرمان في حلقة واحدة من حلقاته، وهذا يعني حرق مقصود للنماذج والطاقات، وتدمير لقيمتها في نفوس الأجيال.
- مع طول الزمن اكتشفت الأجيال عجزها عن تمثل حياة وانجازات السوبرمان، في وقت تركت فيه الاقتداء الصادق بالرموز البشرية العظيمة، وهذا يعني أنها خرجت من عالم الواقع، ولم تتمكن من الدخول إلى عالم الخيال.
- الكمال الذي يطلبه البعض فيمن حولهم مستحيل مستحيل مستحيل، لاسيما أن الذين يطلبون كمال الآخرين ليسوا بكاملين، فالكمال للخالق والنقص من صفات المخلوق، ونحن نستغرب من استغراب البعض حين يبدو لهم ضعفاً بشرياً هنا أو نقصاً هناك.
- لعل من حكمة خلقنا ناقصين أن يبقى احتياجنا لله رب العالمين، وأن لا نستغني عن بَعضنا كذلك في تعليمنا واهتدائنا وأرزاقنا: (ليتخذ بَعضكم بعضاً سخريّاً).
- كلما توقع الإنسان من أخيه الإنسان كمالاً كلما زادت الكلفة علينا وتعاظم التمثيل فيما بيننا وأصبحت حياتنا إلى التصنع أقرب.
- وكلما غفل الإنسان عن طبيعة خلق أخيه الإنسان وأنه بحسب ما قال خالقه سبحانه في وصفه: (وخلق الإنسان ضعيفاً)، كلما زادت المفاجآت في حياتنا وكثر الاندهاش المعطل لسائر علاقاتنا، ولو أننا نتوقع الضعف والخلل والعلل لاتخذنا تدابيراً من الحيطة والحذر، ولما أفرطنا في إحسان الظن، وبالتالي نقلل من آثار الاختلالات الناتجة عن المواقف الصعبة والأزمات؛ تلك التي تكشف ضعفنا وتظهرنا على حقيقتنا.
- الظاهرة السوبرمانية تتنافى مع العديد من صفاتنا البشرية المثبتة في كتاب الله تعالى ومنها:
- ١. قال تعالى: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) (الإسراء: ١٠٠).
2. قال تعالى: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (الكهف: 54).
3. قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (العلق: 6).
4. قال تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) (العاديات: ٦).
5. قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) (هود: ٦).
6. قال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (النحل: ٤).
7. قال تعالى: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) (الإسراء: ١١).
- وعلى النقيض من المحاولة الفاشلة للوصول إلى السوبرمانية زاد البعض وتجاوز الحد في الضعف البشري، حتى تنازل عن إنسانيته، فصار حيواناً بل قل: شيطاناً رجيماً، قال تعالى: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً).
- بالغ بعض رواة التاريخ وكتّاب التراجم والأعلام في مدح بعض الرجال والثناء على البعض حتى يخيل إليك من سحر كلامهم أنهم لا يتحدثون عن بشر، بل عن ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وبدلاً من أن يشكل ذلك حافزاً للاقتداء بهؤلاء الكرام، شكّل ردّةً عنهم، وصنع حاجزاً كبيراً بيننا وبينهم.
- تكمن البطولة وتتألف النجومية في التفوق على الذات، والتدرج في صعود سلّم الرقي الأخلاقي، والتطوير المستمر لعلاقتنا بربنا وعلاقتنا ببعضنا، واستدراك ضعفنا ونقصنا بالتوبة والاعتذار (وكلّ بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون).
- محاولة حرق المراحل والقفزات الهوائية لبلوغ المجد وتحقيق المعالي لا يجني منها صاحبها إلا الخسارة والتعب، لأن (المنبتّ (المسرع المستعجل) لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى)، ودين الله متين فلنوغل فيه برفق.
- مثلما أنه لا يوجد سوبرمان (رجل خارق) فإنه لا يمكن أن يُتصور وجود سوبرومن (امرأة خارقة)، وذلك لضعف إضافي فطرهنّ الله تعالى عليه، فلا كمال في عقل ولا جمال، وقوة الرجل أو جمال المرأة أمور نسبية، وهنيئاً لمن رضي بما قسم الله تعالى له.
- حكى لنا القرآن الكريم مشاهد من حياة الأنبياء الكرام تثبت بشريتهم فكان بعض عتاب لهم على بعض ما صدر عنهم، وهم المعصومون عن الخطايا، كلّ ذلك ليتأكد لنا حدود طاقتنا البشرية، فلا ملائكية تتعبنا، ولا شيطانية تهلكنا، والله تعالى يلهمنا ويحفظنا ويوفقنا.
- فُتن بعض شبابنا وبناتنا بنجوم من عالم الفن والرياضة والإعلام المغشوش، وصاروا قدوة لهم في ملبسهم ومنطقهم ... مثلما فُتن بَعضنا بنماذج من عالم الوعاظ وأدعياء العلم، فلما احتاجت الأمة وقفتهم الجادة في مواقف الرجولة والفصل بين الحق والباطل؛ اختفوا وتلاشوا وتواروا، وزاد بعضهم في سقوطه من عالم النجومية الزائفة حين لم يسكت عن الصدع بالحق وكفى، بل نطق بالباطل والإثم المبين. 
- كلما ازداد اقترابنا من الله تعالى القوي القدير منحنا منه قوة ونوراً وفراسة وطاقة، ويزداد الأمر تألقاً كلما زادت ثقتنا به ويقيننا عليه سبحانه وأخذنا بأسبابه وسننه في التحصين وامتلاك القوى، وعندها فلا غرابة إن خرق لأجلنا الخوارق كما فعل لأنبيائه وبعض أوليائه، قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة