رسالة المنبر "البيوت المطمئنة"

الخميس 26 أكتوبر 2017 11:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "البيوت المطمئنة"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
* البيوت المطمئنة هي التي تحقق مقاصد الزواج بما يتدفق فيها من سكينة واحترام ورحمة، وبما ينبعث منها من أسباب استقرار المجتمع وتماسكه وثباته واستعصائه على اختراقات الأعداء.
* كلما كانت بيوتنا مطمئنة كانت حياتنا مستقرة، وكلما كانت حياتنا مستقرة فيها الصفاء والنقاء تحقق لنا الذكاء وتحولنا من دائرة الاستهلاك إلى دوائر الانتاج.
* البيوت المضطربة المشوشة بيوت ارتفعت عنها المودة والسكينة، ونزلت فيها الخصومة والسّكّينة، وأصابها الوهن، قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (العنكبوت: ٤١).
* حتى يتم تصنيف بيت من بيوتنا بأنه مطمئن، تغمره السكينة والمودة، ويحقق مقاصد وغايات وجوده؛ فإن هنالك مجموعة من القواعد والمؤشرات لابد من تمركزها فيه، ومنها:
- التفاهم بين أفراده على رسالة البيت وغاياته وأهدافه، وهي: *تحقيق العبودية لله تعالى، والمساهمة في إعمار الأرض *.
- التعاون بين أفراده، وقيام كلٍّ بواجبه بلا تقاعس ولا اتكالية.
- وضوح منظومة الحقوق والواجبات فيه، فللكبير حق الاحترام وعليه واجب الرحمة، وللزوجة حق المحبة، وعليها واجب الطاعة وحسن التدبير، وللزوج حق القوامة، وعليه واجب الإنفاق وحسن الإدارة.
- المناصحة والمذاكرة والمدارسة والتدبر الجماعي لآيات كتاب الله المسطور (القرآن)، وكتاب الله المنظور (الكون).
- المشورة وتبادل الآراء، وترك القهر والإلزام لاسيما في أمور فيها الحَسَن وما هو أحسن مع استثناء الخيارات القبيحة.
- توقع الخلل والعلل فالشيطان ينزغ بيننا كما نزغ بين يوسف عليه السلام وإخوانه، والمبادرة لسداد الخلل والصفح والمكاشفة والاعتذار، قال تعالى: (مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) (يوسف: ١٠٠).
- استثمار المواسم الدينية كرمضان والذكريات الكريمة بإضفاء أجواء وبيئة مشجعة على العبادة دون مبالغة أو بدع وإسراف.
- التنافس بين أفراد البيت في الفضائل كالصيام والقيام وحفظ القرآن، تنافساً محموداً لا تشاكساً أو حقداً وحسداً.
- التقارب العاطفي بين أفراده لاسيما مع من كان لديه ضعف أو نقص أو فشل وتعثر في علم أو عمل، ومحاولة إسناده حتى يجتاز بلاءه على خير.
- الحرص على الحلال الصافي وإن كان قليلاً في طلب الرزق، واجتناب ما كان فيه حرام أو شبهة.
- استثمار أوقات فراغ الأبناء بالمفيد النافع من أدوات المعرفة والتسلية، واكتساب المهارات المتنوعة وصلة الأرحام .. وعدم فتح المجال للفراغ المؤدي إلى متابعة قنوات ومواقع وصحبة فاسدة.
- تحقيق العدالة بين الذكور والإناث وبين الصغار والكبار، بأن يعطى لكلّ من أفراد الأسرة ما يلزمه ويحتاجه دون تطاول على حقوق الآخرين.
- تأكيد قيمة شكر الله تعالى على كل لقمة طيبة ونومة هنيئة وجرعة ماء عذبة ولحظة سعادة .. والدعاء الخالص من جميع الأفراد بأن يديم الله تعالى عليهم النعمة، وأن يرفع البلاء والغمة، ويجلب سبحانه السعادة لعموم المسلمين.
- المبادرة بتحصين أفراد الأسرة من كل شبهة وعلة وتشويش وغزو فكري قد يتسلل إليهم.
- تأهيل تلك البيوت لتمارس دورها في إصلاح المجتمع، وذلك بأن تكون قبلة يرتادها الجيران في درس أو موعظة أسبوعية، قال تعالى: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) (يونس: 87).
- تفعيل أفراد تلك البيوت ليكون لهم دور في دعوة ونصيحة وتذكير أقرانهم وزملائهم ومن حولهم، مثلما أوصى لقمان ابنه بأن يكون صالحاً: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ)، ومصلحاً: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ).
- اهتمام أفراد الأسرة بتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في المعاشرة والأكل والشرب واللباس والنوم (وفرقوا بينهم في المضاجع).
- أن تنبض بيوتنا بذكر الله تعالى في الصباح والمساء، وبالتذكير به فيما بينهما (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) والبيوت والنفوس.
- أن يحتفظ البيت بأسراره، فلا يفشي الزوج سرّ زوجته، ولا الأولاد سرّ والديهم، وليتعاون الجميع على قضاء حوائجهم بالكتمان، لتسلم الأسرة من حسد محبيها، ومن حقد مبغضيها.
- أن تكون الاستخارة حاضرة في بيوتنا، لاسيما في الأمور الصعبة المبهمة، مع تمام الثقة باختيار الله تعالى لنا، لاسيما في موضوعات مستجدة كالوظيفة الجديدة والتخصصات الدراسية، والجوار والشراكة والزواج وغيرها.
- أن يكون للتغيير والتجديد وكسر الروتين مكانه في الأسرة، ولاشك أن للرحلات العائلية دورها في تنشيط الدورة الأسرية.
- تمكين قيمة الاقتصاد والاعتدال في كل شيء لا سيما في المشي والصوت، والإنفاق فلا تقتير ولا تبذير، لأن التقتير يجلب الكآبة العاجلة، والتبذير يجلب الكآبة الآجلة، قال تعالى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (لقمان: 19).
- مراعاة طباع بَعضنا، ما لم تكن طباعاً وعادات محرمة، والصبر على كل استفزاز، وحسن الظن وترك التخوين.
- أن نستشعر ونتحسس أحوال جيراننا فلا اطمئنان (بشكل تام) لبيت من البيوت؛ وجيرانه يتضورون جوعاً، قال صلى الله عليه وسلم: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به) رواه الطبراني وهو صحيح.
- اختيار الزوجة الصالحة لنا أولاً، ثم لأولادنا لاحقاً، وقبول أزواج صالحين طيبين لبناتنا.
- أن لا يتوقف دعاؤنا في ليلنا ونهارنا بما يجلب السعادة لنا ولأولادنا، قال تعالى: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: 74).
- أن يكون لهموم المسلمين وآلامهم وطموحاتهم وآمالهم مكان في بيوتنا، فنتابع أحوالهم ونسأل عن أخبارهم ونتشاور في أسباب نصرتهم، ليكون لبيوتنا دور متقدم في نصرة أقصانا وتحرير أسرانا بما نملك من قدرة وطاقة.
- أن يستمر تحصين بيوتنا من الحسد والسحر والشياطين، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) رواه مسلم.
- أن نتوقع حصول أزمات في بيوتنا لأسباب داخلية (يوسف مع إخوته)، أو لأسباب خارجية (حادثة الإفك في بيت النبوة)، وأن نستعين بالله تعالى، ثم بالمتاح من الأسباب لتجاوزها، وعبورها بسلام، بل وللاستفادة منها وتحويلها إلى فُرَصٍ ومنحٍ وهبات، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (النور: ١١).
* وختاماً: بيوتنا هي رأسمالنا، وسرّ سعادتنا، ومبعث نشاطنا وهمتنا، ومصدر طمأنينة نفوسنا وسكينتنا، فالاهتمام بها وتحصينها وتمكينها وحسن متابعتها ورعايتها واجب وضرورة، وإهمالها أو التقصير فيها أو تركها بلا ملاحظة ومراقبة يجلب لنا العنت والمشقة في الدنيا وسوء العاقبة يوم الدين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة