هل صحيح أن السلطان عبد الحميد فرط في فلسطين؟!

الأربعاء 15 نوفمبر 2017 12:24 م بتوقيت القدس المحتلة

هل صحيح أن السلطان عبد الحميد فرط في فلسطين؟!

صدقي البيك

بين حين وآخر يظهر كلام لأحد الصليبيين المعاصرين، يكشف فيه عن صليبيته، من غير أن يدري أن تواريه وراء القضايا القومية والوطنية لا يستر تصرفه هذا. وقد كان هذا الأمر، ولا يزال، ديدنهم، فهم عندما يريدون أن يحطوا من شأن الإسلام لا يجرؤون على إعلان ذلك أو التصريح به، فيلجؤون إلى الهجوم على بعض الرموز الإسلامية من علماء معاصرين أو قدامى، أو من خلفاء أو سلاطين، فيتقوّلون عليهم أو يؤولون أقوالهم أو يفسرون أعمالهم أو يزورون عليهم غير ما قالوا وما فعلوا، ليسقطوهم من أعين القراء ويسقط معهم ما كانوا رمزاً له، وهذا هو مقصدهم.

ومن ذلك ما يذكره الكاتب اللبناني جان داية من أن "... صمت السلطان عبدالحميد كان وراء ضياع فلسطين"!! هذا الخليفة العثماني الذي تسلم زمام الأمور في أحلك الأيام التي مرت بها الدولة العثمانية، عندما كانت دول أوروبا النصرانية من روسيا إلى فرنسا إلى إنجلترا، تحاول نهش أطرافها، وسمتها بالرجل المريض، هذا الخليفة الذي كان أشرف وأسمى عمل قام به هو تصديه للمحاولات الصهيونية استلاب فلسطين، حتى أيأس زعيم الصهيونية هيرتزل من كل مساعيه فلجأت الصهيونية ومعها الماسونية والعملاء الأغبياء من دعاة القومية الطورانية والعربية و... إلى إسقاطه بالانقلاب عليه، حتى كان أحد أعضاء الوفد الذي دخل عليه لإجباره على التنازل عن العرش، الصهيوني مزراحي قره صو، الذي سبق له أن حاول مع هيرتزل مخادعة السلطان بالسماح لليهود بامتلاك أرض فلسطين مقابل ملايين الليرات الذهبية.

يقول جان داية "ومما يعزز الرأي بأن السلطان لم يكن ضد الاستيطان اليهودي في فلسطين موافقته على قرار القاضي بإعدام نجيب عازوري لأنه كشف تواطؤ الوالي في هذا الاستيطان" مع أن عازوري هذا كان معاوناً للوالي في القدس لمدة ست سنوات، وعديله (بشارة حبيب) كان مترجماً للوالي، ويقول عنه عازوري "كان يجبي لنفسه وللوالي أضعاف جباية المأمورية، وذلك عبر مهاجري اليهود.. والترخيص لهم بالبناء على الرغم من الإرادات السنية".

والمعروف عن نصارى لبنان وغيرها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أنهم كانوا يحاربون الدولة العثمانية باسم القومية، واستطاعوا أن يغووا بذلك بعض ضعاف النفوس للوقوف هذا الموقف بحجة محاربة الاستبداد والمطالبة بالاستقلال، وكانوا يتعاونون مع الفرنسيين "مؤتمر باريس" أو مع الانجليز "في الحرب العالمية الأولى".

ومن المعروف أيضاً أن الدولة العثمانية كانت تعامل اليهود في بلاد الشام، قبل 1897م معاملة المواطنين فيها، وهم أهل ذمة لهم حقوق وعليهم واجبات، وذلك حين لم يكن يبدو منهم خطر على البلاد، وأما بعد المؤتمر الصهيوني في بال بسويسرا عام 1897م وكشف اليهود عن نيتهم في إقامة دولة لهم في فلسطين، ومحاولات هيرتزل مقابلة السلطان وإغرائه بالأموال، فقد رفض السلطان السماح لهم بالإقامة في فلسطين وشدد عليهم عبر إرادات سنيّة كثيرة، وردّ على هيرتزل بما ذكره هذا في مذكراته، وبما أعلنه السلطان من منفاه بعد خلعه عن العرش، في رسالة أرسلها إلى شيخه أبي الشامات في دمشق. ومن العجيب أن هذه الرسالة عندما نشرت مجلة العربي ترجمتها ، مُزقت الرسالة من المجلة التي دخلت إلى سورية، وكأن الهدف من ذلك ألا يسمع أحد بالموقف المشرف الذي وقفه السلطان ورفضه السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين، والتفريط فيها، بعد أن فرّط العرب ببقيتها في حرب 1967م، ثم قبلوا بوجود إسرائيل في فلسطين المحتلة عام 1984م.

ويكفي السلطان فخراً أن يشهد له نجيب عازوري نفسه بمقاله المنشور في 1904م يندد فيه بالوالي في القدس والذي يقوم بأعمال "على غير رغائب جلالة السلطان الأعظم، وقد وردت بشأنها إرادة سنيّة مراراً عدة قاضية بعدم السماح لليهود بأن يتملكوا شبر أرض في تلك الأراضي المقدسة". فالذي يقول هذا الكلام لا يحق له أن "يحمل السلطان مسؤولية امتلاك الأجانب للأراضي الزراعية في جهات فلسطين ونواحي بيت المقدس".

كما أن الموسوعة الفلسطينية تترجم للسلطان عبدالحميد في المجلد الثالث من القسم العام، مبتدئة كلامها بالقول "هو السلطان الذي يعد سلطاناً مناوئاً للحركة الصهيونية وللهجرة اليهودية إلى الأراضي المقدسة.." وتختم الحديث عنه بالقول:"والحقيقة أن موقف السلطان المتشدد حيال الهجرة اليهودية إلى فلسطين كان سبباً مباشراً في الثورة التي قامت عليه وأدت إلى خلعه في 24/4/1909م، واستعرضت الموسوعة بين هذين القولين الأوامر التي وجهها إلى متصرفية القدس ويافا بعدم السماح لليهود بالدخول إلى البلاد إلا حجاجاً أو زواراً، وبحمل الأجانب منهم لجوازات سفر توضح عقيدتهم اليهودية، وعرضت كذلك ست محاولات قام بها هيرتزل للقاء السلطان وأخفق فيها إلا واحدة استطاع فيها أن يقابل السلطان بصفته صحفياً يهودياً لا رئيساً للمنظمة الصهيونية، وكان مع شخص آخر صديق للسلطان هو فامبري، ومع ذلك كان رد السلطان على مطالب هيرتزل كما وردت في مذكراته:" بأنه لن يبيع قدماً من أرض الإمبراطورية لأنها ليست ملكه بل ملك الشعب الذي ضحى في سبيلها وأراق الدماء من أجلها، وبأن ملايين جنيهات اليهود لن تغير من الأمر شيئاً".

ويقول السيد رفيق النتشة العضو البارز في فتح والمنظمة والسلطة الوطنية، في كتاب له بعنوان "الإسلام وفلسطين":"... وقام اليهود بمحاولة أخرى 1902م فتوجه وفد لمقابلة السلطان برئاسة اليهودي "مزراحي قراصو" حاملاً عرضاً مغرياً قدمه إلى رئيس الوزراء "تحسين باشا" ليعرضه على السلطان، بعد أن رفض السلطان مقابلتهم. ومما جاء في هذا العرض تعهد اليهود بالوفاء بجميع ديون الدولة وهي 33 مليون ليرة إنجليزية ذهبية، وبناء أسطول الدولة بتكلفة 120 مليون فرنك ذهبي، وتقديم قرض بـ35 مليون ليرة ذهبية من دون فوائد، مقابل إباحة دخول اليهود إلى فلسطين في أي يوم من أيام السنة بقصد الزيارة، والسماح لليهود بإنشاء مستعمرة في القدس الشريف ينزل فيها اليهود في أثناء زيارتهم... وكان رده: إن الديون ليست عاراً على الدولة، وبيت المقدس قد افتتحه للإسلام أول مرة سيدنا عمر بن الخطاب، ولست مستعداً أن أتحمل في التاريخ وصمة بيعها لليهود وخيانة الأمانة التي كلفني المسلمون بحمايتها، وليحتفظ اليهود بأموالهم، فالدولة العلية لا يمكن أن تحتمي وراء حصون بأموال أعداء الإسلام".

ولم ييئس هيرتزل، فحاول للمرة السادسة في 1904م مقابلة السلطان وأخْذ وعد بذلك، فكان رده، كما ذكر هيرتزل في مذكراته أيضاً "انصحوا الدكتور هيرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع... وإذا مزقت إمبراطوريتي يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليّ من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي..." فكيف يتنطع بعد هذا كله كاتب مثل جان داية فيتهم السلطان بأن صمته، كان وراء ضياع فلسطين؟!

ثم إن كل ما كان قد ملكه اليهود من 1866م حتى 1909م هو 158.5 ألف دونم، فيها 99 ألف دونم امتلكها اليهود قبل عام 1897م، و59.5 ألف دونم من 1897م حتى 1909م، وهذه الأرقام حسب كتاب يهودي بعنوان "دعوى نزع الملكية" يفصل فيه مؤلفه كل صفقة بيع تمت بين الصهاينة وعملائهم بالاسم والمساحة والموقع والتاريخ، فكيف يتفق هذا مع ما زعمه جان داية نقلاً عن نجيب عازوري "... وفي 1903م وسّط كاظم بك شركاءه في استمالة عرب بير سبع إلى بيع أراضيهم لليهود، ومساحتها تبلغ مائة ألف دونم"؟ ثم يقول:" فإن الوالي وشركاءه قد تعهدوا لممثلي الحركة الصهيونية بأن يقنعوا فلاحي غزة ببيع مائة ألف دونم... حتى أصبحت الشركات اليهودية تمتلك تقريباً نصف أحسن الأراضي في أقضية يافا وثلاثة أرباع أراضي حيفا وصفد وطبرية ومرجعيون..." هذه الأرقام من مبالغات نجيب عازوري، الذي تقاضى عديله، حسب قوله، "بشارة حبيب والجزدار وباقي الوسطاء الخونة عشرة آلاف ليرة عثمانية إضافة إلى مبلغ خمسين ألف ليرة للوالي على أساس ربع ليرة عثمانية على كل دونم" وهذا يعني أنه سهلوا عملية بيع أكثر من مائتي ألف دونم في غضون ثلاث سنوات!!

والحقيقة أن المساحات التي بيعت لليهود، على رغم كل الأوامر السلطانية بتحريم البيع لليهود، كانت أقل من ذلك، وكانت فعلاً بتلاعب من الموظفين الخونة بدءاً بالوالي وانتهاء بمترجمه وبالسماسرة، وما أكثر ما تقع في كثير من البلاد مخالفات لأوامر السلطة العامة.

وهكذا يتبين لنا حرص بعض الكتاب على الإساءة إلى السلطان عبدالحميد بشتى الوسائل، ولكن بحر إخلاصه العميق لا يعكره حجر أو صخرة تلقى فيه. أو كما قال الشاعر:

كناطحٍ صخرة يوماً ليوهنها *** فلم يضرها وأوهى قرنَه الوعلُ 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة