عبادة الخروج في سبيل الله

الجمعة 24 نوفمبر 2017 07:31 م بتوقيت القدس المحتلة

عبادة الخروج في سبيل الله

د. محمد سعيد بكر

ليس القعود ولا لزوم البيوت - عند توفر داعي الخروج منها- من شِيَمِ الكرام، لاسيما ونحن نطلب خيري الدنيا والآخرة معاً، وقد فهم هذا الأمر كل تاجر وصانعٍ وعاملٍ يسعى على رزقه ورزق عياله بالبواكير، فخرج طالباً المعاش ليصل إلى سُترة نفسه أو ليبني المجد الدنيوي الذي يريد.
وما كان لقاعدٍ في البيت أن ينال ما يشتهي أبداً، هذا بالنسبة لمعاش الدنيا وطلب رزقها، فكيف يا ترى نحلم بتحقيق نهضة لأمتنا، وانتشار لديننا، وتعظيم لأمر ربنا في العالمين، ومحاربة لمن ظلمنا وطغى وبغى علينا؛ ونحن لا نزال أحلاسَ بيوتنا لا نغادرها ولا نتحرك مع المتحركين، بل ونؤثر الدعة والسكون والقعود مع القاعدين.
إن عبادة الخروج في سبيل الله تعالى عبادة جليلة تحتاج منا إلى تحضير النوايا الكريمة بين يدي كل خرْجَةٍ نخرجها من بيوتنا، فمِنْ خروج إلى صلة الأرحام إلى خروج في إصلاح ذات البَيْن إلى خروج في السعي على الأرملة والمسكين، إلى خروج للدعوة إلى الله تعالى والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح المجتمع

ومحاربة المجرمين، إنه الخروج العظيم المقبول؛ نخرج من البيوت لأجل الله، ونخرج عن صمتنا لأجل الله، ونخرج من صوامع عبادتنا لأجل الله.
وما أجمل خروج زكريا عليه السلام لأجل الله تعالى، فها هوذا يترك محرابه ويخرج داعياً قومه إلى تعظيم الله تعالى، قال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً)(مريم: 11)، إنه الخروج الذي يرضي رب البرية لا كمثل خروج قارون يوم خرج متكبراً متعالياً: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) (القصص: 79)، والفصل بين خروج وخروج هو النية، لأجل ذلك يُحذِّر الله تعالى كل خارج من أن يكون خروجه لغير مرضاة الله تعالى فيقول سبحانه: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (الأنفال: 47)، ذلك أنه ليس كل خارج من بيته يقصد وجه ربه بالضرورة، وهذا أيضاً هو حال المنافقين الذين جعل الله تعالى الخير كله في عدم خروجهم في صفوف المجاهدين فقال تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُم سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة: 47).

إن عبادة الخروج في سبيل الله تعالى لأجل الجهاد والقتال، أو لأجل طلب العلم، أو لأجل الدعوة والإصلاح أو لنصرة المستضعفين وغيرها من المعاني الجليلة، سواء أكان ذلك الخروج فردياً أو جماعياً في مسيرة أو غير ذلك يُعدُّ هجرة في سبيل الله تعالى، والهجرة لها عند الله تعالى منازل الجهاد الكريمة، ولن يجد خير هذا الخروج ولذَّته وبركته على حقيقته إلا من جاءته المنيَّة وهو في طريقه إلى الله تعالى لا يتأخر ولا يتردد، قال تعالى: ( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء:100).
إنه إلهام وأيُّ إلهامٍ من الله تعالى أن يُحرك في نفسك داعي الخروج، فتخرج عن حالة الدعة والسكون التي تعشقها، وتتحرك في ساعاتِ وأيام عطلتك وراحتك من أجل الله تعالى، فهو توفيق من الله ليكرمك سبحانه بحسن استجابتك وخروجك لأجله، قال تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) (الأنفال: 5)، ومن مشى في حاجة الناس مشى الله في حاجته، والمشي من دلائل الخروج.

وإن كل إنسان يخرج أو يغدو كما جاء في الحديث الصحيح؛ فمن الناس من يخرج لله تعالى، ومنهم من يخرج لسواه، وذاك الذي يخرج من بيته في معصية التجسس على المسلمين أو إيذائهم بالعبارة والإشارة مسكين يحتاج إلى أن يشفق على نفسه بتوبة قبل فوات الأوان، فلا أقل من أن نطلب من الله تعالى أن يوجِّه نوايانا ليكون كل خروج لنا في سبيل الله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً) (الإسراء: 80).
لقد أكرم الله تعالى جماعات من الناس فخرجتْ في سبيل الله إلى أصقاع الدنيا لأجل الدعوة والنصيحة فطوبى لهم، وخرج قوم في سبيل الله لأجل الجهاد فأرغموا أعداء الله تعالى في كل مكان فالبشرى لهم، كما خرج من خرج في طلب علم ورزق فبورك لهم، وكل ذلك يحتاج إلى تأكيد العزم والنية، والصبر والمصابرة والرباط على الخير حتى تتم المهمة؛ لأن قوماً خرجوا لأجل الخير وما لبثوا أن عادوا إلى ديارهم دون أن يحققوا أدنى المطالب والغايات، فكأني بهم يحاكون صورة الذي يفرُّ يوم الزحف فأولى لهم أن يثبتوا على أمر خرجوا من أجله، وأن لا يعودوا إلا بتحقيق الغايات السامية، ولاشك أن لكل خروج ناجح عدته التي لابد من أخذها وتحضيرها بين يدي التفكير بالخروج في سبيل الله تعالى وإلا وقع ما نُحذِّرُ منه من النكوص والتخلف والفرار، والله تعالى يقول: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة: 46).

وإنني أخشى على نفسي وإخواني إنْ نحن تأخرنا عن تلبية النداء للخروج - وقد حان وقته ودقَّتْ طبوله، أو ارتفع نداؤه وأذانه - أن لا يُقبل لنا خروج نَهُمُّ به ونطلبه بعد ذلك، قال تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) (التوبة: 83).

ولا يقلل من قيمة عبادة الخروج في سبيل الله تعالى حرصنا على عبادة أخرى تقابلها، وهي عبادة الدخول في سبيل الله تعالى على الأهل والأحباب والأصحاب؛ ننصحهم ونربيهم ونعلمهم ونقضي حوائجهم، وصدق الله القائل: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، وفي الصحيح من الحديث: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). 
وفي الختام: فإن عبادة الخروج تشمل حتى خروجنا لصلاة الجماعة في مسجد الحيِّ ذلك الخروج الذي إنْ حرصنا عليه وتابعناه دون كلل أو ملل حُزنا به أجر المرابطين، فقد روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (... وكثرة الخطى إلى المساجد... فذلكم الرباط).

وحسب أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تعلم وهي خير أمة أخرجت للناس أن وسام الخيرية هذا لخير أمة أُخرجتْ لم يحصل لها إلا بعد أن خَرَجَتْ، أي خرجت عن إثم القعود، وتحركت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقارعة الظالمين والغاصبين، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110).
فهلا كان منا الحرص والرباط على عبادة الخروج في سبيل الله تعالى؟!!.

   

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة