رسالة المنبر "لو كنتُ مكانه"

الخميس 14 ديسمبر 2017 09:57 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "لو كنتُ مكانه"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- يتخيل المرء بين الحين والآخر لو أنه مكان غيره؛ ممن آتاهم الله تعالى سلطة أو مالاً أو جمالاً أو جاهاً أو علماً أو قوة ومكانة.
- كما يتمنى لو أنه أتيح له ما أتيح لغيره من الفرص، فيقول في نفسه: لو أتيح لي كذلك وكذا لحققت من الإنجازات والأهداف الكثير الكثير، فهو من جهةٍ ينتقص من نتائج وجهود غيره، ومن جهةٍ أخرى يظن نفسه القناص الشجاع المحترف الذي لا تفوته الفوائت.
- في خضمّ هذه الأمنيات ينسى المرء ما يعتري الفرص التي منحها الله تعالى لعباده وما يحيط بها من تحديات داخلية وخارجية، ويحسب أن هنالك ثمة فرصة مجردة، ولو نظر إلى الأمور بشكل متكامل لحمد الله تعالى على حاله، ولسأل الله تعالى العون للآخرين.
- من جملة الأمنيات التي يتمناها المرء أحياناً أمنية بأن يكون مكان أحد الرجال الكبار الذين أحاطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ف(رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وينسى حجم ما لقيه هؤلاء الكرام من تحديات بلغت مبلغاً عظيماً في الأحزاب يوم أن (زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر)، بل إن معية الله حرست قائدهم فثبت، ولولا ذاك لهلك (لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا). 
- يتعب البعض ويبذلون جهوداً مضنية في طلب العلم وتحصيل الدرجات العالية أو في عالم التجارة والزراعة والسياسة والرياضة، ثم يأتي المتفرجون المتابعون عن بُعد دون أن يبذلوا أي جهد فيطلقون العبارة نفسها: لو كنت مكان هؤلاء لكانت النتيجة أحسن، وهنا نسأل ذلك المتمني: وما الذي منعك أن تكون مكانهم؟ وعندها سيخترع لك بدل الجواب أجوبة وبدل التبرير تبريرات.
- قد يمنح الله تعالى لنا كلنا فُرصاً كبيرة وجميلة، فقد تتاح لنا الأموال والأوقات والصحة والجاه والمناصب والمواقع والمنابر (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)، ولكننا في غمرة استمتاعنا بها نغفل عن كونها فرصة لن تتكرر فتضيع، ومن حولنا مَن ينظر إلينا ويقول: لو كنت مكانه لفعلتُ وفعلت.
- ليس الشأن في تمني مكان الآخرين، إنما الشأن في أن تملأ مكانك الذي أنت فيه الآن ف (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)، وأن تسعى للتقدم خطوة نحو الأمام، ولكن بشكل متوازن دون تسلق ولا حرق للمراحل ولا حسد أو حقد على من سبقك من المتسابقين.
- النبلاء وحدهم من يتمنون للآخرين الفوز والتوفيق، ويعرفون قدر أنفسهم، ولا ينزلونها من المنازل ما لا تطيق.
- لو كنتُ مكان العالم الفلاني لقلت في الله دون خوف ولا وجل، ولو كنتُ مكان الحاكم الفلاني لحركتُ الجيوش نصرة للأقصى والأسرى، ولو كنتُ مكان الغني الفلاني لما أبقيت حولي سائلاً ولا جائعاً .. كلها أمنيات جميلة .. ولكن هل سألت نفسك لماذا لم يحقق هؤلاء أمنيتك في أنفسهم؟! .. أتراه الجبن والخوف وشح النفس والضعف البشري؟! .. وهل روحك على استعداد تام لتتجاوز ذلك كله وتنجح في (اختبار المكان والمكانة) إن صرتَ مكانهم .. قال تعالى: (طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فَلَو صدقوا الله لكان خيراً لهم).
- تقول في نفسك: لو كنتُ مكان الرماة يوم أحد ما نزلت، وأنت في كل يوم تنزل وتخالف وتتنازل، ولو كنتُ مكان الحاضرين لخطبة النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءت بضاعة الشام ما تركته قائماً ولا عنه انفضضت، وأنت في كل يوم تنفضّ عن هديه وتقوم، ولو كنتُ مكان المخلفين عن تبوك ما تخلفت، وأنت في كل يوم تتخلف عن نصرة دينك وأمتك بالمال أو بالحال، ولو كنتُ مكان الخائضين في عرض عائشة رضي الله عنها يوم الإفك ما خضت، ولسانك لا يسكت عن الطعن والقذف للمحصنات والمحصنين في كل حين!!
- لو كنتُ مكان المتحدث الناقد المعترض لسكتُّ وعملتُ واجتهدتُ لأثبت جدارتي حين يجيء دوري، ولا مانع من نصحٍ هنا وتوجيه هناك، فالنصيحة (لأئمة المسلمين وعامتهم)، ولكن دون أن تُلزم نفسك ما لا يلزم من أمنيات.
- لو كنتُ مكان المنافق ما نافقت؛ لأنني مؤمن أن النفاق لا يزيد في رزق ولا أجل، ولو كنت مكان أدوات الباطل لانخلعت منهم واعتزلت؛ لأنني مؤمن أنهم لن يحققوا مآربهم في أوطاننا وأمتنا بدوننا، وأنهم بعد تحقيقهم لها سيخلعوننا، وصدق موسى عليه السلام وهو يحقق شكر نعمة الله عليه بإدارة ظهره للمعتدين (قال رب بما أنعمتَ عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين).
- لو كنتُ مكان نفسي لكنت أكثر طموحاً وأكثر استعداداً لتعلم الخير ونشره والدفاع عنه .. هذا ما ينبغي أن نحدث به أنفسنا دائماً ونحن نستعرض الفرص المتاحة لنا؛ لنتفوق على أنفسنا قبل التفوق على غيرنا، وإلا فلن ينفع الندم على فوات الفرص (قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون).
- من أعظم ما جاء في باب الأماني حديث يحكي نتيجة وثمرة الأمنيات الطيبة والخبيثة على حدٍّ سواء، فقد قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سواء) رواه الترمذي وهو صَحِيحٌ، والصدق هو الذي يحقق الأجر، مثلما أن شدة العزم تحقق الوزر هنا.
- كلما زادت صلاحياتك الممنوحة لك زاد لأجلها حسابك، فالأمر تكليف ومسؤولية أكثر من كونه تشريف ومحمودية، فلا تطلب مكاناً قد يحطُّ من مكانتك، ولا تتأخر عن مكان ترى أنك تسدُّ به ثغرة قد لا يسدها غيرك، ولا تحزن لفوات مكان ترى فيه نفعاً ويرى فيه الله شراً وضُراً.
- اجعل من جملة: لو كنتُ مكانه، باباً من أبواب التماس الأعذار للآخرين، وحافزاً من حوافز حثك على منافسة المتسابقين، وحضّر لكل مكان ومنزل تنزله ما يعينك على تحقيق شروطه وحقوقه ومتطلباته و (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَان) رواه مسلم.
- وأخيراً: لن يزال الحسد والسلبية فينا مع اشتداد الفتنة آخر الزمان حتى نحسد أهل القبور على مكانهم في قبورهم، قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْر فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولَ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدّيْنُ إلاَ الْبَلاَء) متفق عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة