لا.. ليس هناك عصر انحطاط في تاريخنا

السبت 23 ديسمبر 2017 08:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

لا.. ليس هناك عصر انحطاط في تاريخنا

د. غازي التوبة

قسم بعض الدارسين تاريخنا إلى عدة عصور، هي: عصر النشأة الذي بدأ مع قيام دولة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة ودولة الخلفاء الراشدين، ثم عصر الترجمة، فعصر الازدهار والإبداع الفكري، وقد بلغ أوجه في عهد المأمون، ثم عصر الانحطاط والجمود الفكري، وقد ساد في عهد المماليك والعثمانيين، ثم عصر النهضة الذي بدأ بنابليون بونابرت عندما غزا مصر عام 1798.


واعتبروا أن عصر الانحطاط تمثل بأمرين هما: الأول: الانحطاط الفكري والعلمي، ويعني توقف العقل الإسلامي عن الإبداع العلمي والنمو الفكري، والثاني: الانحطاط الاجتماعي، وهو تفكك المجتمع، وظهور الفردية والأنانية، وعدم فاعلية المجتمع، والروابط الاجتماعية، وانعدام القدرة على البناء ومواجهة الأزمات. أما أبرز المتحدثين عن الانحطاط فهما كاتبان: مالك بن نبي، ومحمد عابد الجابري، وسنعرض آراءهما وأفكارهما حول الانحطاط وأسبابه.


فقد اعتبر مالك بن نبي في كتبه التي عنونها بسلسلة "مشكلات الحضارة" أن عوامل التعارض الداخلية في المجتمع الإسلامي قد بلغت ذروتها في نهاية "دولة الموحدين"، ولم يعد الإنسان والتراب والوقت، عوامل الحضارة، بل أصبحت عناصر خامدة، ليس بينها صلة مبدعة، وقد أدى هذا التعارض إلى الانحطاط الاجتماعي الذي يتجلى في الانحطاط الأخلاقي وتفرق المجتمع الذي يؤدي إلى الفشل من الناحية الأدبية. ثم جاء محمد عابد الجابري الذي طرح أراءه عن الانحطاط العلمي، وتوقف الأمة عن الإبداع في سلسلة كتبه عن العقل العربي وأبرزها كتابان "تكوين العقل العربي" و "بنية العقل العربي".

لقد درس الجابري في كتابه "بنية العقل العربي" الأنظمة التي شكلت العقل العربي، وحددها بثلاثة، وهي: البيان، العرفان، البرهان. واعتبر أن هذه الأنظمة المعرفية تداخلت مع بعضها، وأصبحت تشكل تلفيقاً معطلاً، واعتبر أزمة أبي حامد الغزالي التي أدت إلى اضطرابه واعتزاله وغيابه عن الساحة العلمية لمدة عشر سنين، مثالا على هذا التداخل التلفيقي بين الأنظمة المعرفية الثلاثة وعدم استطاعته التوفيق بينها. وقد أشار الجابري إلى لحظتين متميزتين في تاريخ العقل العربي:


الأولى: تمتد من بدايات عصر تشكيل العقل العربي إلى لحظة الغزالي التي كان فيها العقل منتجا ومبدعا.
الثانية: ما بعد لحظة الغزالي التي تعطل فيها العقل العربي، وأصبح جامدا وغير مبدع وغير فعال ومنتج، وبدأ الانحطاط العلمي منذ تلك اللحظة.


والسبب في ذلك هو أن التداخل التلفيقي بين الأنظمة المعرفية الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، وعدم قدرة العقل العربي على التوفيق بين هذه الأنظمة توفيقا سليما. ومن المؤكد أن النظر الفاحص لتاريخنا ينفي أقوال مالك بن نبي، ومحمد عابد الجابري، ويؤكد أنه لم يكن هناك انحطاط بالمعاني التي حددناها وهي موات جانبين: الجانب الجماعي والاجتماعي من جهة، والجانب العقلي والعلمي من جهة ثانية. 


أما بالنسبة للناحية الاجتماعية والجماعية فمن المعلوم أن الأمة بعد عهد الموحدين (515-667هـ) استطاعت أن تصد الهجومين الصليبي والتتري المغولي، وتنهيهما، فقد صد المماليك الهجوم المغولي التتري وانتصروا عليهم في معركة عين جالوت عام 1260م التي قادها المملوكي قطز، ثم أكمل المماليك انتصارات صلاح الدين الأيوبي، فطردوا الصليبيين من عكا في ساحل فلسطين في عام 1291م وكانت تلك الانتصارات بقيادة المملوكي الأشرف خليل.

ثم جاءت الخلافة العثمانية، وبسطت نفوذها على العالم العربي، وخاض السلطان سليم معركة مرجج دابق عام 1516م، وقتل السلطان قانصوه الغوري، وأنهى وجود آخر حاكم مملوكي لمصر، كما دخل مصر عام 1517م، وبعد ذلك صارت الخلافة العثمانية أقدر على مواجهة أوروبا، بعد أن أمنت ظهرها بقيادتها للعالم العربي. ثم توجهت الخلافة العثمانية إلى محاربة أوروبا واستطاعت بسط نفوذها على أوروبا الشرقية من بلاد اليونان والبلغار والصرب، ووصلت إلى فيينا وسط أوروبا مرتين الأولى عام 1529م، والثانية عام 1683م. 


أما الناحية العلمية فإن الإبداع لم يتوقف في عصر المماليك والعثمانيين، ففي مجال العلوم النقلية فإن عصر المماليك شهد حضور عدد كبير من العلماء الكبار من أمثال ابن تيمية والعز بن عبد السلام. والقرافي وابن حجر العسقلاني وابن منظور والقلقشندي الذين كتبوا عشرات الكتب التي تعتبر مراجع في التاريخ الفكري والديني للأمة في مجال الرد على المنطق اليوناني والفلسفة، والتأصيل لعلوم السنة النبوية، وتدوين المعاجم والتفسير، وشرح الحديث، والتاريخ وفي مجال تبيان عدم تعارض العقل والنقل الخ....، كما تم اختراع وابتكار عدد من العلوم في هذه الفترة التاريخية، فقد ابتكر ابن خلدون علم العمران، كما ابتكر الشاطبي علم المقاصد. 


وفي مجال العلوم العقلية، فقد أشار الدكتور جورج صليبا في كتاب "الفكر العلمي العربي: نشأته وتطوره" الذي درس علم الفلك في الحضارة الإسلامية، وهو من أرقى المتخصصين في علم الفلك في العصر الحديث، فوجد أن علم الفلك لم يشهد انحطاطا في عصري المماليك والعثمانيين، بل شهد اختراعاً لنظريات جديدة، وردوداً على بطليموس، ورقياً فاق العصور السابقة، وذكر أسماء متعددة في هذا المجال، ومنها: شمس الدين الخفري (ت 957هـ)، الذي كان يقيم في دمشق، وكان معاصرا لكوبربنيكوس، والذي كان يتحلى بمقدرة رياضية ودراية في دور الرياضيات في صياغة العلوم، ندر أن يوجد مثلها في أعمال الذين أتوا قبل القرن السابع عشر.


واقترح جورج صليبا أن تدرس العلوم المختلفة من رياضيات وكيمياء وفيزياء وصيدلة وطب في عهدي المماليك والعثمانيين دراسة تفصيلية، كما درس هو علم الفلك، وأكد أن الدارسين سيجدون اختراعات وابتكارات وتقدماً في العلم الذي يدرسونه، ينفي صفة الانحطاط عن عصري المماليك والعثمانيين. أما العلوم الدنيوية فقد اكتشف العثمانيون وجود الجراثيم والميكروبات، وقاموا بمحاولات للطيران العادي والطيران النفاث، كما كانت المدفعية العثمانية أقوى مدفعية بلا منازع حتى عام 1700م، كما صنع العثمانيون في زمن محمد الفاتح (1432 - 1481 م) مدافع جبارة تستطيع خرق سور من الحجر سماكته اثنا عشر متراً، واخترع العثمانيون المدافع المتحركة ومدافع الهاون واستعملوها لأول مرة زمن السلطان سليم الأول.

وكانت صناعة السفن متقدمة أيضاً والأسطول العثماني ظل حتى عام 1868 ثالث أقوى أسطول في العالم بعد الأسطولين الإنكليزي والفرنسي، كما اكتشف العثمانيون أمريكا قبل كريستوفر كولومبوس، واكتشفوا القطب الجنوبي ورسموا تضاريسه بالتفصيل. كما أنشأ العثمانيون أول جامعة للطب في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي سموها (دار الطب)، ثم تم إنشاء المجمع الطبي في القرن الخامس عشر ومن رواده شرف الدين الصابونجي الأماسي العالم في الأدوات الجراحية والمطور لها، وداود الأنطاكي صاحب الدراسات عن المخ والكتاب الشهير حول الأدوية الطبيعية، وأخي جلبي صاحب الأبحاث حول المسالك البولية، وطبيب التوليد الشهير عياشلي شعبان، والعالم النفساني مؤمن السينوبي صاحب كتاب من 25 مجلدا حول الأمراض العقلية والنفسية والعصبية.


لم يكن هناك عصر انحطاط في تاريخنا، بمعنى موات الجانبيين: العقلي والعلمي من جهة، والاجتماعي والجماعي من جهة ثانية، بل هناك ضعف وبعض الوهن والتأخر الذي أصابنا في الجانبين العلمي والاجتماعي الجماعي بالمقارنة مع العصور السابقة، وكان بالإمكان تدارك ذلك الضعف والتأخر لولا مداهمة الاستعمار الغربي لمعظم بلادنا واحتلالها في القرن التاسع عشر والعشرين، وزيادة حجم التأخر والضعف، ثم التخطيط لتدمير وحدتنا الثقافية، وتفتيت وحدتنا الاجتماعية والعرقية والسياسية، ونجح في ذلك في كثير من المواضع والأماكن بكل أسف.


من أين جاءنا هذا التحقيب والتقسيم لتاريخنا؟ أعني تحقيب تاريخنا إلى عصر نشأة، ثم عصر ازدهار، ثم عصر انحطاط، ثم عصر نهضة، لقد جاء هذا التقييم من الغرب وقام به المستشرقون من الغرب، والمتغربون من أبناء جلدتنا في الشرق، الذين أسقطوا تاريخ أوروبا على تاريخنا. فقد عرف تاريخ أوروبا هذا التحقيب فعرف وجود عصر انحطاط، وهي العصور الوسطى التي سادت فيها الكنيسة، والطبقة الإقطاعية، ثم جاء عصر النهضة الذي أنقذ أوروبا من خرافات الكنيسة، وأطلق العقل من إساره، وبدأت الاختراعات العلمية، وأنهى دولة الحق الإلهي ليبدأ الحكم الجمهوري القائم على حرية الرأي والانتخابات.


وعلى سنة تقليد الغرب، وإسقاط كل قضاياه على تاريخنا، وكان هذا التحقيب لتاريخنا الذي يبدأ بعصر نشأة، ثم ينتهي بعصري انحطاط ونهضة، كما هو عند الغرب، مع أن الدراسة الموضوعية للتاريخ تبين وتؤكد أنه ليس هناك عصر انحطاط في تاريخنا.


الخلاصة: تحدث بعض الدارسين عن وجود عصر انحطاط في تاريخنا بمعنى: موات الناحيتين العلمية والاجتماعية في حضارتنا، وبخاصة في العهدين المملوكي والعثماني، وقد بيّنا خطأ هذا الحكم وعدم علميته وموضوعيته.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة