رسالة المنبر "البديل الأصيل"

الخميس 04 يناير 2018 06:02 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "البديل الأصيل"

د. محمد سعيد بكر

المحاور
- كتب رب العزة على نفسه البقاء، فهو الأول والآخر، بينما تفنى المخلوقات وتموت، قال تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)، ويأتي رب العزة ببديل عن كل خلق يموت، طالما أنه كتب استمرار الحياة في الكون.
- جعل الله تعالى في التكاثر بين بعض مخلوقاته سبباً من أسباب انتاج البديل عن كل نوع وجيل.
- يحرص العقلاء على توفير البديل النافع عن كل فساد وقبح وسوء وفِي مختلف مجالات الحياة، وفِي الوقت الذي ينهى فيه هؤلاء الكرام عن منكر من المنكرات فإنهم يأمرون بمعروف طيب ليكون بديلاً عن ذاك المنكر الخبيث، وإلا فإن فراغاً يعيشه الناس عند تركهم للمنكر دون ذهابهم للمعروف قد يغريهم به الشيطان للعودة إلى ما كانوا عليه من منكر وسوء.
- يتأكد إخلاص المرء وصدقه وانتماؤه لدينه ووطنه وأمته، بل وحرصه على تمام رسالته كلما كان حريصاً على توفير بديل صالح يكمل مسيرة الخير والبناء التي بدأها، فتجده منذ اللحظة الأولى يدرب غيره على القيادة، ولا يحتكر أسرار الوظيفة، ويفوض بعض صلاحياته لمن حوله، ويحفزهم على الإنطلاق.
- كان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حريصاً على توفير بديل أصيل عنه في حمل الأمانة وإتمام المسيرة، وقد أعطى الأصحاب أدواراً متقدمة، لاسيما وأن الله تعالى قد أعلمه مبكراً بأنه سيموت، قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آلِ عمران)، لذلك أخذ الصحابة الكرام بزمام الأمور من بعده باقتدار.
- برز في مشهد غزوة مؤتة عند تعيين النبي صلى الله عليه وسلم للقادة الثلاثة قيمة تعيين البدلاء لاسيما في المواقف الحاسمة.
- لا يتصور المستبدون نهاية لأجلهم فتراهم يحتكرون المناصب والمواقع، ويربطون بقاء البلاد وأرواح العباد ببقائهم وجوداً وعدماً، ولا يتخيلون أن الله خلق للموقع والكرسي من هو خير منهم، على الرغم من أنهم يعلمون بأنها لو دامت لغيرهم ما وصلت إليهم، وأن من سبقهم ملكوا ثم هلكوا، وسادوا ثم بادوا.
- يعطل المستبدون في مختلف مستوياتهم الوظيفية أي محاولة لظهور بديل صالح عنهم، وإن كان ولابد فهو بديل يتصل بهم ويخدم مآربهم ويكون امتداداً لقبحهم، قال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ) (الأعراف).
- يترك الدعاة في كثير من مواقع العمل الدعوي للقدر وحده دور إفراز بديل عنهم!!، فلا يجهزون أجيالاً من ناشئة الدعوة يملئون الفراغ ويتابعون المسير ويبدأون من حيث انتهى السابقون، فيكونوا خير خلف لخير سلف، ويدعو اللاحق للسابق بلسان حاله ومقاله: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان).
- ما ترك الله تعالى البشرية في تيه وضياع بل كان يبعث لها النبي بديلاً عن النبي قبله، فيكون السابق مبشراً باللاحق ويكون اللاحق على خطى السابق (فبهداهم اقتده)، حتى جعل سبحانه العلماء والدعاة ورثة الأنبياء، ليستمر الخير إلى قيام الساعة دون انقطاع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين) رواه البيهقي وهو حسن.


- هدد الله تعالى البشرية باستبدالها في حال تنكبت وأعرضت عن أمور عالية شريفة كالجهاد مثلا ركوناً للدنيا، وسلكت سبل الغواية؛ فما أهون الخلق على الله تعالى، ومن مواضع التهديد بالاستبدال الرباني في القرآن:
- ١. (نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) (الانسان).
- ٢. (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) (محمد).
- ٣. (إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التوبة).


- وعلى النقيض من ذلك نجد في كتاب الله تعالى ما يشجع على التوبة والرجوع إلى الله تعالى لكل عبد غيَّر وبدَّل من حال الفساد إلى حال الصلاح، بأن يكافئه الله تعالى بتبديل سيئاته إلى حسنات، قال تعالى: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (الفرقان).
- ما كان التغيير مقصوداً لذاته في أي مجال من مجالات الحياة، بقدر ما هو تغيير نحو الأفضل، للإتيان ببديل أكثر نفعاً وأقوم قيلاً.
- لا يحق لنا أن نتأخر عن صناعة البديل الأصيل ثم نشكو ضعف الكوادر، ونزداد تمسكاً بالمواقع بداعي حرصنا على الدعوة والعمل والمسيرة، ويخيَّل للواحد منا أنه وحيد القرن وفريد العصر والدهر.
- لقد كانت مهمة هارون عليه السلام عند ذهاب موسى عليه السلام لملاقاة ربه مهمة صعبة، مثلما كانت مهمة أبي بكر رضي الله عنه مهمة صعبة كذلك، فالبديل الأصيل أحياناً يحتاج ألى وقت وفرصة وتجربة، ويبقى للأصل مكانته في نفوس الأتباع، ولكن الله تعالى يعين ويُلهم، وقد يتفوق البدلاء على الأصلاء، وكم من تلميذ فاق شيخه ولا حرج.
- أسوأ نموذج من نماذج طلب البديل هو نموذج استبدال الخبيث بالطيب، والقبيح بالحسن، قال تعالى: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ).
- وأخيراً: مع كل يوم يتهاوى نجم فرد أو مجموعة أو جماعة أو نظام أو تنظيم تزداد الحاجة لبديل قوي أمين، فهل عقمت بُطُون الأمهات عن إنجابه، أم أن مصانع الرجال توشك أن تمنح البشرية من يجدد لها أمرها ويصلح لها شأنها .. الخير قائم وقادم بعون الله تعالى.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة