رسالة المنبر " أزمة ثقة"

الأربعاء 24 يناير 2018 11:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر " أزمة ثقة"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- قيمة (الثقة) تعني؛ إحسان الظن، والنظرات الإيجابية، وترك الشك والريبة والتخوين وسوء التقدير في الأحكام.
- ليست الثقة مطلوبة في الحياة السياسية بين الحاكم والمحكوم فحسب، ولا في الحياة الاقتصادية بين الشريك وشريكه، وبين البائع والمشتري فقط، ولا هي واجبة في الحياة الاجتماعية بين الرجل وزوجته، وبين الوالدين وأولادهم، وبين الصديق وصديقه، وبين الفرد وجماعته فحسب، بل هي كذلك مطلوبة بين الفرد ونفسه؛ لأن فاقد الثقة بنفسه ضعيف مهزوز.
- الثقة بين المخلوق وخالقه هي أرفع أنواع وصور الثقة؛ لأن الثقة هنا هي الإيمان واليقين المطلق بقوة القوي، وحكمة الحكيم سبحانه، قال تعالى في بيان مرض المنافقين: (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (النور: ٥٠).
- لتمكين قيمة الثقة في حياتنا أسباب، ولنزعها أسباب مناقضة لأسباب تمكينها، كما أن لوجود الثقة ثمرات ولنزعها آفات، وبين هذا وذاك لابد أن نتعرف على ضوابط الثقة النافعة .. فما هي أسباب تمكين الثقة وثمراتها وضوابطها؟

- أولاً: أسباب تمكين الثقة في حياتنا:
1. معرفة منظومة الحقوق والواجبات واحترامها بين جميع الأطراف.
2. الوضوح والشفافية وترك الغموض.
3. الابتعاد عن مواطن الشبهات.
4. الاعتذار عند الخطأ، والتوضيح عند المواقف الملتبسة، والتماس الأعذار للآخرين، وإعطاء فسحة مناسبة للضعف البشري الذي هو من طبيعتنا كلنا.
5. استدعاء التاريخ الجميل والذكريات الطيبة والحسنات بين جميع الأطراف.
6. أن نضع أنفسنا في مواقع الآخرين وضمن ظروفهم، وأن يكون التقييم للآخرين على ضوء ما أتيح لهم من فرص، وما تعرضوا له من تحديات.
7. أن نستذكر المواقف الكريمة في تمكين الثقة مِن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت ثقته بالله تعالى راسخة لاسيما عند الأزمات (رحلة الهجرة، وغزوة الأحزاب؛ نموذجاً)، وثقته بأصحابه متقدمة، فهو لأجل ذلك كان يشاورهم ويثق بقدراتهم (سلمان والخندق)، ويكلفهم ويثق بأمانتهم (علي وإمارة المدينة)، وثقته بأهله لا يداخلها الشكوك (موقفه في حادثة الإفك نموذجاً).

- مثلما يتم تمكين الثقة ببعض ما سبق من أسباب فإن نزع الثقة بتسويلٍ من الشيطان الرجيم عند التساهل بتلك الأسباب سهل، ولو بعد أمدٍ طويلٍ من العلاقة الطيبة والثقة والمودة.
- فقدان الثقة بالمنهج أسوأ من فقدانها بالأفراد، لأنك قد تحافظ على انتمائك للفريق عند ثقتك بالمنهج، ولو فقدتها بالأفراد، ولا قيمة لثقتك بالأفراد إن شككت في صوابية المنهج، لذلك لا يثق عموم الناس بالحكومات المتعاقبة لعدم ثقتهم بالمنهج وأسلوب الادارة، بصرف النظر عن شخوص من يديرها.

- أما ضوابط الثقة التي بها نحرسها ونرعاها، فمنها:
1. أخذ الحيطة والحذر وعدم إعطاء ثقة (مطلقة) لأحد (لست بالخبِّ، ولا الخبُّ يخدعني).
2. استحضار عظمة التوجيه الإلهي في التحذير من الظنون، قال تعالى: (إن بعضَ الظنِّ إثم)، لاسيما عند توفر دواعي الشك والريبة، قال تعالى: (لولا إذْ سمعتموه ظنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً).
3. الحذر الشديد من الإشاعات المغرضة، لاسيما إن كان مصدرها فاسق أو منافق، قال تعالى: (ولأوضعوا خلالكم يبغونكمُ الفتنة وفيكم سماعون لهم).
4. التحسس (دون التجسس)، والتجريب، والاختبارات الحياتية مع إعطاء علامات تقديرية معقولة ومناسبة لكل مَن حولنا.
5. التفاؤل بحصول الأفضل، مع توقع اكتشاف الأسوأ.
6. التريث وعدم الاستعجال في إطلاق الأحكام.
7. مراعاة الأقرب فالأقرب ومحاولة احتواء الموقف والأزمة، حتى لو ثبت لك ما كنت تخاف منه وترتاب، وما حكاية يعقوب عليه السلام مع أبنائه، ويوسف عليه السلام مع إخوانه عنا ببعيد، فقد ثبت لهما جرمهم وإساءتهم، وكان كظم الغيظ لاحتواء الأزمة سيد الموقف (فأسرَّها يوسف في نفسه ولَم يُبدها لهم قال أنتم شرٌّ مكاناً والله أعلم بما تصفون).
8. قطع الشك باليقين، ودرء الحدود بالشبهات، ولأن يصدر عنا خطأ في العفو خير من أن يصدر عنا خطأ في العقوبة، قال تعالى: (إن الظنّ لا يغني من الحقِّ شيئاً).
9. العلم والمعرفة والبصيرة، فالعلم نور يمنع من ظلام الريبة والشك، قال تعالى: (وما لهم به من علم إنْ يتبعون إلا الظن) (النجم: ٢٠).
10. ليس كل مخالفٍ عميل، ولا كل فضولي جاسوس، ولا كل تارك للسرب ساقط؛ ورحم الله عبداً جبَّ الغيبة عن نفسه.

- الأزمات والمحكات والنوازل المدلهمة هي الاختبار الأكبر لركن الثقة، وأعظم الثقة حينئذ هي ثقة المسلم بربه، قال تعالى في يوم الأحزاب: (وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا)!!.

- أما ثمرات تمكين قيمة الثقة في حياتنا فهي كثيرة، ومنها:
1. زيادة المحبة والألفة والأخوة والولاء والانتماء.
2. طردٌ لوسواس وإشاعات شياطين الإنس والجن.
3. فتح المجال واسعاً لتوبة العاصي أو المخطئ، وفِي قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قبيل فتح مكة خير مثال على تجديد الثقة بالأصحاب، وعدم تركهم للأغراب، عند وقوع الخطأ والاضطراب.
4. قوة العمل والجودة والإتقان والتحول إلى دوائر الانتاج المتقدم، والحماسة للمغامرة المدروسة في سبيل الهدف النبيل.

- وختاماً: لقد استشرت الخيانات في زماننا .. خيانات الحاكمين لأمانة الحكم، وخيانات العلماء لأمانة العلم، وخيانات الدعاة والخطباء لأمانة المنبر والدعوة، وخيانات التجار لأمانة السوق، وخيانات الأزواج لأمانة الحياة الزوجية، وخيانات الفرد لجماعته، والموظف لوظيفته؛ فانعكس ذلك سلباً على قيمة الثقة الشريفة، ولكن على الرغم من ذلك فإنه لا يزال هنالك بقية خير وصلاح، فلا يجوز الإطلاق والتعميم، والثقة في الطيبين مطلوبة، والحذر عندها واجب (إن الغادر يُرفع له لواء يوم القيامة؛ يقال هذه غدرة فلان بن فلان) (رواه البخاري)

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة