مؤتمرات العلماء .. في الميزان

الجمعة 26 يناير 2018 02:40 م بتوقيت القدس المحتلة

مؤتمرات العلماء .. في الميزان

د. محمد سعيد بكر

يلتقي العلماء بين الحين والآخر تحت عناوين متنوعة، وفِي بلدان مختلفة، وتفضي اجتماعاتهم إلى توصيات وبيانات كثيرة، ولقد وجدت من باب النصيحة إجراء تقييم لغايات التقويم، وقد أكرمني الله تعالى بالمشاركة في العديد من هذه المؤتمرات، وكان لي بعض الملاحظات، وهي على النحو الآتي:

أولاً: إيجابيات المؤتمرات العلمائية:
- إلقاء الضوء على الموضوعات ذات الأولوية في حياتنا كالأقصى والنهضة وفهم القرآن والسنة والتطرف بأنواعه والدعوة والإصلاح وغيرها.
- التأكيد على دور العلماء والنخب في مجتمعاتهم، ومن خلال منابرهم التوعوية المختلفة في صناعة الوعي في القضايا المطروحة.
- زيادة أواصر الأخوة والمحبة بين العلماء والتعاون بينهم على تحقيق الهدف الواحد.
- القيمة المُضافة للبلد المضيف، والجهة المضيافة.
- قدح الأذنهان ومحاولة توليد أفكار جديدة، لاسيما أثناء ورش العمل والعصف الذهني.
- توجيه رسائل قوية ومباشرة وبمختلف الاتجاهات للمتابعين؛ من الأحباب والمبغضين (أعتقد أن هذا هو الهدف الأبرز).
- قد تظهر بعض نتائج المؤتمرات بعدها (وليس أثناء انعقادها) في صورة تكتلات جديدة تنشأ ومبادرات جماعية أو فردية أو مؤسسات تبنى وغير ذلك. 
- إثراء المكتبة الإسلامية بالجديد المفيد من الأوراق العلمية والمباحث النافعة.
- رد الشبهات المثارة حول القضايا المختلفة.
- تعديل بعض زوايا النظر والآراء والمفاهيم عند البعض في بعض المسائل (وإن كان هذا نادر بين العلماء).
- التوافق على توصيات مميزة تصلح لأن تكون وثيقة منهاج توعوي ودستور عمل ميداني وخارطة طريق للجماعات والمؤسسات والافراد.

ثانياً: سلبيات المؤتمرات العلمائية:
- الكلف الباهظة التي تصرف على التذاكر والفنادق والإعلام والمطبوعات .. والتي يمكن توفيرها لصالح خدمة الأفكار والأهداف التي يتم تنظيم المؤتمرات لأجلها .. من خلال وسائل أكثر جدوى وأقل كلفة.
- التكرار الكبير في العناوين والأوراق والمداخلات والتوصيات بين العديد من المؤتمرات .. بل حتى ضمن المؤتمر الواحد .. وكأن العلماء لا يسمعون لبعضهم.
- التشنجات والتنازعات وتباعد القلوب الحاصل عند تباين وجهات النظر أو عدم تفهم الآخر أو سوء الظن أو عدم القدرة على التعبير (أحياناً) .. (إن الشيطان ينزغ بينكم).
- استغلال (البعض) هذه المؤتمرات في تسويق ذاته فضلاً، عن تسويق فكرته، أو محاولة فرضها على العموم أحياناً.
- عدم الاهتمام بالتوصيات (وهي الثمرة الحقيقية للمؤتمرات)، أو عدم القدرة على تنفيذها أحياناً.
- ما يحصل من أخطاء في التنظيم والتحضير أحياناً تؤثر على أهداف المؤتمرات.
- وجود بعض الأهداف والمآرب الخفية أحياناً كالترويج الانتخابي لجهة من الجهات، أو كالتسويق السياسي لموقف من مواقف الجماعات أو الحكومات.
- الاهتمام المبالغ فيه بالإعلام أحياناً، وعدم الاهتمام بالإعلام على الإطلاق أحياناً أخرى.
- أننا (غالباً) نخاطب أنفسنا ونحاور ذواتنا فتجد تكراراً في المشاركين، وكأن من يقومون بتنظيم المؤتمرات يوصون ببعضهم لبعضهم دون محاولة للانفتاح على أفكار أو شخصيات جديدة، بل إن بعض المشاركين صار يتباهى بعدد المؤتمرات التي يحضرها، ويجد فراغاً كبيراً إن مضى عليه زمن بلا مؤتمر.
- المداهنة أو النفاق الذي يحصل (أحياناً) .. ويبرز عند إبداء الانبهار لما يطرحه بعض كبار العلماء من كلمات (قد تكون عادية)، أو السكوت على بعض مغالطاتهم (أحياناً)، أو عدم الاهتمام لما قد يصدر عن بعض غير المشهورين من المشاركين من أفكار متقدمة.
- الخوف الذي يعتري البعض من طرح ما يراه صواباً خشية الاعتراض عليه أو ملاحقته.
- غياب بعض المشاركين، عن بعض جلسات المؤتمر، وبقائهم في الغرف أو ذهابهم للأسواق، أو نومهم في قاعة المؤتمر (أحياناً).
- تهميش دور العلماء الشباب (أحياناً) والتركيز على شيوخهم، على الرغم من أن (بعض) شيوخ العلماء قد تعبوا واستنفذوا طاقتهم.
- الارتجال في بعض الكلمات الرئيسيّة وعدم مناسبة محتوى بعضها لعناوينها، وابتعاد بعضها الآخر عن عنوان وجوهر المؤتمر (أحياناً). 
- خروج بعض التوصيات دون المستوى المطلوب، أو أكبر بكثير من حجم طاقة العلماء المؤتمرين.

* وختاماً: لست مع إلغاء المؤتمرات على الإطلاق .. فنحن مطالبون بالاجتماع على كل خير، قال تعالى: (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: 6)، ولكن ينبغي التخفف من هذه السلبيات، والحرص على تمكين تلك الايجابيات، وتحسين النوايا والمقاصد (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلا الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدينا يصيبها، أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه) .. ومن المهم أن لا تتحول هذه الوسيلة إلى هدف بذاته، وأن لا نعتقد بأن مؤتمراً سيحل كل مشكلاتنا .. ويستمر البحث عن مخارج لأزماتنا ومشكلاتنا بشكل فردي وجماعي .. فالعيون تنظر إلى تلك المخارج، والأرجل تسير نحوها .. والله يتولى أمرها.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة