خارطة الطريق لتحرير القدس الشريف

الثلاثاء 30 يناير 2018 07:35 ص بتوقيت القدس المحتلة

خارطة الطريق لتحرير القدس الشريف

د. علي القره داغي

ضمن فعاليات مؤتمر "القدس هوية الأمة" المنعقد في ماليزيا بتاريخ 28 - 29 / 1 / 2018 تم تقديم ورقة بحثية بعنوان: "خارطة الطريق لتحرير القدس الشريف" التالية:

إن أمتنا الإسلامية تمرّ اليوم بمحن شديدة، وابتلاءات عظيمة في معظم المجالات ، وأن من أخطرها احتلال القدس الشرف، والضفة ، والجولان وغيرها منذ عام النكسة الكبرى في حزيران 1967م ، حيث ازداد تمزّق العرب والمسلمين وبدأ المشروع الصهيوني الأمريكي يعمل عمله بقوة وإصرار في ظل عدم وجود أيّ مشروع إسلامي جامع على مستوى الدول ، وتنامي المشروعات الطائفية التي تساعد على مزيد من التفكك، وأكثر من ذلك فإن معظم قادة العرب فتحوا العلاقات السرّية والجهرية مع المحتل الصهيوني ، بل إن بعضهم يتنافسون على القرب من اسرائيل مما شجع الرئيس الأمريكي ( ترامب ) أن يتخذ قراراً بنقل سفارته إلى القدس الشرقية والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل !!.

وأمام هذا الوضع المأساوي تزداد مسؤولية العلماء في كيفية الحفاظ على أمتهم بل والنهوض بهم إلى المكانة التي يريدها الله الله لهم وهي الخيرية في العقيدة والعمل، وفي القوة والعلم، وفي الرحمة والخلق كما وصفه الله تعالى : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)[2].

، حقاً تزداد مسؤولية العلماء اليوم لأن معظم الرؤساء والحكام لا يقومون بواجبهم نحو أمتهم ، وحينئذ تتضاعف الأعباء على العلماء نحو قضايا أمتهم التي تقع قضية القدس وفلسطين في قمة الأولويات.

ولذلك يبذل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (الذي يمثل مرجعية شعبية إلى حدّ كبير) كل جهوده للنهوض بالأمة لا سيما في مجال الوحدة والمصالحة ، والإعداد العلمي، ونحو ذلك .

واليوم مرّت على احتلال القدس الشريف أكثر من خمسين عاماً ، وعلى احتلال فلسطين أكثر من سبعين سنة دون أي مشروع جدّي من الحكومات العربية سوى مشروع السلام الذي أقرّ في أوسلو منذ 25 سنة ، وقد فشل فشلاً ذريعاً 0

لذلك نبذل كل جهدنا لهذا المشروع، فنذكر في هذا المؤتمر معالمه ، على أمل اعتماده، وتشكيل لجنة من العلماء والسياسيين والمفكرين لاستكماله بصورة واضحة ببرامجه ومناهجه ، وأهدافه ورؤيته .

وقد قسمت هذه الدراسة إلى قسمين رئيسيين:

القسم الأول :  في بيان مكانة القدس الشريف وفلسطين في الكتاب والسنة ، ووعد الله الحق ، ووعد الأولى ، ووعد الآخرة ، والإفساد الذي قام به بنو إسرائيل في عصر الرسالة ، وفي عصرنا الحاضر .

وأما القسم الثاني: فمخصص لمشروع معالم خارطة الطريق للتحرير  - بإذن الله تعالى - ، ونتناول فيه : ركائز المشروع، مواصفات المنتصرين في الوعدين (وعد الأُولى ، ووعد الآخرة) في سورة الاسراء، كيف انتصر صلاح الدين الأيوبيّ ؟ وكيف وُجِدَ جيل صلاح الدين الأيوبيّ ؟ ثم بيان معالم المشروع.

وانا لا أقصد بهذا المشروع المتواضع جدا إلا ّتحريك الجهود نجو استكمال هذا المشروع نظرياً وعملياً ، وثواب النيّة والبدء لعل الله تعالى يكتب لي أجر المشاركة في تحرير القدس الشريف ، وهو القادر على ذلك وعلى كل شيء قدير.

والله أسأل أن يوفقنا جميعاً فيما نصبو إليه ، وأن يكتب لنا التوفيق في شؤوننا كلها ، والعصمة من الخطأ والخطيئة في عقيدتنا ، والاخلاص في أقوالنا وأفعالنا ، والقبول بفضله ومنّه لبضاعتنا المزجاة ، والعفو عن تقصيرنا ، والمغفرة لزلاتنا ،  إنه حسبنا ومولانا ، فنعم المولى ونعم الموفق والنصير .

              كتبه الفقير إلى ربه

علي محيى الدين القره داغي 

القسم الأول ، وفيه  

  • مكانة وأهمية القدس الشريف وفلسطين في الكتاب والسنة
  • ووعد الله الحقّ ، ووعد الأولى ، ووعد الآخرة
  • والإفساد الذي قام به بنو إسرائيل في عصر الرسالة ، وفي عصرنا الحاضر.

مكانة القدس في الكتاب والسنة[3] :

أ- مكانة القدس في القرآن الكريم :

إن الله سبحانه وتعالى أولى ( القدس وما حولها : فلسطين بل الشام) عناية قصوى فوصفها بأوصاف عدة:

الأرض المباركة:

فقد وصف الله تعالى في القرآن الكريم القدس وما حولها بالبركة خمس مرات، وهي قوله تعالى : (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)[4] وقوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)[5] وقوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)[6] وقوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)[7] وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً)[8].

البفعة المباركة وأقسم الله بها :

بل إن الله تعالى أقسم بطور سينين، وهو مما حول الأقصى، ووصفها بالبركة ووصف بل وصف شجرتها بالمباركة أيضا فقال تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) [9] وقال تعالى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [10] .

الأرض المقدسة:

وسماها الله تعالى الأرض المقدسة فقال تعالى:(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) [11] والأرض المقدسة هي الشام وفلسطين ودُرتُهَا بيت المقدس.

مبوأ صدق :

وسماها أيضا "مبوأ صدق"، فقال تعالى: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ)[12] الآية93 سورة يونس قال قتادة وغيره (بوأهم الشام وبيت المقدس)

القدس، أرض الأنبياء والمرسلين:

إن جميع الأنبياء من سيدنا إبراهيم وذريته كانوا في الشام وفلسطين إلا سيدنا إسماعيل عليه السلام وحفيده محمد صلى الله عليه وسلم.

الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى:

فقال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا  إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [13] ، هذا الربط يدل على عدة أمور:

1- إن الإسلام يبدأ من مكة، ويقوى في الأخير في المسجد الأقصى، وينطلق منه نحو العالم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : (دل الكتاب والسنة، وما روي عن الأنبياء المتقدمين -عليهم السلام- مع العلم بالحق والعقل وكشوفات العارفين: أن الخلق والأمر ابتدأ من مكة أم القرى، فهي أم الخلق، وفيها ابتدأت الرسالة المحمدية طبق نورها الأرض، وهي جعلها الله قياما للناس: إليها يُصَلونَ، ويَحُجون...فكان الإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم، ودلت الدلائل المذكورة على أن "ملك النبوة" بالشام، والحشر إليها، فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والامر، وهناك يحشر الخلق، والإسلام في أخر الزمان يكون أظهر بالشام، فخيار أهل الأرض في أخر الزمان ألزمهم مهاجر إبراهيم ( عليه السلام) وهو بالشام ...وهذا كله من حيث الجملة والغالب) [14].

2- إن هذا الربط بينهما يدل علي أن الرسالة الجديدة جمعت بين الرسالات السماوية والمناطق الدينية كلها، وأنها الوارثة لجميع الرسالات السابقة، وهذا ما أكده القرآن الكريم حيث تحدث عن معظم الأنبياء في سورة الأنبياء فقال مخاطباً الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)[15] ، وكذلك تحدث القرآن عن عدد من الأنبياء ثم خاطب جميع الرسل: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [16] ثم قال مباشرة (وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)[17] ، حيث يدل بوضوح أن هذه الرسالة هي الخاتمة الجامعة الكاملة الشاملة الوارثة لجميع الرسالات السماوية السابقة وأن هذا النبي صلى الله عليه وسلم هو وارث جميع الأنبياء السابقين عليهم السلام جميعاً

3- إشعاراً بأهمية المسجد الأقصى وأنه قرين المسجد الحرام، فلا يجوز التفريط فيه كما لا يجوز التفريط بالمسجد الحرام، فأمنهما واحد، وقدسيتهما واحدة .

4- التعبير بالمسجد في الحالتين ( المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، - مع أن المسجد الأقصى لم يكن وقت نزول السورة - بل ولا في عصر الرسالة - قد حُرّر- يُشعر بأنه يكون للمسلمين، لأن المسجد هو من شعائر المسلمين كما أن الكنيسة والصوامع للنصارى، والكنيس، والبيع لليهود.

وفي ذلك بشارة بتوحيد القبلتين، وتحريرهما من الشرك والتحريف، وجعلهما مكاناً لتوحيد الله تعالي وأداء شعائره فيهما حسبما يريده الله تعالى، ودل علي هذا التنزيه من الشرك بداية السورة والآية بقوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [18].

وأكد هذه المعاني كلها إمامة الرسول صلى الله عليه وسلم لجميع الأنبياء واقتداؤهم به للاستدلال علي أنهم سلموا إليه أمر القيادة.

5- تدل إمامة الرسول صلي الله عليه وسلم بالأنبياء في المسجد الأقصى علي تسليم قيادة الأمم إليه، واعتراف به بأنه خاتم الأنبياء والرسل والنبيين، فقد روى مسلم بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء) ثم ذكر موسي، وعيسي وإبراهيم عليهم السلام يصلون فقال صلى الله عليه وسلم (فحانت الصلاة فأممتهم) [19] وقال ابن عباس: (فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي ، فالتفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه)[20] قال الحافظ بن حجر (والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج)[21].

6- تدل على اختيار المسجد الأقصى ليكون مكانا للمعراج على أن بيت المقدس بوابة الأرض إلى السماء. 

ب – مكانة القدس في السنة النبوية :

أرض المحشر والنشر :

فقد روى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي بإسناد صحيح أن ميمونة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال : "أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره، قلت أرأيت إن لم أستطع أن أتحمّل إليه ؟ قال : (فتهدى له زيتا يُسرج في قناديله، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه)[22].

أولى القبلتين :

كانت القدس أولى للرسول صلى الله عليه وسلم ولصحابته الكرام طوال الفترة المكية، وحوالي ستة عشر شهراً في المدينة المنورة ، ثم نزلت الآيات الكريمة في سورة البقرة بتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام فقال تعالى (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا  فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ  وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) [23] .

ثالث الحرمين الشريفين :

ثالث الحرمين الشريفين وأحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها ، فقال صلى الله عليه وسلم : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى)[24].

دعا النبي صلي الله عليه  وسلم للشام بالبركة :

فقد روي البخاري وغيره بسندهم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا ..) [25].

وقد علق العز بن عبد السلام على تقديم الشام على اليمن بأنه : (يدل على تفضيل الشام على اليمن مع ما أثنى به على أهل اليمن في غير هذا الحديث، فإن البداية إنما تقع بالأهم فالأهم)[26]

يقول ابن عبد البر: (دعاؤه صلى الله عليه وسلم للشام يعني لأهلها)[27]، ولكن الظاهر أن الدعاء للشام والأرض والأهل.

نور الرسول صلى الله عليه وسلم سطع إلى الشام:

 فقد ورد في حديث ثابت صححه البعض، وحسنه الآخرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسي، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى، وبصرى أرض الشام)[28].

قال الحافظ بن رجب : (ومن بركات الشام الدينية أن نور النبي صلى الله عليه وسلم سطع عليها، فأشرقت قصورها منه، فكان ذلك أول مبدأ دخول نوره صلى الله عليه وسلم الشام، ثم دخلها نور دينه، وكتابه فأشرقت به، وطهرها مما كان فيه من الشرك والمعاصي وكمل بذلك قدسها وبركتها) [29] .

الملائكة باسطة أجنحتها على الشام :

فقد روى الترمذي وابن حبان وغيرهما بسندهم عن زيد بن ثابت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا طوبي للشام ، يا طوبى للشام يا طوبى للشام، قالوا يا رسول الله، ولم ذلك قال تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام)[30]، قال العز : (أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الله تعالى وكل بها الملائكة يحرسونها، ويحفظونها، وهذا موافق لحديث عبد الله بن حواله في أنهم في كفالة الله تعالى ورعايته)[31]

أرض الإسراء والمعراج :

أما الإسراء فمنصوص عليه في القرآن الكريم بل سميت سورة باسمه تبدأ بقوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[32] وأما المعراج من الأقصى إلى السموات العلى  فبالأحاديث التي وصلت إلى حد التواتر حيث أعرج به في ليلة الإسراء إلى السموات العلى فرأى من آيات ربه الكبرى[33].

الشام عقر دار المؤمنين:

روى ابن حبان في صحيحه الشام عقر دار المؤمنين عن النواس بن سمعان قال : (فتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح فأتيته فقلت : يا رسول الله سُبّيت الخيل ووضعوا السلاح فقد وضعت الحرب أوزارها، وقالوا : لاقتال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كذبوا، الآن جاء القتال، الآن جاء القتال ! إن الله جل وعلا يُزيغ قلوب أقوام يقاتلون، ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله على ذلك، وعقر دار المؤمنين الشام) [34]

وفي رواية أخري للنسائي بسنده إلى سلمة بن نفيل السكوني قال : (كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل يا رسول الله أذال الناس الخيل ووضعوا السلاح وقالوا : لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله بوجهه قال: (كذبوا الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتى أمة يقاتلون على الحق ويُزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحي إليّ أني مقبوض غير ملبث، وأنتم تتبعوني أفناداً يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين الشام) [35] .

وعد الله الحق الذي لا يخلف قطعاً.

فقد وعد الله تعالى وعداً حقاً بنصرة أوليائه وجنده في مجموعة من الآيات الكثيرة التي تكوّن بمجموعها مبدأ ثابتاً وكلياً قطعياً وقاعدة قاضية،

ومع هذا الوعد العام فإن انتصار المسلمين في معركتهم ضد المعتدين اليهود في فلسطين وفي القدس وعد حق وقطعي وثابت بسيل من الأدلة المتظاهرة من الكتاب والسنة، ومنها:

1- قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [36] .

2- قوله تعالى لسيدنا إبراهيم (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي  قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[37]، التوريث حق للذين آمنوا بالله وحده ولم يشركوا به شيئا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [38] ، بالإضافة إلى آيات سورة الإسراء التي سنفصل فيها القول.

وعد الأُولى ، ووعد الآخرة:

فقد قضى ربّ العالمين- وقضاؤه حق وعدل، ونافذ- أن بني إسرائيل يفسدون في الأرض مرتين ، ذكرهما القرآن الكريم في مطلع سورة الإسراء، فقال تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا  ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) [39].

وقد اختلف المفسرون في زمن هذين الوعدين ، فذهب جمهورهم إلى أنهما قد وقعا قبل الرسول صلى الله عليه وسلم على اختلاف وتفصيل[40] .

والذي يظهر لنا رجاحته هو أن هاتين المرتين من الإفساد تتحققان في عصر الإسلام، لأن سياق  الآيات حول الحديث عن العلاقة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، وعن إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يأتي الحديث مباشرة عن فساد بني إسرائيل مرتين ، وأن عباد الله هم الذين ينتصرون عليهم،  وأنهم يدخلون المسجد كما دخلوه أول مرة ، ثم يعود القرآن الكريم مباشرة  -بعد ذكر الوعدين – إلى الحديث عن القرآن : (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً)[41] ثم يمضي القرآن الكريم في تقرير أحكام التوحيد والمبادئ والأخلاق والاعتدال، ثم يقرر مبدأ الكرامة لبني آدم أجمعين وأن الله فضلّهم واكرمهم ، حيث يدل هذا وغيره بأن بني آدم مستاوون في أصل الكرامة والحقوق، وفي أصل الخَلْق، والخِلْقَة ، وأن الفضل يعود إلى التقوى والعمل الصالح، مما يُشعر بان ما ذكره الله تعالى لبني إسرائيل مِنْ فضْل وتفضيل يعود إلى أعمالهم الصالحات في زمن التزامهم بكتاب الله : التوراة.

ثم إن وصفه المنتصرين بأنهم عباد الله تعالى لا ينطبق على أهل الأوثان والشرك مثل (بخت نصر) ونحوه ممن ذكرهم المفسرون ، بل إن هذا الوصف مطابق لما ذكره الله تعالى في الوعد الذي قطعه لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته بأنه يرثون الأرض المقدسة فقال تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [42] فالأرض المعهودة في الزبور هي الأرض المقدسة (فلسطين والشام ودرتهما القدس) أو أن المقصود بها جميع الأرض (إذا حملت على الاستغراق) وحينئذ يدخل القدس الشريف بطريق أولى.

وكذلك لا ينسجم (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ) [43] مع هؤلاء الوثنيين الذين ذكرهم المفسرون ،لأن المسجد من المصطلحات الإسلامية كما أنه لم يكن هناك مسجد في العصور السابقة 0

ولذلك فإن المرة الأولى حسب الظاهر كانت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الثانية تكون فيما بعده بدليل قوله تعالى: (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) كما سنشرحهما الآن:

المرة الأولى يعبر عنها القرآن بقوله تعالي (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا)[44] هذه المرة الأولى – والله أعلم كانت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن أجلاهم عمر من الجزيرة، وهي مرحلة تبدأ بنقض اليهود عهدهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال صحيفة المدينة التي أعطتهم جميع حقوق المواطنة[45]، ولكنهم لم يلتزموا بها، حيث كان البند رقم 43 ينص على منع اليهود من إجارة قريش، أو نصرها، كما أن البند 36 يمنع اليهود من الخروج من المدينة إلا بعد استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكذلك منع البند 45 اليهود من أي تحالف مع قريش، ولكن اليهود لم يلتزموا بهذا البنود، بل سرعان ما نقضوها، ولم يكتفوا بعدم الوفاء بالتزامهم بل وقفوا مواقف عدائية أيضا[46]، وذلك بعد انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى، حيث أحدثوا فتنة من خلال اعتدائهم في سوق بني قينقاع علي امرأة أدت إلى قتل المعتدي، ثم قتلوا المسلم الذي قتله.

حيث أدى ذلك إلى الإخلال بالأمن العام، وحيث كان من المفروض أن يرجعوا إلى السلطة الشرعية في المدينة للاقتصاص، ولذلك حاصر مجموعة بنى قينقاع الذين تسببوا في هذه الحادثة، فنزلوا علي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى انتهى إلى إجلائهم من المدينة في شهر ذي القعدة من السنة الثانية من الهجرة.

وأما بنو النضير فقد تم إجلاؤهم في السنة الرابعة من الهجرة بسبب نقضهم للوثيقة، وخنقهم على الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام وهمهم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم حيث دعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج ومعه ثلاثة من أصحابه فقط ليلتقوا ثلاثة من أحبارهم فإن أقنعهم آمنت بنو النضير، ولكن الثلاثة حملوا خناجرهم ليقوموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن امرأه يهودية أخبرت أخاها المسلم بهذه المؤامرة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فرجع ولم يقابلهم ثم حاصرهم فنزلوا علي الجلاء من المدينة خلال عشرة أيام[47] وبالإضافة إلى هذه الأسباب فإن موسى بن عقبة صاحب المغازي قد ذكر أيضا بأن بنى النضير حضّوا قريش على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلوهم على العورة[48].

وأما بنو قريظة فقد بقوا في المدينة إلى غزوة الأحزاب (غزوة الخندق) في شوال سنة خمس من الهجرة، حيث تآمروا مع الأحزاب ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكانت خيانة كبرى اقتضت أن يتعامل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوة، وأن يبدأ بقتالهم بعد الانتهاء من غزوة الخندق مباشرة فحاصرهم ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ فأمر بقتل مقاتليهم، لأنه كان يعلم بحجم المؤامرة وخطورتها لو نجحت وقد عبر القرآن الكريم عن أثرها[49] فقال تعالى: (إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)[50].

وأما خيبر آخر معاقل اليهود في الحجاز فقد شارك معظم قادتها لتشجيع قريش والقبائل العربية الأخرى  لغزو المدينة، واجتثاث الاسلام منها، ومع ذلك فقد أرسل اليهم الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة فلم يردوا عليها ولا اعتذروا عما اقترفوه، فجهر لهم جيشاً في السنة السابعة، وأعطى الراية لسيدنا على رضى الله عنه وتم علي يديه الفتح بعدما دعاهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا، ثم بارز أكبر أبطالهم فقتله فأثر مقتله في معنوياتهم ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أبقى يهود خيبر فيها على أن يعملوا في زراعتها وينفقوا عليها من أموالهم، ولهم نصف ثمارها، ولكى يكون للمسلمين الحق في إخراجهم منها متى ما شاءوا وقد كان اليهود قد اقترحوا هذه المعاملة ( المساقاة ) فأقرهم عليها[51]، وبذلك انتهى دور اليهود العسكري في الحجاز، ثم أجلاهم سيدنا عمر بن الخطاب بعد ما بدت منهم البغضاء والعداوة والغدر بالمسلمين وأعطاهم قيمة ما كان لهم من التمر مالاً وإبلاً[52].

فقد تم ذلك على أيدى عباد الله المخلصين أصحاب القوة والبأس الشديد .

فالآيات التي تحدثت عن هذا الوعد لم تتطرق إلى المسجد الأقصى أو نحوه، وإنما ذكر فسادهم في الأرض ( لتفسدن في الأرض ) وهذا يشمل فسادهم في المدينة المنورة بصورة خاصة، والحجاز بصورة عامة، فكانت لهم قوة ونفوذ، وساهموا مساهمة فعالة في حشد قريش وشهدوا شهادة زور خطيرة بأن المشركين الوثنيين في الحجاز أهدى من المؤمنين الموحدين في المدينة المنورة، حيث سجل الله تعالى عليهم هذه الشهادة الباطلة فقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) [53].

فاليهود في عصر الرسالة كانت لهم هيمنة وقوة في الجزيرة، فكانوا يتحكمون في المدينة كما كانت لهم قدرة على التنفير والتحشيد وجمع أعداء الاسلام ضده، فجاءهم عباد الله تعالى أولو بأس شديد ففرقوا جمعهم وشتتوهم في الآفاق.

وعظمة التعبير القرآني وإعجازه في أنه يحتمل ذلك، ويحتمل غيره، ولكن الذى لا ينبغي حمله عليه أ ن تحمل المرة الأولى على المشركين الكفرة، حيث لا ينطبق عليهم وصف (عباداً لنا).

وفي المرة الأولى لم يُذكر "المسجد" لأن المسجد الأقصى لم يكن قد طهر وتحرر، ولأن المعركة لم تكن حوله في حين ذكر "المسجد" في المرة الثانية .

الإفساد الذي قام به بنو إسرائيل في عصر الرسالة:

فقد خصّ الله تعالى بني إسرائيل بكثير من الآيات القرآنية، مبيناً صفاتهم وأحوالهم وتاريخهم مع أنبيائهم وإيذاءهم إيذاءً ماديا ومعنويا، والتشريعات والأحكام والمبادئ التي أنزلها الله عليهم بدءاً من صحف إبراهيم ، وزبور داود ، والتوراة، والإنجيل هذه الكتب التي تتضمن كثيراً من النور والهداية والموعظة والأحكام ولكنهم لم يطبقوا جميعها، وإنما في معظم الأحيان يطبقون بعضا ويتركون الأخر، فقد آذوا موسى (عليه السلام) الذي كان نبيهم الذي نجاهم الله به من عذاب فرعون وقومه، وشهدوا معجزات عظيمة ومع ذلك طلبوا من موسى أن يجعل لهم آلهة  كما للمشركين الذين رأوهم آلهة – ثم اتخذوا العجل إلهاً، ولم يطيعوه في فتح البيت المقدس وقالوا له(فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) كما آذوا (عيسي عليه السلام) حتي حاولوا صلبه ولكن الله تعالي رفعه إلى السماء في عقيدة المسلمين، وأما عقيدة اليهود وعقيدة النصارى أنهم صلبوه وقتلوه ، بل إن اخوة يوسف أصروا علي قتله، ثم انصرفوا علي رميه في غيابات الجب، وادعوا كذبا أنه أكله الذئب.

فقد تضمن القرآن الكريم تفاصيل كبيرة ودقيقة عن بني إسرائيل لم ينل أي قوم أو أمة مثلها، شملت بيان أنبيائهم وقصصهم معهم، ولكنها فصلت أكثر في بيان عيوبهم وفسادهم في الأرض وإيذائهم لأنبيائهم، ثم لرسولنا الكريم (عليهم جميعاً الصلوات والتسليمات) ونحن هنا لاندخل في هذه التفاصيل التي تحتاج إلى سفر عظيم، وإنما نتحدث عن الفساد، والإفساد الذي فعلوه في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يصدق قولنا بأنه الفساد الأول :

ولو تدبرنا الآيات التي نزلت في حق بني اسرائيل، والوقائع التاريخية التي حدثت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والمكر والكيد والمحاولات المتكررة لاغتياله وقتله واجتثاث الاسلام لتوصلنا بسهولة إلى أن الذى قاموا به كان فساداً عريضا، وإفساداً خطيراً، فقد كانوا وراء كل فتنة ومحنة تعرض لها الإسلام والمسلمون منذ هجرتهم إلى المدينة، من تفريق وهزائم، وغارات ومكر وكيد، وتعاون على الإثم والعدوان، ونحن هنا نذكر أهمها :

1 - فقد تواصوا بينهم بفتنة المؤمنين عن دينهم من خلال إظهار دخول بعضهم في الإسلام ثم الخروج منه، والإعلان فيما بعد بأنه قد ظهر بدخولنا أن الإسلام ليس دين حق، وهذا ما سجله عليهم القرآن فقال تعالى (وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[54].

2 – قد أفتوا المشركين بأنهم مع شركهم وعبادتهم الأصنام وقطيعة الأرحام .. خير وأهدى من المؤمنين الذين هم أهل التوحيد والعدل والإحسان، وقد وبخهم الله تعالى على هذا الافتراء وشهادة الزور، وسجل عليهم هذه الفتوى الباطلة ولعنهم ، فقال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً)[55] .

3 – كانوا جواسيس لأعداء الإسلام يمدونهم بالأخبار ويدلونهم علي عورات المسلمين، ويؤوونهم ويستضيفونهم حتي قبل غزوة الأحزاب، كما فعل سلام بن شكم مع ابي سفيان الذى أقسم بعد هزيمة بدر أن لا يغتسل من جنابة حتى يزهق دماءً في أصحاب محمد، فانطلق في مائتي راكب إلى المدينة، ونزل ضيفاً علي ابن شكم فأطعمه وسقاه ودله علي عورات المسلمين فقتل بعض المسلمين وأفسد زرعهم وأحرق نخيلهم ثم عاد إلى مكة بعد أن برّ قسمه، وشفي غيظه بفضل هذا الخبيث[56]،وكذلك ما فعله حيي بن أخطب مع قريش وغطفان حيث كان يحرضهما على ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء عليه.

4- ما فعلوه من إعانة الأعداء بالمال والسلاح والرأي وتأليب القبائل على الإسلام والمسلمين، والخيانة التي تمثلت في نقض بنى قريظة عهدها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ووقوفها مع الأحزاب – كما سبق.

5- محاولتهم المستمرة لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم واغتياله ونذكر منه ما يأتي :

أ- محاولتهم عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم صغيراً كما ذكر ابن سعد في طبقاته بسند مرسل رجاله ثقات إلى إسحاق بن عبدالله أن أم النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعته إلى حليمة السعدية ذكرت لها ما رأته من  بعض الخوارق، فطلبت منها أن تحافظ عليه، ولكن السعدية مرّت بها جماعة من اليهود فذكرت لهم بعض الصفات التي ذكرتها أمه، فقال بعضهم لبعض اقتلوه إن كان يتيماً، فقالوا أين هو؟ فانتبهت السعدية للخطر، فقالت هذا أبوه وأنا أمه، فقالوا لو كان يتيماً لقتلناه[57]

ب – محاولة بني النضير لقتله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها وهذه المحاولة ثابتة رواها عبد الرازق في مصنفه وأبو داود في مختصره وصححه الحافظ بن حجر[58]

ج – محاولة أخرى لبني النضير لاغتياله (صلى الله عليه وسلم) حيث ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ليستعين بهم في دفع دية رجلين معاهدين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جدار لبنى النضير فهمّوا بإلقاء حجر عليه، وقتله فأخبره الوحي بذلك فانصرف مسرعاً إلى المدينة، ثم أمر بحصارهم[59].

د – حادثة تسميم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر، حيث روى البخاري، ومسلم وغيرها بسندهم ،عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك؟ فقالت : أردت لأقتلك قال : ما كان الله ليسلطك عليّ : قالوا : ألا تقتلها ؟ قال "لا" قال أي أنس – فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم[60]، أي أن أثر هذا السم كان بارزا في اللحمة الحمراء المعلقة في أقصى الحنك. وهذه المرأة هي زوجة رأس المناوئين اليهود : سلام بن مشكم، واسمها زينب بنت الحارث .

فلم يعاقبها الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل نفسه، ولكن عندما مات بشر بن البراء بن معروف بسبب ما أكله من هذه الشاة المسمومة أمر بقتلها اقتصاصاً وفى رواية صحيحة للبخاري تدل على أن هذه المؤامرة لم تكن منها وحدها وإنما من يهود خيبر، حيث جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم " ما حملكم على ذلك؟)[61]

وقد كانت آثار هذا السم تعاوده صلى الله عليه وسلم فيحتجم، كما روى ذلك الإمام أحمد بسند صحيح[62] ولذلك كان ابن مسعود يحلف بأن رسول الله قتل قتلاً (أي بسمّ ما تناوله من ذراع الشاة المسمومة)، وأن الله اتخذه نبياً، وجعله شهيداً[63] وروى البخاري في صحيحه معلقا - بصيغة الجزم- عن عائشة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في المرض الذي مات فيه : يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر...[64]

فهل هناك جرائم فساد أكبر من هذه الجرائم السابقة.

6– كانوا يوقعون العداوة والبغضاء بين أبناء العم الواحد: الأوس والخزرج، كما فعل شاس بن قيس ونزلت في ذلك قوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)[65] ، أي بعد وحدتكم متفرقين، حيث كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية حرب ودماء حتى منّ الله عليهم بالإسلام، وبالنبي صلى الله عليه وسلم ، فبينما كان جماعة من الأوس والخزرج جالسين منسجمين فمرّ عليهم شاس بن قيس اليهودي فغاظه ذلك فقال اجتمع ملأ بني قبيلة بهذه البلاد والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً معه من يهود، فقال : اعمد اليهم فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بُعاث، وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار.. ففعل فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب .. ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان وقالوا قد فعلنا، السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ( أي الحرّة) .. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من اصحابه حتى جاءهم فقال يا معشر المسلمين الله ، الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلي الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به  من الكفر، وألف به بينكم، ترجعون إلى ماكنتم عليه كفاراً فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم لهم فألقوا السلاح من أيديهم، وعانق الرجال بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد شاس، وأنزل فيه وفى اليهود قوله تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ) [66]. وأنزل في الأوس والخزرج قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) [67] .

7- كانوا يرجفون في المدينة لإثارة الرعب، ويذيعون كذباً أخبار السوء لابتغاء الفتنة وبث روح الهزيمة ويشككون في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم وفي قيادته وقدوته، وفي أمانته وكفاءته حيث كانوا يقولون هو أذن سامعة، يسمع من كل أحد ما يقوله فيقبله قال تعالى(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ  وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )[68] كما كانوا يلمزون في الصدقات، ويشككون في عدالته، وفي أحكامه[69]، كما كان لهم دور كبير في إثارة زوبعة حول تحويل القبلة إلى المسجد الحرام حتي سماهم الله تعالي بالسفهاء فقال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ  يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[70] .

 يقول الشيخ الجليل عبد المعز عبد الستار : (هذا قليل من كثير، وقطرات من بحر إفساد اليهود في المرة الأولي علي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عاقبة أمرهم أن سلط الله عليهم جنده : محمداً وأصحابه فجاسوا خلال الديار فأخلوا بني قينقاع، وبني النضير، وقتلوا مقاتلة بني قريظة، وفتحوا خيبر ثم تم إجلاؤهم إلى أذرعان من أرض الشام بعدما نقضوا عهدهم وخانوا أمانتهم، وأظهروا في الأرض الفساد، فأطفأ الله نارهم وأراهم حسرات عليهم، والله لا يهدى كيد الخائنين، ولا يصلح عمل المفسدين، وكان ذلك أول إفساد لهم..

المرة الثانية التي عبر عنها القرآن الكريم بوعد الأخرة في بداية سورة الإسراء حيث قال تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) [71].

وفي نهاية سورة الإسراء نفسها حيث يقول تعالى (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) [72]،  ثم قال بعده مباشرة (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) [73] ، فالآيات القرآنية تدل علي أن بنى اسرائيل كان جدهم سيدنا يعقوب عليه السلام وأولاده كانوا في فلسطين، ثم هاجروا إلى مصر بطلب من سيدنا يوسف عزيز مصر في ذلك الوقت عليه السلام كما ورد تفصيله في سورة يوسف، ثم بقوا في مصر إلى أن بعث الله تعالي موسى عليه السلام رسولاً لبني إسرائيل لإنقاذهم من ظلم فرعون وطغيانه حيث عبر بهم البحر فأتبعهم فرعون وجنوده فأغرقهم الله تعالي، ثم طلب منهم موسي أن يحاربوا معه لدخول الأرض المقدسة، ولكنهم امتنعوا بسبب فساد فطرتهم بالإذلال الفرعوني فقالوا (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [74] ، فكتب الله عليهم التيه في الأرض اربعين سنة، ثم تابوا إلى الله وظهر جيل جديد قوي عزيز في ظل الحرية فدخلوا الأرض المقدسة وقد سجل القرآن الكريم كل هذه التفاصيل بدقة في آيات كثيرة منها قوله تعالي (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [75] .

ثم أوذوا مرة أخرى وأخرجوا من ديارهم فأرسل الله إليهم طالوت ملكا فبقيت معه فئة قليلة كان من بينهم سيدنا داود الذي قتل جالوت فأتاه الله الحكم والنبوة والملك فعادت لبني إسرائيل القوة والملك على الأرض المقدسة، وجاء بعده ابنه سليمان فاتسعت دائرة ملكه لتشمل فلسطين وغيرها بما فيها اليمن ثم أصابهم الوهن والفتن التي مزقتهم وتشتتوا في البلاد.

فالقرآن الكريم في سورة الإسراء يتحدث عن أن بني إسرائيل بين الوعدين كانوا مشتتين مفرقين في الأرض.

ومواصفات وعد الأخرة في الآيتين كالاتي :

1- أن بني إسرائيل يكونون علي كثرة من القوة البشرية والعسكرية والاقتصادية، والقوة السياسية .

2- أنهم لهم قدرة كبيرة على الحشد والتجميع والنفير ( وجعلكم أكثر نفيرا) .

3- أنهم يجتمعون كلهم أو غالبهم في الأرض المقدسة (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا)[76]

4- أنهم يعملون من الأعمال الي تلحق العار بهم فيكونون مكروهين لدى معظم الشعوب، أي أن ما صنعوه من تجميل الصورة يذهب بسبب الإساءات والاعتداءات، حيث تنكشف عوراتهم أمام الأمم التي انخدعت بهم وظنت أنهم مظلومون، ليتبين لهما أنهم ظلمة ماديون أسباب المشاكل والمصائب في معظم العالم فقال تعالى: (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) [77] وهذه الآية تدل على خطورة المعركة الإعلامية بجميع أنواعها، وأن على المسلمين أن يستعدوا لهذه المعركة، وأن ينجحوا فيها ليصلوا إلى كشف خطط الصهاينة وفضحها للعالم أجمع.

5- أن هؤلاء الذين يقضوا على طغيان بني اسرائيل يدخلون المسجد أي المسجد الأقصى، كما دخلوه أول مرة وهذا الدخول الأول يمكن أن يكون المراد به دخول المسلمين المسجد الأقصى قبل هذه الحرب وهو دخولهم في عصر عمر رضى الله عنه فإذا فسّرنا وعد الأولى بما ذكرناه في السابق، فيكون الأمر متناسقاً، حيث بدأ القضاء علي فساد بني إسرائيل في عصر الرسول  صلى الله عليه وسلم بالمدينة وانتهى بإجلائهم عن الجزيرة العربية في عصر عمر مما مهد له ولأصحابه دخول المسجد الأقصى صلحاّ وسلماً، والتعبير القرآني (كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [78]دون التعبير بالفتح أو نحوه إشارة إلى دخوله صلحاً وسلماً وليس حرباً وعنوة، وهذا إعجاز قرآني، حيث دخله المسلمون في المرة الأولى صلحاً سلماً والتعبير بقوله تعالى: (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ)[79] دون عبارة أخرى تعبر عن الفتح أن المسلمين يحسمون الحرب خارج المسجد، وحينئذ يكون دخولهم في المسجد دخولا سلمياً – كما كان دخولهم الأول، وقد يستنبط من هذا التشبيه الدال على المساواة بين الدخولين، أن المسلمين في المرة الثانية يحسمون المعركة خارج أسوار المسجد الأقصى وحينئذ يكون دخولهم دخولاً سلمياً دون حرب فيه أو حوله القريب ، والله أعلم. 

6- المعركة في المرة الثانية تكون قوية وشرسة يترتب عليها تدمير جميع ، أو معظم ما بناه بنوا إسرائيل من المستوطنات والمصانع ونحوها، حيث عبر الله تعالى عن ذلك بقوله (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) [80] وذلك يدل علي قوة الحرب، وكذلك  قوله تعالى: (وَلَتَعْلُونَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) [81] وقوله تعالى: (وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) [82] وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا)[83] وذلك لأن إسرائيل تكون لهم في المرة الثانية قوة كبرى، وعلو علواً كبيرا، وأموال وقوة بشرية هائلة، ومؤيدون كثيرون – كما نشاهد اليوم كل ذلكوبالتالي فالحرب ضد هؤلاء تحتاج إلى قوة كبري للقضاء علي هذا الطغيان، وبالتالي تكون نتيجة الحرب مدمرة يترتب عليها تدمير كل ما كان سبباً لاستعلائهم المادي والمعنوي، ولذلك عبر الله تعالي بهذه الكلمة(وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)[84] حيث تدل علي أمرين مهمين هما: تدمير جميع ما علوا به مادياً ومعنوياً، واقتصادياً، وإعلامياً فبنو إسرائيل اليوم لم يحققوا قوتهم الفائقة إلا بالعلم والمال والإعلام، والقدرة علي تسخير الدول الكبرى لتحقيق مصالحهم من خلال لوبياتهم القوية، فقد سخّروا بريطانيا العظمي فأعطتهم وعد بلفور، ثم أعطتهم نصف فلسطين، ثم سخروا القوة العظمي أمريكا لتحقيق مآربهم، بل سخروا معظم الدول الغربية والشرقية، وفي عصرنا الحاضر استطاعوا أن يسخروا معظم الدول العربية والإسلامية من خلال الاتفاقيات والعلاقات لتحقيق مآربهم، أو على الأقل إبعادهم عن أداء دورهم في التحرير، وأشغلوا معظمها بمشاكلها الداخلية  .

القائلون بهذا الرأي:

الذين ذهبوا إلى أن الوعدين في عصر الإسلام ، أحدهما في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ،  شيخنا الجليل عبدالمعز عبدالستار في مقال له عام 1956، ثم في كتابه (اقترب الوعد الحق) [85] ، وشيخنا الشعراوي في تفسيره لبداية سورة الإسراء، وفضيلة الدكتور فضل عباس في كتابه (المنهاج، نفحات من الإسراء والمعراج) والدكتور صالح الخالدي في كتابه (حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية)، والشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر في (زبدة التفاسير ) والدكتور نوفل ، والدكتور طارق سويدان، وغيرهم.

وكذلك فهم متفقون على أن الإفساد الثاني لبني إسرائيل هو الذي نعيش إرهاصاته في عصرنا.

وبما أن النص القرآني يحتمله، وأنه ليس هناك إجماع صريح سابق فالمجال مفتوح لكل اجتهاد يتحمله النص والحادثة، ويتسق مع السياق واللحاق، والأمر الآخر الذي ينبغي أن يذكر هنا هو أن قوله تعالى : (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا)[86]  أي إلى الإفساد (عُدْنَا) إلى التسليط عليكم، يدل بوضوح على إمكانية إفسادات أخرى، وربما منها خروج سبعين ألف يهودي في أصفهان مع الدجال للفساد في الأرض، ولكن هذين الإفسادين المقيدين بالوعد يكوّنان أهم إفساداتهم وأخطرها .

القسم الثاني:

مشروع معالم خارطة الطريق للتحرير  - بإذن الله تعالى - ، وفيه

أولاً- ركائز المشروع :

ثانياً- مواصفات المنتصرين في الوعدين (وعد الأُولى ، ووعد الآخرة) في سورة الاسراء :

ثالثاً- كيف انتصر صلاح الدين الأيوبيّ ؟ وكيف وُجِدَ جيل صلاح الدين الأيوبيّ ؟

رابعاً- معالم مشروع لخارطة الطريق للتحرير بإذن الله تعالى

أسباب الدعوة إلى وضع مشروع خارطة الطريق للتحرير:

  • فشل جميع جهود السلام مع المحتلين مع التنازلات التي قدمت لهم، حيث ازدادوا طغياناً وعلوّاً واستكباراً ، ومستوطنات، والاعتداء على القدس الشريف .
  • وعد الله الحق في آيات الإسراء ، وغيرها
  • وعد الله الحق على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر، فيقول : يا عبدالله ، هذا يهوديّ ورائي فاقتله)[87] ، وفي رواية أخرى بلفظ : (تقاتلكم اليهود ، فتسلطون عليهم، ثم يقول الحجر: يا مسلم ..... [88] .
  • سنن الله تعالى في الأمم والحضارات بأن الدولة الظالمة المحتلة لأرض غيرها لن تستمر كثيراً .

أولاً- ركائز المشروع :

1- وعد الله الحقّ القطعي الثابت بنصر الحقّ على الباطل، والإيمان على الكفر، والعدل على الظلم، قال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)[89] وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)[90] وقال تعالى: (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [91].

2- وعد الله الحقّ باستخلاف المسلمين وتمكينهم فقال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [92].

3- وعد الله الحقّ في سورة الإسراء – كما سبق شرحه وبيانه -

4- وعد الله الحقّ بتوريث الأرض للمسلمين أمة الرحمة للعالمين فقال تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [93].

5- وعود رسوله الحقّ حول النصر والتمكين والاستخلاف وبلوغ الدين مبلغ الشمس، والانتصار على اليهود الظالمين المغتصبين .

6- سنّة الله تعالى القاضية على الجميع (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)[94].

ثانياً- مواصفات المنتصرين في الوعدين (وعد الأُولى ، ووعد الآخرة) في سورة الاسراء :

لقد تضمنت الآيات التي تحدّثت عن الانتصار في الوعدين في قوله تعالى : (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [95] ، مجموعة من المواصفات الدقيقة للمنتصرين ، وهي:

(1) قوله تعالى: (عِبَاداً لَّنَا)[96] ، وتتضمن ما يأتي:

أ- العبودية تتحقق بالإيمان بالله تعالى وتوحيده وصفاته والالتزام بما أمر الله تعالى ، ونهاه، والمراد بها هنا معناها الشامل لأداء الشعائر وواجب الاستخلاف والتعمير .

ب- كلمة (لَّنَا) تؤكد هذه العبودية ، ولذلك لا تطلق (عِبَاداً لَّنَا) وفي مقام المدح والانتصار إلاّ على من كان عابداً لله حقّ العبودية .

ولم يقل (عبادنا) لمزيد من الدلالة على تحقق عبوديتهم لله تعالى.

ج- أن الجمع (عِبَاداً) للاستدلال على أن العمل لا يكون عملاً فردياً ، وإنما هذا الانتصار هو عمل جماعي يصل إلى مرحلة انصهار الجميع في قيادة واحدة ذات حركة واحدة.

وهذا دليل على ضرورة توحيد الأمة على العبودية الشاملة لله تعالى، وقد ربط الله تعالى وحدة الأمة بالعبودية والتقوى مرتين فقال تعالى : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [97] وقال تعالى : (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)[98].

(2) قوله تعالى : (أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)[99] وهذه الكلمة الموصوفة (بَأْسٍ شَدِيدٍ) تستعمل في القرآن الكريم لمن له القوة المادية الشديدة في الحرب، فقال قادة العسكر لملكة سبأ (نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ)[100] وكذلك هدّد الله تعالى المخلفين من الأعراب فقال تعالى : (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً)[101] وكذلك وصف الله تعالى الحديد به فقال تعالى : (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [102].

فالبأس الشديد هو القوة العسكرية الفعّالة المؤثرة في ساحات القتال، وهذه القوة نسبية حسب قوة العدّو فكلما كانت قوة العدوّ أكبر كانت الأمة بحاجة إلى قوة أكثر ، وبأس أشدّ .  

(3) قوله تعالى : (فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ)[103] أي أنهم ينفذون مهمتهم باستقصاء ودقة واهتمام ، قال أهل اللغة والتفسير : وأصل الجوس: طلب الشيء باهتمام واستقصاء لتنفيذ ما من أجله كان الطلب[104] أي أنهم يملكون الأرض المقدّسة ، ويظهرونها عنهم، حيث يفتشون عن المفسدين بين المساكن والديار لإخراجهم عن الأراضي والمساكن والمستوطنات التي اغتصبوها من أهلها.  

(4) قوله تعالى : (لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ)[105] :

قال أهل التفسير : المساءة عليها ، هي تسليط أسباب المساءة والكآبة على هؤلاء حتى تبدو على وجوههم آثارها بوضوح[106]  والذي ُفهم من هذه الجملة التي تقدمت على قوله تعالى : (وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)[107] ، ما يأتي:

أ- أن هؤلاء المنتصرين لديهم قوة إعلامية كبيرة، وأعمال إعلامية إبداعية قادرة على فضح جميع أساليب هؤلاء المفسدين وسبل خداعهم وغشهم للأُمم والشعوب، وإبطال حيلهم، بالإضافة إلى ما سبق أن وسائل إعلامهم قادرة على المواجهة وإثبات حقوق المسلمين للعالم .

ب- أي خطة إعلامية قوية جداً ذات شقيّن : شقُّ إبطال الشبهات والحيل، والخداع ...، وشقّ إثبات الحقوق للمسلمين بوضوح حتى يقف العالم مع الحق الإسلامي ، وتنكشف له حيل هؤلاء المفسدين وفسادهم وإفسادهم في الأرض وظلمهم.

وحينئذ ساءت وجوهم ، وأصابهم الخزي والعار جراء ما اقترفوه من الجرائم بحقّ العالم أجمع بصورة عامة، وبحقّ المسلمين، والمظلومين في فلسطين بصورة خاصة .

وهذا يدل على أنهم يخسرون المعركة مادياً ومعنوياً، وعكسرياً، وإعلامياً وإنسانياً.

(5) قوله تعالى : (وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ)[108] ،

أي أن هؤلاء المنتصرين يدخلون المسجد، كما دخلوه في أول مرة ويُفهم من هذا الجزء من الآية الكريمة ما يأتي:

أ- أن المقصود بالمسجد هنا هو المسجد الأقصى المبارك بالإجماع .

ب- أن الذين يدخلون المسجد هذه المرة هم من نفس الأمة التي دخلوه في أول مرة، فالصمير في الجميع معبر  عن أمة واحدة وهي الأمة التي اشتهرت بالمساجد ، وهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ن وهذا يؤكد على أن هذين الوعدين يخصان أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

ج- أن الآية فيها إعجاز قد تحقق فيما بعد، حيث تحقق فعلاً أن المسلمين دخلوا المسجد الأقصى المبارك في عصر الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه ، وفي ذلك إشارة إلى أنهم كما دخلوه في المرة الأولى سيدخلونه مرة أخرى بعد تحريره من هؤلاء الصهاينة المحتلين .

د- إن التعبير القرآن هنا، وسياقه يدل على أن همّ هؤلاء المنتصرين هو تطهير المسجد الأقصى وتحريره، ولذلك يبدؤون بالدخول فيه.

ه- إنهم يسارعون في الدخول إلى المسجد لأداء الشكر لله تعالى بالسجود في المسجد الأقصى .

(6) قوله تعالى: (وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)[109] ، أن كلمة (وَلِيُتَبِّرُواْ) تدل على المعاني الآتية :

أ- الإهلاك والتدمير، والكسر ، والخسارة ، والتفتيت، وقد وردت في القرآن الكريم عدة مرات، منها قوله تعالى : (وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلّاً تَبَّرْنَا تَتْبِيراً)[110]، ومنها قوله تعالى : (إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)[111] ، وقوله تعالى : (..وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً)[112].

وفي نظري أنّ هذه المعاني المذكورة كلها ملحوظة في الآية أي أنه يتم الإهلاك ، والتدمير، والكسر، والخسارة خلال هذه الحرب الثانية .

ولا أخفيكم أن هذه الكلمة (يُتَبِّرُواْ تَتْبِيرًا) مع هذا التأكيد تدل على جسامة الهلاك جسامة كبيرة من خلال الأسلحة المدمرة كما أن هذا التَتْبر خصصه الله تعالى لما (عَلَوْا) أي أن التدمير موجه لما بناه بنو إسرائيل من القوة العسكرية الهائلة ، والمستوطنات،  من الجدار العنصري العالي، أو ما أدى إلى علوّهم من قوتهم العسكرية والاقتصادية ، والإعلامية ونحوها.

وهذا التخصيص يدل على أمرين مهمين ، هما :

الأول : أن المسلمين سيكونون قوة  وقادرة على تدمير علّو هؤلاء مع تحقيق النصر.

الثاني: أن المسلمين لن يصيبهم أذى كبير بسبب قوتهم وسرعة القضاء على علوّ هؤلاء .

ب- أن تقييد التَتْبير بـ (مَا عَلَوْا) مشعر بأن هؤلاء الفاتحين حريصون على أن يكون التدمير في حدود ما يدمّر علوّهم وقوتهم فقط، حيث لم يطلق الله تعالى الكلمة بأن يقول : (وليُتَبِّرُواْ تَتْبِيرًا)  وكذلك لم يقل: (وَلِيُتَبِّرُواْ مَا بَنوا تَتْبِيرًا) فهذا التَتْبر لما علوا مقابل (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) [113]  .

ج- لم يذكر القرآن أنه يقتلون هؤلاء المفسدين كلهم، أو معظمهم، بل لم يشر إلى هذا الجانب، وإنما ذكر تدمير القوة التي بها أصبحوا عالين وعَلَوا علوّاً كبيراً ، فهذا يدل على أن هؤلاء المنتصرين رحماء بالعالمين، لأنهم يقتصرون في فتحهم على تدمير القوة الظالمة التي عَلَوا بها ، وأما قتل الإنسان فليس هذا غايتهم، وإذا حدث فإنه يقع  تبعاً لا أصالة.

(7) سنّة الله تعالى الدائمة المتكررة بتكرار شروطها وهي الرحمة عندما تكون الأمة او الجماعة مستقيمة ، وعدوة العذاب في الدنيا إن عادت إلى موجباته فقال تعالى: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)[114] .

وهذا دليل على أن فسادهم وعلوّهم قد يعود مرات أخرى، ولكن هذين الإفسادين يكونان الأشد والأكثر قوة وبطشاً وعلوّاً ونفيراً .

(8) ختم هذه المشاهد ببيان أن القرآن الكريم هو الهادي فقال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)[115]  .

ثالثاً- كيف انتصر صلاح الدين الأيوبيّ ؟ وكيف وُجِدَ جيل صلاح الدين الأيوبيّ ؟[116]

تمهيد

نحن اليوم نحتاج إلى دراسة عصر صلاح الدين الأيوبيّ وما قبله ؛ حتى نستفيد منه العِبَر في صراعنا اليوم الذي لا يختلف كثيراً  عن الصراع الذي كان موجوداً في عصر ما قبل صلاح الدين والذي أدى إلى احتلال الصليبيين لفلسطين بما فيها القدس الشريف، ومعظم بلاد الشام في القرن الخامس الهجري، حيث احتل القدس الشريف في ضحوة يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة 492ه واستباحوه لمدة أسبوع ، حيث قتل عدد كبير، قال معظم المؤرخين وصل عددهم إلى ستين ألف شخص من المجاهدين الذين دافعوا عن القدس، والزهاد والصالحين، وكذلك قتلوا عدداً كبيراً من اليهود فجمعوهم في كنيس فأحرقوهم فيه، كما نهبوا المدينة بما فيها مقتنيات المسجد الأقصى ، وذهب جماعة من العلماء  والوجهاء بصحبة القاضي أبي سعيد الهروي إلى الخليفة ببغداد ، فاجتمع الناس فبكوا ، واستعان الخليفة بالفقهاء لتحريض الناس على الجهاد، ولكن السلاطين والأمراء الذين كانت بأيديهم القوة كانوا مشغولين بالقتال فيما بينهم ، فلم يستجيبوا.

والتحقيق أن الضعف قد دبّ بالتدرج في جسد الأمة؛ فسياسياً عندما تقاتل ابنا هارون الرشيد الأمين والمأمون ، فقتل الأمين أخاه المأمون على الحكم والسلطة، وبذلك سقطت هيبة الدولة وسيطر على الحكم مَن ساندوا الأمين من الفرس وغيرهم، ثم ازداد الضعف أكثر عندما تفرق العالم الإسلامي وتوّزع على ثلاثة خلفاء متنازعين ومتشاكسين ، خليفة في بغداد يملك ولا يحكم في معظم الأحوال، وإنما الحكم بأيدي السلاطين والأمراء ، وخليفة في مصر تحت شعار (الفاطميين الاسماعيليين) الذين كانوا يحكمون مصر ، ومعظم بلاد الغرب الإسلامي ، وبعض بلاد المشرق، وخليفة في الأندلس من الأمويين .

 والمشكلة الكبرى تكمن في أنه لم يكن العالم الإسلامي موحداً سياسياً بأن يكون تحت إمرة الخليفة بل كان موزعاً على الدول والإمارات الضعيفة أو القوية حسب الظروف والأماكن، فقد كانت الدولة الفاطمية تحكم أجزاء كبيرة من الوطن الإسلامي فقد كانت مصر مقرهم، ووسعوا ظلال حكمهم على الشام والحجاز إلى سنة 463ه ثم أخذهما عنهم السلاجقة ، وكان مالطة أيضاً تحت حكمهم إلى أواخر القرن الخامس الهجري وكذلك أجزاء من الأندلس في بعض الأحيان ، وكذلك كانت برقة في حكمهم إلى النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، كما كانت الدولة الحمدانية التي كانت تحكم حلب تتمتع بقوة لا بأس بها، وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت الدولة الغزنوية تحكم أفغانستان وخراسان أواخر القرن الرابع الهجري إلى أواسط القرن الخامس الهجري، كما كان الإيلخانيون يحكمون ما وراء النهر في بداية القرن الخامس، وبنو زيار يحكمون طبرستان إلى سنة 434ه وبنو حسنوية في  كردستان حتى عام 406ه وبنو كاكويه في كردستان بعدهم سنة 403ه ، والمروانيون في ديار بكر، والعقيليون في الموصل إلى أواخر القرن الخامس، وبنو مزيد في الحلة بعد عام 403ه إلى 447ه وفي الأندلس تنازعها النصارى والأمويون في قرطبة حتى 422ه وملوط الطوائف بعد سنة 403ه والمرابطون بعد 479 ه كما كانت جزائر البليار في حكم الأمويين في الأندلس حتى سنة 414ه وفي حكم أمراء مسلمين من أهلها بعدهم، وكان زعماء البربر يحكمون مراكش والجزائر المغربية إلى النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ثم غزاهما المرابطون ، واستقل يوسف بن تاشفين بأمر نفسه في النصف الثاني منه، وتوسع ملكه حتى شمل الأندلس ولقب بأمير المسلمين، وكانت الجزائر الشرقية في حكم بني زيري الولاة من قبل الفاطميين حتى عام 405ه ثم في حكم بني حماد ، وكذلك تونس وطرابلس في حكم زيري بالقيروان بوصفهم ولاة من قبل الفاطميين الشيعيين حتى 441ه ثم بوصفهم ولاة مستقلين من أهل السنة بعد 441ه ثم اجتاحهما العرب من البدو من بني هلال وبني سليم وغيرهم بعد عام 444ه وكانت الصحراء المغربية يتنازعهما البربر المسلمون ، والزنوج الوثنيون أصحاب غانة والطوارق حتى جاء الفتح المرابطي.

هكذا كانت خريطة العالم الإسلامي في القرن الخامس الهجري ، ظهرت فيها دول وإمارات كثيرة لم تجمعهم وحدة سياسية تحت إمرة الخليفة حتى يرتاح العالم من مشاكل الفرقة والنزاع، وكانت سلطة الخلافة ضعيفة جداً، فبالإضافة إلى هذه الدول لم يكن للخليفة سلطة حتى على عاصمة الخلافة، وذلك لسيطرة بني بويه على مقاليد الحكم تماماً إلى سنة 447ه ثم السلاجقة وكان وجوده شكلياً لا يتعدى ذكره في الخطب واسمه على النقود، وإن كانت هيبة الخلافة أكبر في أيام السلاجقة، كما  أن بعض الإمارات والدول كانت تعترف بالخلافة في هذه الحدود فقط.

هذا ما كان يسود العالم الإسلامي بشكل عام من الناحية السياسية[117].

وفكرياً حيث حدث انحراف فكري خطير حينما دخلت الدولة العباسية بصقلها لفرض رأي المعتزلة في القول بخلق القرآن على كبار العلماء من الفقهاء والمحدثين ونحوهم حيث تصدّوا لذلك، وقُتل منهم بالتعذيب بعضهم ، وسُجن آخرون ، مما أحدث فتنة كبيرة مزّقت الأمة الإسلامية ، وأزالت الهيبة الدينية عن الخلفاء، وأدّت إلى قطع أواصر التعاون بين العلماء والخلفاء، صحيح إنها لم تستمر كثيراً لكنها أحدثت جرحاً كبيراً في جسم الأمة .

ومن جانب آخر طهرت بوضوح الأفكار الباطنية، والجماعات التي تبّنت العنف والاغتيالات، كما سادت الأفكار الفلسفية التي تتعلق بالغيب وعالم ما وراء الطبيعة مما أحدث حالة ابتعاد عن الفكر الإسلامي القائم على المنهج التجريبي الذي يترك عالم الغيب لعالم الغيب والشهادة – حيث بيّن لنا كل ما نحتاجه فيه – ليتفرغ العقل بكل قواه لبحث عالم الظاهر والمادة وليستخرج كنوزه وليبدع فيه إبداعاً عظيماً .

وظهرت كذلك فتن خطيرة داخل أهل السنة والجماعة بسبب الغفلة والتعصب المذهبي ، منها فتنة بين الأشاعرة والحنابلة، وذلك لأن أبا النصر القشيري ورد بغداد سنة 470ه قاصداً الحج، فجلس في المدرسة النظامية فوصل الخبر إلى الحنابلة فثاروا عليه وعلى أتباعه فقتلوا منهم جماعة[118] وعلى أثر ذلك طلب نظام الملك من الخليفة إقالة المسؤولين عن هذه المجزرة، بمن فيهم الوزير فخر الدولة الذي كان يساند الحنابلة.

كما حدثت فتن أخرى مذهبية وطائفية في الوقت الذي كان الصليبيون يتوسعون باحتلال المزيد من الأراضي الإسلامية .

واقتصادياً ، فمع كل هذه المشاكل كان هناك ترف مذموم ، وإسراف وتبذير مع وجود فقر شديد وحاجة وفاقة، فقد كانت مجالس اللهو والغناء تصرف عليها مبالغ كبيرة ، كما أن مظاهر الترف والتبذير تصل ذروتها عند حفلات العرس لأولاد الخلفاء والسلاطين والأمراء ، كما أنهم بالغوا في اقتناء الكنوز والحليّ والقصور[119].

الحالة العلمية :

ومع كل هذه المشاكل والمصائب كانت الحركة العلمية متطورة، لأنها لم تكن مرتبطة بالسياسة إلى حد كبير ، بل كانت مرتبطة بحركة شعبية يقودها الفقهاء والقضاة من خلال إشرافهم على الأوقاف العظيمة التي كانت توجه إلى العلوم والمستشفيات بشكل كبير .

فقد كانت الحركة العلمية في القرن الخامس الهجري امتداداً للثقافة الإسلامية التي ولدت بمولد الإسلام، وترعرت في أحضانه، ونضجت وأينعت ثمارها وتنوعت وتوسعت حتى بلغت القمة في القرن الثالث والرابع الهجريين، فلا تجد فناً أو علماً إلاّ وقد ألّف فيه الكثير من المؤلفات القيمة، فكان العلم منتشراً في أنحاء العالم الإسلام وظلت هذه الحركة نشطة، فكانت هناك الكتاتيب للصبية يتعلمون فيها القراءة والكتابة، والقرآن الكريم، والشعر والحساب، ويحفظون القرآن الكريم ، وثم يتحولون منها إلى المساجد حيث حلقات العلماء من القراء والمفسرين والمحدثين والفقهاء، والمتكلمين واللغويين والنحويين والمؤرخين وغيرهم، فقد كانت المساجد مدرسة يتعلم فيها التلميذ مبادئ العلوم، وجامعة يتعلم فيها مختلف العلوم بكل تعمق، وكان لكل أستاذ أسطوانة في المسجد يستند إليها ، ويقعد الطلاب من حوله ، وقد يجلس على مقعد عال، والطلاب يستديرون حوله، فيملي عليهم محاضراته ، وهم يكتبون ، وإذا كان الطلبة كثيرين اتخذ مستملياً يردد كلامه ويبلغه لمن هو في الصفوف الخلفية[120]، وقد كان المسجد محل إشعاع ونور، وله دور بارز في تنمية الثقافة، فقد كان جامع المنصور ببغداد يشبه جامعة كبيرة، يتمنى كل أستاذ نابغ أن تكون له حلقة فيه، ويدل على ذلك ما روى عن الحافظ الكبير الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463ه أنه لما حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث شربات سأل الله ثلاث حاجات إحداهما أن يملي بجامع المنصور[121] وقد تحقق له ذلك.

وقد كان بجنب المساجد دور العلم والكتب، فقد كانت المكتبات الحكومية المتمثلة في خزائن الكتب الملحقة بدور الخلفاء والسلاطين والمكتبات الخاصة لبعض الشخصيات الهامة ، وكان التنافس شديداً في اقتناء الكتب، ونوعيتها، وقد كانت هذه المكتبات مفتوحة للعلماء والطلبة يتداولون فيها الأبحاث العلمية والأدبية محطة العلماء وهواة العلم والأدب، يتناقشون فيما بينهم، فيتد الجدل والمناظرة في كثير من العلوم أمام الخليفة، أو السلطان أو الوزراء.

غير أن أهم شيء يميز القرن الخامس الهجري عما سبقه هو بناء المدارس العامة للطلبة ، مع ترتيب المأكل والمشرب والمنام[122] فقد أدرك الوزير نظام الملك – أعظم وزراء السلاجقة- أهمية العلم وخطورة الجهل وأن الدولة الإسلامية لا يمكن أن تستقر إلاّ بتوطيد أركانها بالعلم والعمل فشرع في بناء مدارس كثيرة ، قال ابن السبكي : ( وبنى مدرسة ببغداد ومدرسة ببلخ، ومدرسة بنيسابور ، ومدرسة بهراة، ومدرسة بأصبهان ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بأمل طبرستان، ومدرسة بالموصل ، ويقال : إنه في كل مدينة بالعراق، وخراسان مدرسة ...) [123]، كما أوقف عليها موقوفات ضخمة لتكون لها موارد ثابتة، وميزانية خاصة.  

مقارنة بين العصرين:

وإذا قارنا عصرنا الحاضر بالعصر الذي كان قبل عصر صلاح الدين الأيوبيّ ، نرى أن عصرنا أسوأ ، لعدة أسباب ، من أهمها:

1- أن رمز الوحدة الإسلامية المتمثل بالخلافة كان قائماً في عصر ما قبل عصر صلاح الدين الأيوبي، حتى ولو كان ضعيفاً، في حين أنه في عصرنا استطاع أعداؤنا إسقاط هذه الرمزية بأيدي القوميين الطورانيين والعرب في بداية القرن العشرين حيث ألغيت الخلافة العثمانية في عام 1923م.

2- أن تحكيم الشريعة الإسلامية في المجتمع لم يكن محل نزاع في القرن الرابع، أو الخامس الهجري ، في حين أن الاستعمار استطاع أن يُبعد الشريعة عن الحكم في معظم البلاد الإسلامية ، وأن يُحِلَّ محلها القوانين والأنظمة الوضعية: المدنية، والتجارية، والاقتصادية...

3- غير المسلمين في القران الرابع، أو الخامس الهجري لم يكونوا بقوة اليوم، حيث الدول الخمس الكبرى التي لها القوة العلمية والصناعية والتقنية، وانها تسيطر على معظم بلاد العالم، وبالإضافة إلى ما سبق فلها حق النقض في مجلس الأمن وجميعها من غير المسلمين ، حيث تمثل المسيحية (الكاثوليك، والبروستاند، )واليهودية من خلال أمريكا ، وفرنسا، وبريطانيا، والمسيحية الأرثودوكس من خلال روسيا، والبوذية من خلال الصين، ولا توجد بينها دولة تمثل الإسلام والمسلمين.

وخطورة هذه الدول الخمس أن لكل واحدة منها حق النقض ( الفيتو) على أيّ قرار حتى ولو اجتمعت عليه جميع الدول ، فدولة واحدة منها تنقض ذلك، كما حدث ويحدث دائماً بالنسبة لأمريكا في كل ما يتعلق بالدولة المحتلة (إسرائيل) وروسيا فيما يخص سوريا.. وهكذا .

4- أن الدول الإسلامية اليوم تعتمد في صناعتها ، وتجارتها حتى وفي غذائها على الدول غير الإسلامية ، فليس لديها اكتفاء ذاتي إلاّ تركيا التي تسير نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في الجانب الغذائي .

فأمتنا تعتمد على الغير في كل شيء تقريباً في الغذاء، والدواء، والتجارة ، والصناعة ، والتقنيات ، والاتصالات ، والمواصلات...الخ ، وهذا أمر خطير له عواقبه الوخيمة على الأمة، إذ كيف تستطيع ان تحارب أمة تأخذ صلاحها من عدوها ، أو على الأقل من غيرها .

وأضرب لكم مثالاً ، فقد قرأت في جريدة الأهرام المصرية ، في بداية الثمانينات في القرن العشرين : أن سفينتين محملتين بالأعلاف الخاصة بالدواجن قد تأخر وصولهما من أمريكا حوالي أسبوعين إلى مصر فأدى ذلك إلى موت كمية كبيرة من (الكتاتيك – صغار الدواجن) ، والذي فهمته من هذا الخبر أن ذلك كان رسالة من أمريكا إلى مصر – ومن خلالها إلى العرب – أنها  لا تستطيع أن تحارب إسرائيل ؛ لأن 70% من المواد الغذائية الأساسية تأتي من أمريكا وغيرها، وقد سمعت تعليلاً مثل هذا من بعض كبار المسؤولين المصريين.

5- إن التفرقة اليوم وصلت إلى النخاع على مستوى الدول الإسلامية ، والدول العربية ، وحتى الدول الست الخليجية فقد حدث شقاق كبير وحصار شديد على قطر فقطعت دول الحصار الثلاث (السعودية، والإمارات، والبحرين ، ومصر) كل علاقتها السياسية والدبلوماسية ، والاجتماعية وأغلقت كل منافذها البرية والبحرية والجوية، ووصلت القطيعة إلى مرحلة خطيرة حتى فرّقت بين المرأ وأمه ، وأبيه، وزوجته، وبين الأخ وإخوانه وأخواته ، ونسأل الله الإصلاح العاجل .

فالتفرّق الموجود بين 57 دولة إسلامية وبين 22 دولة عربية ، و ست دول خليجية لم يشهد التأريخ مثله ، والله المستعان.

وأخطر من ذلك أن هذا التفرّق موجود أيضاً بشدة داخل الشعوب ، والجماعات والحركات الإسلامية، فبعض الجماعات المتشددة (مثل داعش والقاعدة) أو المنسوبة إلى بعض السلفية مثل الجاميّة والمداخلة[124] ، يكرهون الجماعات الإسلامية الأخرى(مثل الإخوان المسلمين والسلفية المعتدلة المؤمنة بشمولية الإسلام) ويبغضونهم ربما أشد من بغضهم لليهود المحتلين لديارنا، بل يكفرونهم.

فتلك مصيبة كبرى يصل فيها الأمر إلى عدم تجمع الأمة على كلمة سواء ، وعلى ثوابت الإسلام العظيم، ولا على العروبة بالنسبة للعرب، ولا القربى بالنسبة للخليج، فأين الخلل؟

6- استطاع المتربصون بنا ، والطامعون في ديارنا ، وثرواتنا ، والمستفيدون من تفرّقنا أن يضربوا في قرننا هذا (القرن الحادي والعشرين) المنتسبين إلى الحركات الإسلامية بعضهم ببعض، انطلاقاً من القاعدة المعروفة القاضية بانه (لا يفلّ الحديد إلاّ الحديد) فضربوا الحكومة الشرعية في مصر بالأزهر، ودار الإفتاء ، وحزب النور السلفي، حيث تعاونت هذا الجهات الإسلامية لإسقاط الرئيس الشرعي المنتخب من الشعب، وهكذا الجهود متواصلة في ليبيا ومؤيدية لضرب دار الإفتاء بليبيا ، والجماعة الإسلامية فيها عن طريق جماعة المداخلة التي أعلنت الحرب ضدهما .

وهكذا فالحالات والأوضاع والأسباب الستة السيئة – السابقة - هي من خصائص هذا العصر ولم تكن متوافرة في القرن الرابع، أو الخامس الهجري بالأشكال الموجودة اليوم، مما يتطلب جهوداً أكبر ، وتعاوناً أضخم، وخطة أكثر استراتيجية  ودقة، ودراسات أكثر عمقاً .

التشابه بين العصرين (التحديات والحلول ):

لم يأت احتلال الصليبين لمعظم البلاد الشام ، ثم بيت المقدس من فراغ، وإنما تحقق ذلك وفق سنن الله تعالى في النصر والهزيمة، وفي آثار التفرّق من الفشل والضياع...

ويظهر من قراءة تأريخنا الإسلامي أن القدس كان دائماً بمثابة مؤشر (ترمومتر) على قوة الأمة أو ضعفها وكلما ضعفت الأمة تظهر آثار ضعفها في فلسطين بصورة عامة ، وفي القدس الشريف بصورة خاصة، فقد رأينا ذلك في القرن الخامس الهجري ، ثم في القرن الرابع عشر الهجري (القرن العشرين ميلادي) ، وكلما قويت الأمة وتوحدت تحررت فلسطين والقدس والأقصى.

ولذلك فإن تحرير الأقصى والقدس الشريف وفلسطين يحتاج إلى تقوية الأمة وتوحيدها ، والقضاء على أمراضها الخبيثة، ومواجهة تحدياتها.

لهذا سنستعرض هذه الأمراض ، والتحديات في القرن الرابع أو الخامس الهجري التي أدت إلى احتلال القدس لننطلق منها إلى علاج أمراض الأمة في القرن الحادي والعشرين، للوصول إلى أمة موجودة حيّة قوية متحضرة فاعلة قادرة على مواجهة التحديثات، وعلى التحرير والبناء ، بإذن الله تعالى.

1- التفرّق والتمّزق السياسي، والصراع الخطير بين الخليفة والسلاطين والأمراء ، وكذلك الصراع بين السلاطين والأمراء ، كما سبق ذكره وبيانه .

2- الصراع الطائفي بين السنة والشيعة ، حيث البويهيون في المشرق، والفاطميون الإسماعيليون في مصر والغرب الإسلامي ، والحروب والصراعات التي مزقت الأمة في ذلك الوقت .

3- حركات الباطنية التي شكلت خطراً على الفكر الإسلامي ونقائه ، بل على الإسلام نفسه .

4- حركات العنف باختلاف مستوياتها ، والتي تبنّت الاغتيالات.

5- الإرهاب الفكري والمذهبي حيث لم يتوقف عند دائرة الحوار والمناقشة ، بل تجاوزه إلى الصراع السياسي والعسكري، والإرهاب والفرض بالقوة، مثل فرض الفكر الاعتزالي في القول بخلق القرآن من قبل الخليفة المأمون، وسجن كل مَنْ لا يرى ذلك، بل استخدام التعذيب مما أدى إلى موت عدد من كبار العلماء مثل الإمام البويطي الذي استشهد بسبب عدم قوله ذلك، والإمام أحمد بن حنبل الذي أوذي كثيراً ، ثم أفرج عنه الخليفة المعتصم عنه بعد أن قضى في السجن وتحت العذاب سنيين عدة .

فمثل هذه الفتن أصبحت محنة كبرى على العلماء ، فغيبتهم عن ساحات الدعوة والفكر، كما أنها أشغلت الأمة بها ومزقتها.

6- الصراعات المذهبية أيضاً داخل أهل السنة والجماعة أنفسهم، مثل الصراعات التي وقعت بين الأشاعرة والحنابلة وأهل الحديث، وحتى داخل المذاهب الفقهية – كما سبق ذكرها بإيجاز-  وإن كانت بصورة أقل .

7- تحوّل الإسلام العظيم باعتباره ديناً جامعاً وخيراً وشفاء للمؤمنين ، ورحمة للعالمين إلى مذاهب متنافرة وطوائف متقاتلة، فبدل أن تكون المذاهب الفكرية والفقهية ثراء وحضارة وتقدماً ، واختلافا في التنوّع الذي تثرى به الحضارة أصبحت تفرّقاً وصل مداه إلى الدين نفسه، وجعل أهله شيعاً يكاد تنطبق على بعضهم لا سيما في مجال الطائفية (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)[125]، ومما زاد الطين بلّة والأمة فرقة وقوف بعض العلماء مع السلاطين في ظلمهم ، بل وحثّهم في الظلم وسفك الدماء فقد ذكرت المصادر التاريخية أن المأمون ، ثم الواثق والمعتصم لما قبضوا على خيار العلماء فاختبروهم في القول بخلق القرآن كان بعض علماء السوء يقولون لهؤلاء اقتلوا الإمام أحمد (ومثله) ودمه في أعناقنا ، مثل أحمد بن أبي داود رئيس قضاة المأمون (ت240ه) .

8- قلّة العلماء الربانيين الزاهدين المهتمين بقضايا الأمة ، وكثرة الانتهازيين المستفيدين، حيث تحوّلت العلوم الشرعية إلى الوظيفة، واختفت مباحث التزكية والتربية، وحلّت مباحث علم الفلسفة الاغريقية واليونانية محلّها .

9- عدم استقلال معظم العلماء ، حيث ربطوا بالحكم والسلطان، إلاّ مجموعة حافظوا على رسالتهم ومسؤوليتهم باعتبارهم على مفهوم أنهم ورثة للأنبياء .

10- البدع والخرافات والرهبنة والعزلة تحت غطاء بعض الطرق الصوفيةمع أنها كانت أيام الإمام الحسن البصري، والجنيد البغدادي ، وأمثالهما منهجاً للزهد والتزكية، وعلى طريق السنة الصحيحة لتقوم بواجبها من تزكية النفوس ، وتربية القلوب، والسموّ بالأرواح، ولكنها ظهرت عليها فيما بعد أفكار أبعدتها عن السنّة من الحلول والانعزال، والبدع والخرافات، ولذلك قام الغزالي والجيلاني بإرجاعها إلى نهجها السنيّ.

11- ازدهار الفكر الباطني في القرن الخامس الهجري، وهو فكر جامع لعدد كبير من الفرق والنحل التي تستهدف إفساد العقيدة الإسلامية الصحيحة ، باسم الإسلام وتحت عنوان أن للإسلام ظاهراً وباطناً ، وان فهم الباطن يكون للعماء والخواص، ثم تطوّرت فيما بعد من الفكر إلى الإرهاب والقوة ، حيث ظهرت فرقة الحشاشين على يد الحسن بن الصباح (الذي هلك في 518ه)

12- انتشار الفساد الاقتصادي والمالي بشكل كبير جداً – كما سبق الإشارة إليه – من الترف الكبير في بناء القصور ومظاهر الزينة والأكل والشرب، واقتصار الانفاق العام على الشهوات ، وعدم الاهتمام بالإنتاج والإبداع ، وانتشار فقر مدقع لمعظم أفراد الأمة .

13- فساد  الحياة الاجتماعية من شيوع العصبية الجاهلية ، والشعوبية، والطائفية والمذهبية ، حيث تمزق بسببها النسيج الاجتماعي الإسلامي الذي كان يجمع ولا يفرق، مما أدى إلى انهيار مفهوم الأمة .

14- احتلال الصليبيين للقدس ومعظم الشام ، وانطاكيه ، وبعض أجزاء من مصر في بعض الأحيان[126].

سنن الله تعالى في نهوض الأمة :

إذا تدبرنا القرآن الكريم لتوصلنا بوضوح بأن أمتنا الإسلامية (المنوط بها دور الشهود الحضاري، والعمران، والتمكين والتوارث العلمي، وتحقيق العدالة) لن تستطيع أن تحقق أهدافها ، وتنفذ برامجها إلاّ من خلال الالتزام بأربعة مبادئ أساسية ركز عليها القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وهي :

المبدأ الأول: لإصلاح :

فالإصلاح، مصدر باب : أصلح فلان في أمره بمعنى أتى بما هو صالح نافع ، وأصلح الشيء : أزال فساده، وأصلح  بينهما او ما بينهما، أو ذات البين، أي أزال ما بينهما من عداوة وشقاق، وصالحه أي سالمه، واصطلح القوم أي زال ما بينهم من خلاف، وتصالحوا أي اصطلحوا،

واستصلح الشيءُ  - بالضم- تهيأ للصلاح – وبالفتح- أصلحه وطلب إصلاحه ، وعدّ صالحاً ،

والصالح : المستقيم المؤدي لواجباته،

والصلاح : الاستقامة، والسلامة من العيب، والصلح : إنهاء الخصومة ، وإنهاء حالة الحرب ،

والمصلحة، المنفعة[127]

 وقد تكرر (الصلح) ومشتقاته في القرآن الكريم 136 مرة تدور معانيها حول المعاني اللغوية السابقة، ولكنها ركزّت على الإصلاح الشامل للإنسان في داخله وخارجه، وتحقيق الخير والمنفعة له، ورفع الظلم والجور، وأسباب النزاع والاختلاف غير المشروع حتى يصبح المؤمنون إخوة متحابين متعاونين كجسد واحد (إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)[128]، ولكننا سنلقي بعض الأضواء على هذا الشعار العظيم الذي رفعه سيدنا شعيب عليه السلام: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[129].

حيث تتضمن ملامح صورة كاملة للإصلاح ومنهج واضح بيّن ، ومجموعة من المبادئ والمسالك، في ضوء ما يأتي:

1- أن تنطلق الدعوة من بيّنات مقنعات ومبادئ واضحات مبنيّة على الحجج والبراهين، فلا تنطلق من الخلافيات والجزئيات وهذا يقتضي أن يكون للداعية المنهج البيّن والصراط المستقيم، والخطة المستقيمة القائمة على البصيرة والرؤية الواضحة والأهداف المرحلية والاستراتيجية ، إذ لا انطلاق إلاّ مع وضوح البصيرة، ولا نجاح إلاّ مع التخطيط والتنظيم (أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي)[130] ولذلك أستطيع اختصار صفات الداعية المصلح في هذه الكلمات الثلاث (هاد) أي له نور البصيرة يمشي به على الصراط المستقيم ، و (هادف) أي صاحب هدف وغايات عظيمة ، بحيث يشمي وفق الخطة الموضوعة ، و (هادئ) أي يتسم بمنتهى الهدوء فلا يثور ولا يُثار ولا يثير إلاّ بالحق ..

2- الانطلاق من إقناع القوم، أو الأمة بأن مخالفة المصلح لهم ليست لأجل مخالفتهم، ولا للإضرار بهم، ولا لتحقيق مصالح شخصية له، وإنما لتحقيق المصالح لهم ودرء المفاسد عنهم، فهذا الأمر لو تحقق فهو من أهم أساب نجاح المصلح، حيث قال شعيب لقومه : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ)[131] فقد حصر مهمته في الإصلاح وتحقيق الخير لهم، وردء المفاسد والشرور عنهم .

3- أشارت (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً)[132] إلى أهمية استقلال الداعية ، ولا سيما في الجانب الاقتصادي ، ولذلك يركز معظم الأنبياء على أنهم لا يريدون الأجر المادي، ولا المال ، وأنهم مستغنون مالياً.

وهذا أمر مهم في الدعوة حيث عن معظم المشاكل تأتي بسبب حاجة الدعاء والعلماء إلى أصحاب الأموال، ولا سيما الحكومات التي تتحكم في معظم الأحيان في رقاب الدعاة والمفتين من خلال رواتبهم وأرزاقهم، ولذلك لا يستطيع معظم العلماء الرسميين أن يقولوا الحق أمام الظلمة المستبدين ، ويقولون "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق" ومع ذلك فهناك دعاة ضحوا بكل شيء في سبيل قول الحق.

ويترتب على الاستقلال المالي للدعاة الاستقلال الفكري والسياسي .

4- تركيز الداعية على أن دعوته منحصرة في مصالح المدعويين وتحقيق الصلاح والخير والمنافع والطيبات لهم، فليس له في ذلك مصالح شخصية من المصالح المالية، او الهيمنة السياسية ، كما أن الله تعالى غنيّ عن عباده، فهذا المنطلق في غاية من الأهمية لفتح قلوب المدعويين، ولبيان أن هذا الدين هو دين الخير والمصلحة الحقيقية للجميع في الدنيا والآخرة .

5- بيان أن هذه الدعوة لا إكراه فيها (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) [133].

6- اعتماد الداعية على الله تعالى والتوكل الصادق القوي عليه ، والرجوع إليه في كل شيء في السراء والضراء وفي جميع الابتلاءات.

7- بذل أقصى ما لدى الداعية من تفكير وقول، وعمل، ومن الاستفادة من جميع الوسائل المتاحة القديمة والحديثة حيث قال (مَا اسْتَطَعْتُ) فيدل على ضرورة بذل كل ما في الوسع .

8- إرجاع الفضل والنجاح والتوفيق إلى الله تعالى .

9- طلب الاستمداد الدائم من الله تعالى .

10- مطابقة أعماله مع أقواله أي يكون قدوة حيث قال : (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ)[134] .

وسائل الإصلاح (بإيجاز) :

أ- التعليم بجميع الوسائل المتاحة من الحضانة إلى الجامعة وما بعدها.

ب- التغيير الحكيم من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجميع الوسائل الشرعية للتغيير .

ج- القدوة الحسنة .

د- التدرج، كما شرعه الله تعالى في كثير من القضايا المهمة، وكما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكما فعله الخليفة السادس عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، حينما جاء في عصر ساد فيه الظلم بجميع أنواعه، فبدأ بالإصلاح بحكمة وتدرج لم يقنع ذلك ابنه المتحمس فقال لوالده: (مالك لا تنفذ الأمور فتُصلح الفاسد وتُقوّم المعوج، وتلزم الناس الحق، فوالله لا أبالي إن غلت بي وبك القدور) قال عمر : (يا بني إن الله ذمّ الخمر في آيتين وحرّمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة،  ويكون من ذا فتنة) [135].

المبدأ الثاني : تغيير الأنفس نحو الأحسن فقال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) [136].

المبدأ الثالث: الاتقان والجودة والإبداع في جميع مجالات الحياة حتى جعل الله تعالى امتحان أمتنا بالنجاح في  هذا المجال فقال تعالى: (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [137].

المبدأ الرابع : التجديد:

ما المقصود بالتجديد في الدين ؟

أما الاجابة عن السؤال الأول فإن جميع من كتبوا عن التجديد ـ حسب علمي ـ يفسرون الحديث الشريف بأن التجديد في الدين عبارة عن احياء معالمه ، ومحاولة العودة به الى ما كان عليه يوم نشأ وظهر بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد ، وذلك بتقوية ما وهي منه ، وترميم ما بلى ، ورتق ما انفتق ، حتى يعود أقرب البلي قديماً ، ثم أعيد بفعل فاعل الى سيرته الأولى المحددة . ما يكون الى صورته الأولى )[138] اذن فالشيء المجدد حينئذٍ وهو الدين الاسلامي، ولكن أصابه ما أصابه .

 ولكن ظهر لي بعد تدبر أن المقصود بـ ( دينها ) الوارد في الحديث ، هو دين الأمة الذي يقوم على الإسلام ولكن دخل فيه بمرور الزمن بعض العادات والبدع والخرافات، وليس دين الإسلام المنزل المحفوظ ، ويقصد به :  ما دانت له الأمة الاسلامية مما أدخل فيه بغير حق من التقاليد والعادات، والبدع والخرافات ، ومن الافراط والتفريط ، حيث اعتبر ذلك من دين الأمة فيأتي المجدد ( فرداً أو جماعة ) فينفي عنه تحريف الضالين ، وافراط المفرطين ، وتقصير المفرّطين ، بتشديد الراء المكسورة ـ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون )[139] .

  وتفسير ( دينها ) بمعنى ما خضعت ودانت له الأمة مقبول في اللغة ، ومؤيد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أضاف ( دين ) إلى الأمة ، ولم يضفه إلى الله تعالى ، أو الاسلام ، وهذا يعني أن ما دانت له الأمة الاسلامية وإن كان في ظاهره وأكثره هو دين الاسلام ، أوسموه : (الاسلام) دون تفرقة بين المنزل الثابت ، وما أسند إليه ، ولكنهم أدخلوا فيه أشياء ، أو تركوا أشياء ، فخضعوا لهذا المجموع ، فيأتي المجدد فيبدد هذه الشبهات ، ويعيد الأمة الى صفاء الدين الحق ومنهجه ليحيى بفطرته التي فطر الله المؤمنين عليها ، وهذا لا يعني أيضاً وجود تحريف في الكتاب والسنة ، وانما الناس يظنون ان هذه الزيادات أو التروك من الدين ، ثم يتبين الحق على أيدي هؤلاء .

 وبهذا المعنى الجديد للحديث النبوي الشريف تتضح لنا الصورة كاملة، وهي أن الأمة الإسلامية (باعتبارهم من البشر الخطّائين كغيرهم) تضعف، وتتفرق، وتدخل المناهج الغريبة، وتتعرض لردود الفعل، فتتجه نحو اليسار أو نحو اليمين، أو نحو التشدد، أو التساهل والترخيص، بالإضافة إلى ذلك تتأثر النفوس والسلوكيات والمناهج والتصورات بما حولها، وبمن حولها من مناهج الآخرين وهكذا، وقد تتأثر الاجتهادات الفقهية في كافة المجالات بهذه الأحوال والحالات، فيظهر مسلك التواكل ويصبح جزءاً من الدين لدى البعض منطلقين من الآيات الكثيرة الدالة - في الظاهر - على عدم الأخذ بالأسباب، وأن التوكل الحقيقي هو التوكل على الله تعالى دون الأخذ بالأسباب، فيكون له أثر على التصور والسلوك، ويتكون الزهد البارد السلبي الذي يتبناه جماعة من المبتدعين، أو تظهر فِرَق الجبرية، والمرجئة، فتؤثران في التصورات والعقائد والأفكار والسلوك .

 ومن جانب آخر قد تتجه بعض الأمة لأي سبب كان نحو التشدد ـ كما حدث للخوارج في السابق ، ولبعض الجماعات المتشددة في عصرنا الحاضر ـ ظناً منها أنه الملجأ والمنجى فيصبح منهجاً وسلوكاً .

ويترتب عليه رد فعل نحو التساهل والترخص الزائد ، فيظهر منهجا الافراط والتفريط .

 ومن جانب ثالث يتربى بعض الأمة فقط على الجزئيات تاركاً الكليات ، وبالعناية القصوى بالوسائل بدل العناية بالمقاصد والغايات ، وبالمظاهر بدل العناية بالأسس والجواهر ، وبالآحاد بدل المتواتر ، وبالمتغيرات بدل الثوابت ، وبالظنيات بدل القطعيات ، وبالمختلف فيه بدل المجمع عليه ، وبالرخص الفقهية بدل العزائم.

 ويترتب على ذلك رد فعل عكس من البعض فيهتمّ فقط بالكليات تاركاً الجزئيات ، وبالقطعيات فقط دون الظنيات ، وبالمجمع عليه تاركاً المسائل الخلافية ، وبالعزائم والشدائد تاركاً الرخص والتيسيرات ، وهكذا .

 إذن مع مرور الزمن تتحول مجموعة من التصورات والمناهج المعتمدة على الافراط ، أو التفريط ، ومجموعة من السلوكيات والقيم جزءاً من المنظومة التي تدين بها الأمة ، وبالتالي تتمزق الأمة ، وتتخلف عن ركب الحضارة والتقدم ، والابداع ، وتتحول حالتها من أمة الشهادة والشهود إلى أمة التابع والتقليد ، وتتخلى عن دورها الحضاري ، ورسالتها في تعمير الأرض والاستخلاف وتصبح خاضعة لفقه الاستضعاف ، وتبتعد عن منهج الوسطية والاعتدال إلى مناهج الافراط والتفريط ، والغلو والاعتساف .

 وفي هذه الحالة يُظهر الله تعالى مجموعة من العلماء والمفكرين ، والمصلحين والتربويين والاجتماعيين ومن القادة السياسيين لينهضوا بالأمة مرة أخرى ويصلحوا جوانب الخلل كلها ، ويغيروا ما بأنفسهم وأنفس الأمة ، وسلوكياتهم وقيمهم نحو ما يريده الله تعالى من هذه الأمة وحينئذ جددوا دين الأمة الذي  دخلته تلك المنظومة التي ذكرناها آنفاً وأرجعوهم إلى الاسلام المتكامل بعقيدته ومنهجه وقيمه وسلوكياته ، وحينئذ تنهض الأمة من جديد ، وتقود العالم من جديد .

 إذن التغيير والتجديد للأمة من حيث هي ، ومن حيث رسالتها وأهدافها وأعمالها ، وليس هذا التجديد أو التغيير للدين الذي أنزله الله تعالى فالدين هو الكتاب والسنة الصحيحة ، وهما باقيان على حالتهما محفوظان كما وعد الله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[140] .

وبهذا المعنى زالت شبهات كثيرة حول تجديد الدين ـ وهو ثابت ـ وهل هذا المعنى يعني أن الدين غير قابل للاجتهاد والتطوير ؟ .

  للإجابة عن ذلك نقول إن الله تعالى أراد لهذه الأمة الدوام والخلود فجعلها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس ، وجعلها الأمة الخاتمة بختم الرسالة المحمدية والنبوة الأحمدية فقال تعالى : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)[141].

 وهذا يعني في ذاته كمال الرسالة الالهية المتمثلة في القرآن العظيم بحيث لا تحتاج معها إلى رسالة أخرى ، ولذلك قال تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً)[142]

 ولكن ختم النبوة وكمال الدين يعنيان في الوقت نفسه أن رسالة هذا الدين صالحة لكل زمان ومكان ، وقادرة لحل المشاكل وعلاج الحلول الناجعة لمختلف القضايا الدينية والفكرية والثقافية ، والعلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية .... وحينئذ تكون شاملة لعنصرين أساسيين ، ومقررين لهما وهما :

أ- الثوابت التي لا تتغير والمتمثلة في الأصول العامة والمبادئ الشاملة لمفاصل الحياة الكلية  وفي جوهرها هي الحماية للأمة من الانصهار في بوتقة الغير بالذوبان والانسلاب الحضاري ، وفقدان الهوية.

ب- التطوير والتجديد، وهذا من خلال والاجتهاد والاستنباط كما قال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ....)[143] وسواء كان ذلك الاجتهاد اجتهاداً واستنباطاً مباشراً من الكتاب والسنة لمن كان قادراً على ذلك ومتوافراً فيه الشروط، أم كان اجتهاداً انتقائياً ترجيحياً بين الاجتهادات السابقة .

  والاجتهاد ليس خاصاً بدائرة الفقه الفرعي بل هو شامل لجميع النصوص القابلة للاجتهاد وللحالات التي ليس فيها نص(وهي منطقة العفو كما في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه)[144] سواء كانت في دائرة العقيدة ، أم الفكر ، أم الفقه ، أم غيرها .

وهنا يرد السؤال : لماذا هذا التجديد ؟

فالجواب هو أن الله تعالى لما ختم الرسالات بالقرآن الكريم ، والأنبياء والمرسلين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن الله تعالى جعل لهذه الأمة علماء ومجددين وطائفة منصورة تبقى على الحق وتدافع عنه ، وتجدد الدين وأمره حتى تعيده إلى ما كان عليه في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين ، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )[145] ، ولفظ (من) في الحديث عام للفرد ، والجمع ، كما قال ابن الأثير : (  والأولى العموم ، فإن "من" تقع على الواحد والجمع ، ولا تختص أيضاً بالفقهاء ، فإن انتفاع الأمة يكون أيضاً بأولي الأمر ، وأصحاب الحديث ، والقراء ، والوعاظ ، لكن المبعوث ينبغي كونه مشاراً إليه في كل من هذه الفنون)[146].

  يقول فضيلة الشيخ القرضاوي : (  والذي أراه أن الحديث يفيد أنه لا يبزغ قرن إلاّ ويبزغ معه فجر جديد ، وأمل جديد ، وبعث جديد ، حتى تستقبل الأمة المسلمة القرن بقلوب يحدوها الرجاء في غد أفضل ، وعزائم مصممة على عمل أمثل، ونيات صادقة في تغيير الواقع بما يوافق الواجب ، وخصوصاً أن المفروض في الأمة أن تقف على رأس القرن مع نفسها وقفة محاسبة وتقويم محاولة أن تستفيد من ماضيها ، وتنهض بحاضرها، وترقى بمستقبلها مبتهلة إلى ربها أن يكون يومها خيراً من أمسها ، وغدها خيراً من يومها )[147] .

 وهنا أيضاً يكون الجواب عن السؤال الثاني ، وهو أن المجدد يشمل كل مسلم مخلص لله تعالى يؤثر في دين الأمة ( مناهج التفكير والتحليل للأمة ، وسلوكياتها وقيمها ) سواء كان التأثير من حيث الفكر والتصور ، أو من حيث السلوك والعمل والقيم ، وبالتالي فهو يشمل العلماء والفقهاء المؤثرين ، والمفكرين المبدعين ، والسياسيين الذين يقودون الأمة إلى النصر والقوة والتقدم والحضارة ، وحينئذ يفرح المؤمنون بنصر الله .

أركان التجديد :

تتكون أركان التجديد ، وعناصره الأساسية من أربعة أركان ، وهي : الشخص المجدد ، والمجدَد ـ بفتح الدال ـ وهو الدين ، والمجدد له ، وهو الأمة ، والمجدد به ، وهو أدوات التجديد ووسائله .

ونحاول أن نذكر هذه الأركان الأربعة بشيء من الايجاز .

الركن الأول : المجدِّد ، وهو الشخص الذي تتوافر فيه شروط التجديد في المجال الذي يوفقه الله تعالى للتجديد ، فقد يكون التجديد في الأمور العقائدية والفكرية التي شابها تصورات غير صحيحة ، وبدع وخرافات فيقوم المجدد بتصحيحها ، ونشر العقيدة الصحيحة والفكر الصحيح ، والتصورات الصحيحة ، وهكذا..

الركن الثاني : المجدَّد ، وهو الدين بمعناه الشامل للعقيدة ، والفكر ، والأخلاق والعبادات ، والمعاملات ، والسياسة والاقتصاد ، والجهاد ، والقضاء ، والعلاقات الانسانية ...

 فلفظ ( دينها ) في الحديث يشمل كل ما يسمى ديناً ، وبالتالي فالتجديد يشمل كل هذه الجوانب ، ولكن بالمعنيين اللذين ذكرتهما للحديث .

ومن المعلوم أن التجديد لن يتحقق إلاّ بأربعة أمور :

1- معرفة دين الله الصحيح كما هو في الكتاب والسنة والإجماع الصحيح الصريح .

2- معرفة ما أدخل فيه من الزيادات ، أو ما نقص منه .

3- الاجتهاد فيه بمنهجية واضحة لبيان كماله وشموله ، وصلاحيته لكل زمان ومكان ، وقدرته على الحلول الناجعة ، بل تقديم هذه الحلول فعلاً التي تنبثق من أصوله العامة ، ومبادئه وقواعده الكلية ، أو نصوصه الجزئية .

4- عرضه العرض المطلوب بلغة العصر ، وخطاب مؤثر جذاب لإظهار جماله وروعته وسبقه وتفوقه ، اذن فمجالات التجديد شاملة لكل فروع الدين والشريعة .

الركن الثالث : المجدد له ، وهو الأمة الاسلامية ، التي تكون مستعدة للتجديد ، أو بعدها المجددون له ، مثل هذه الصحوة المباركة التي قام الدعاة والمصلحون في شتى مجالات الحياة الفقهية والفكرية السياسية والاجتماعية والأخلاقية .

الركن الرابع : أدوات التجديد ، وهي كثيرة من أهمها : العلم بشتى أنواعه : الفكر والفقه سواء كان فقهاً في العبادات ، أم في المعاملات ونحوها ، أم فقهاً سياسياً ، أو اقتصادياً ... .

 وقد تكون أدوات التجديد تتم من خلال التخطيط والفتوحات والجهاد بشتى أنواعه ، فمثلاً نورالدين الزنكي ، مجدد من خلال تخطيطه ، وأما صلاح الدين الأيوبي فمجدد من خلال التخطيط والتحرير والفتح المبين ، وهكذا ، وقد يتم التجديد بالمشروعات الاقتصادية والاجتماعية ، حيث يقدم شخص أو جماعة مشروعاً اقتصادياً معيناً فيؤدي إلى انعاش الأمة أو جزء منها ، وتنميتها ، والنهوض بها وانقاذها من الفقر ، والمجاعة ، أو من البطالة أو التضخم ... وقد يقدم مشروعاً اجتماعياً فتتحقق به اغاثة الأمة والخروج بها من أزمة اجتماعية ، وهكذا ... .

 فأدوات التجديد كثيرة تتحقق بالقول والعقل ، والفكر والفقه ، وبالتقنيات الجديدة ، والأفكار والمشروعات الاقتصادية ، والاجتماعية والسياسية بين التجديد والاجتهاد .

 إن من لوازم التجديد الاجتهاد ، فلا يمكن أن يكون هناك تجديد حقيقي مع التقليد والتعصب الأعمى، ولا بد أن يعلم هنا أن التقليد المنبوذ هو غير الاتباع والتقليد، والموافقة والأخذ برأي أهل العلم لمن لم يكن عنده العلم فقد قال تعالى : (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)[148] .

 فالتقليد المرفوض هو الجمود على فكر شخص أو مذهب معين ، وعدم تزحزحه عنه مهما كانت الأدلة واضحة قوية ، ثم ان الناس في العلم مراتب ، فمنهم من لديه القدرة على الاجتهاد فيجب عليه الاجتهاد ما دامت شروطه متوافرة ، ومنهم من هو قادر على الترجيح وله أهليته فعليه أن يفعل ذلك ، ومنه من ليس له أهلية العلم فهؤلاء يجب عليهم أن يسألوا أهل الذكر ، لكن لا يجوز لهم التعصب لرأي مطلقاً حتى ولو لم يكن له دليل .

بين التجديد ، والحداثة أو التحديث :

 هناك جدلية قائمة بين التجديد في الفكر الإسلامي ، والحداثة أو التحديث في الثقافة الغربية، فالتجديد ينتمي إلى حقل الثقافة والعلوم الإسلامية، أما التحديث الذي هو ترجمة لـ (Modernization) فهو ينتمي إلى البنية الثقافية الغربية والفكر الأوروبي والسياق التاريخي الخاص به بدءاً من القرن السابع عشر الميلادي ، وقد انتقل إلينا هذا المصطلح ومحتواه من خلال أول اتصال بين أوروبا والفكر الإسلامي عبر رحلة رفاعة الطهطاوي الذي حمل معه من مناهج الثقافة الأوروبية الكثير ليفاجئ بها الأزهر والمجتمع العثماني في ظل الركود الذي ساد في القرون الأخيرة.

 ولكن الحداثة في الفكر العربي لم يتوقف عما كنت لدى  الطهطاوي من إرادة الحداثة المقبولة والعصرنة، بل تحولت إلى علمانية تضاد الدين، وهنا انفصلت الثقافة الإسلامية والعربية عن ثقافة الحداثة، وتطور هذا الانفصال حتى أدّى إلى ثنائية التعليم : تعليم ديني مستمد من التراث معزول عن الحياة في غالبه، وتعليم مدني مستمد من المناهج الأوروبية، وكان ذلك شرخاً كبيراً في البنية الأساسية للثقافة الإسلامية الشاملة[149].

وقد أدى ذلك إلى أن يزداد تمسك علماء التراث بتراثهم، وإعلان الحرب على الحداثة، وإلى أن يتقوى عضد التنويرين الذين هم خريجو جامعات أوروبا فنقلوا الصراع الذي كان سائداً في أوروبا بين الكنسية والعلم إلى العالم الإسلامي.

 ومع الأسف الشديد فلو كان هؤلاء وأولاء لجأوا إلى مبدأ التجديد الإسلامي لأغناهم عن الإفراط والتفريط، ولَمَدَّهم بعون كبير للتحديث الذاتي والتجديد الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين التراث والفكر الحديث من منطلق (الحكمة ضالّة المؤمن فهو أحقُّ بها أنّى وجدها)[150] ومنطلق أن الثوابت الإسلامية التي لا يجوز المساس بها قليلة، وإنما الغلبة لمنطقة الأحكام القابلة للتغيير المأخوذة من النصوص الظنية، أو من منطقة العفو التي لم يرد فيها نص خاص أصلاً، وهما منطقتان واسعتان تستوعبان كل ما ينفع الأمة من التجديد، والعصرنة والحداثة النافعة .

جهود العلماء في إعداد الأمة نحو التوحيد والتحرير:

فقد بذل المخلصون من العلماء وبخاصة الفقهاء جهوداً كبيرة ومضنية ولا سيما في القرن الخامس الهجري لإصلاح أحوال الأمة وتغييرها نحو الأحسن من خلال التزكية للقلوب حتى تكون سليمة، وللنفوس حتى تكون مطمئنة راضية مرضية، والتربية للأرواح حتى تكون سامية خيّرة غير هابطة ولا شريرة، وللعقول حتى تكون قادرة على الحلول والابتكار، والاستفادة من التجارب الحكيمة للآخرين ، فتلك من فريضة توارث العلماء للأنبياء فقال تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [151] وكذلك بذلوا جهوداً عظيمة لإحياء علوم الدين، وفريضة الجهاد بمعناه الواسع، وصناعة الحياة الإسلامية، وإعداد قادة مجاهدين علماء محبوبين لدى أمتهم، مخلصين ومصلحين قادرين على مواجهة الأعداء، وتربية علماء ربانيين مجاهدين ذوي عقول استراتيجية ، وإدراك عميق يعيشون لأمتهم لا يخافون في الله لومة لائم ، بالإضافة إلى ما سبق : القيام بتوعية الأمة وتوجيهها نحو الصلاح والتغيّر نحو الأحسن في جميع المجالات.

ونستطيع القول من خلال دراساتنا أن علماء القرن الرابع، والخامس الهجريين رحمهم الله[152]، وبخاصة الإمام العزالي، والجيلاني قد وفقهم الله تعالى إلى ما يأتي :

أولاً- كشف أمراض المجتمع ومحاولة علاجها ، ومن أهمها :

(1) عدم وجود التزكية للنفوس والقلوب، وعدم التربية الربانية للأرواح والعقول، وهذا هو أهم الأسباب لتأليف إحياء علوم الدين، حيث خصص الإمام الغزالي الربع الثالث من كتابه لبيان هذه الأمراض التي سماها: (ربع المهلكات ) والربع الرابع لعلاج هذه الأمراض وكيفية الشفاء منها ، الذي سماه (ربع المنجيات).

وقد جعل لربع المهلكات عشرة كتب، وهي : كتب شرح عجائب القلب ، ورياضة النفس ، وآفات الشهوتين: شهوة البطن، وشهوة الفرج، وآفات اللسان، وآفات الغضب والحقد والحسد ، وذمّ الدنيا، وذمّ المال والبخل، وذمّ الجاه والرياء، وذمّ الكبر والعُجب، وذمّ الغرور.

وكذلك خصص لربع المنجيات عشرة كتب ، وهي : التوبة، والصبر والشكر، والخوف والرجاء، والفقر والزهد، والتوحيد والتوكل، والمحبة والشوق والأنس والرضا، والنيّة والصدق والإخلاص، والمراقبة والمحاسبة، والتفكر، وذكر الموت.

(2) عدم تأثير العبادات الشعائرية في تصرفات المسلمين وسلوكياتهم ، وعدم ربطها بأسرارها ومقاصدها وحكمها ومعانيها.

وذلك ألّف علماء القرن الرابع، والخامس الهجريين عدة كتاب في هذا المجال ، لأنهم رأوا أن العبادات الشعائرية أصبحت مثل الطقوس التي تؤديها الكنيسة أو ، مثل كتاب (قوت القلوب) و (منازل السائرين) و (الرعاية) و (الرسالة) و (التعرف) .

ومن أهم الكتب في هذا المجال ، أيضاً هو كتاب : إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، حيث خصص الربع الأول منه للعبادات ، وجعل له عشرة كتب، منها : كتاب العلم، فوسع دائرته لتشمل جميع أنواع العلوم النافعة من علوم الطب والرياضيات ، والفلك، والصناعات، ونحوها ، فجعلها كلها داخل العبادات ، وحكم عليها بأنها إما من فروض العين، أو الكفايات .

وهذه النظرة الشاملة داخلة في إصلاح النظام التعليمي الذي أصابه خلل كبير، حيث تمّ حصره في العلوم الشرعية التكليفية، فإذا لم يكن لدى الأمة الإلمام الكامل بجميع العلوم فإنها تتأخر عن مسيرتها الحضارية ، وعن أداء رسالتها في واجب التعمير والاستخلاف.

وقد صرح الغزالي رحمه الله بوجود هذا الخلل عندما تحدث عن سبب تأليفه كتاب الإحياء ، فقال رحمه الله : (الباعث الثاني  أني رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف الله تعالى للتدرُّع به إلى المباهاة والاستظهار بجاهه، ومنزلته في المنافسة ...) ثم بيّن ثمرة العلم المتعلق بإصلاح الداخل فقال : ( فثمرة هذا العلم طب القلوب والأرواح للتوصل إلى حياة تدوم أبد الآباد...) [153] .

وقد ركز في كتاب العلم على آفات العلم والعلماء، والعلامة الفارقة بين علماء الدنيا والآخرة، وعلى آفات المناظرة ، والخلاف والجدل، كما بيّن أهمية العقل وفضيلته ، وأقسامه وما جاء فيه من الأخبار[154].

وهكذا فالكتاب فيه علاج طيب لمعظم أمراض عصره العلمية، وعصرنا ، فجزى الله صاحبه خير الجزاء .     

والكتب التسعة الأخرى هي في : قواعد العقائد، وأسرار الطهارة، وأسرار الصلاة، وأسرار الزكاة، وأسرار الصيام، وأسرار الحج، وآداب تلاوة القرآن والأذكار والدعوات ، وترتيب الأوراد في الأوقات.

وفي ربع العادات ركز على أخلاق النبوة فيها وربطها بالقيم والأخلاق الإسلامية، والجمع وما تقتضيه النفوس والأرواح والأجساد وما تتطلبه العقيدة والأخلاق.

وحقاً فإن ما يتضمنه كتاب إحياء علوم الدين بأرباعه الأربعة وكتبه الأربعين المنبثقة من الأرباع الأربعة يعدّ علاجاً لمعظم أمراض عصره، بل وعصرنا إلى حدّ كبير فجزى الله الغزالي على ما قدمه لأمته خير الجزاء .

ثانياً- بذل المحاولات الجادّة لإصلاح الأمراء والعلماء:

فقد دلت سنن الله تعالى على أن الصلاح والنهوض والتغيير نحو الأحسن ، والإصلاح الشامل إنما يتحقق بصورة أكمل إذا صلح صنفان : الأمراء (الطبقة السياسية) والعلماء الداخلان في قوله تعالى : (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [155] حيث فُسِّر بأنهم أصحاب القرار السياسي، وأصحاب القرار العلمي والاجتهاد ، ويرحم الله الإمام عبدالله بن المبارك إذ يقول:

الله يرفع بالسلطان معضلة *** وعن ديننا رحمة منه ورضوانا

لولا الأئمة لم تأمن لنا سُـــــــــــبُلٌ  *** وكان أضعفنا نهباً لأقوانا[156]

وكذلك إذا لم يكن هناك علماء ربانيّون لضلّ الناس بل ظهر جُهّال فضلّوا وأضلّوا الناس كما ورد ذلك في الحديث حيث روى البخاري ومسلم بسندهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهّالاً ، فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا )[157].

فالارتباط بين سلطان عادل وعالم ربّاني شرط لتحقيق كل خير، يقول الإمام الغزالي : (وخلق الدنيا زاداً للمعاد، ليتناول منها ما يصلح للتزود، فلو تناولوها بالعدل.. انقطعت الخصومات، وتعطّل الفقهاء، ولكنهم تناولوها بالشهوات ، فتولدت منها الخصومات، فمسّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم ، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم.

فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا) ثم قال : (فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلاّ بالدنيا، والمُلُك والدين توأمان، والدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم المُلُك والضبط إلاّ بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الخصومات بالفقه.. وحاصل فنّ الفقه: معرفة طرق السياسة والحراسة) [158].

وقد دلت التجارب التأريخية على أن الأمم عندما تنهض تحتاج إلى إصلاح ثلاثة أنظمة وأنها بدون إصلاحها لا تستطيع أن تحقق النهضة والحضارة المطلوبة، فهذه أوروبا ظلّت في ظلام دامس وفي جهل وجاهلية وخرافات عدة قرون ، إلاّ عندما قامت بما يأتي :

1- إصلاح النظام السياسي

2- وإصلاح النظام التعليمي

3- وإصلاح الدين المسيحي والكنيسة .

وبالنسبة للمسلمين فإن ديننا دين العلم والحضارة والتقدّم، ولكن تبقى الإشكالية في الاجتهادات والتأويلات والتفسيرات التي حالت في القرون الأخيرة دون جماله ورحمته وحضارته وتقدّمه؛ ولذلك نحتاج إلى التجديد الذي ذكرناه فيما سبق.

وقد بذل العلماء المسلمون في سبيل إصلاح هذه الأمور الثلاثة جهوداً طيبة يشهد لهم التأريخ ، فقد فرّق الإمام الغزالي بين العلوم التجريبية النافعة التي تدخل في نظره الفقهي في فروض الكفايات، أو فروض العين حسب حاجة الأمة.. وبين الفلسفة اليونانية والاغريقية والهندية التي تتعلق بالعقيدة وبما وراء الطبيعة (عالم الميتافيزيقيا) فرأى أن الأخيرة يجب تنقيتها فما هو صالح نافع يبقى، وما كان كفراً أو فسقاً يجب أن يُبعد، وهنا جاء كتابه (تهافت الفلاسفة) الذي كان بمثابة ضربة قاضية للفلسفة التي تتعارض مع ثوابت الإسلام ، وبمثابة شهادة وفاة لفلسفة المشائين في المحيط الإسلامي[159].

وقد كان الإمام الغزالي منصفاً حينما ذكر أن علوم الفلاسفة التي ونقلت إلى العالم الإسلامي على ستة أقسام: رياضية، ومنطقية، وطبيعية، وإلهية، وسياسية، وخُلقية، فأعطى لكل قسم حقّه، والذي قصده في كتابه (تهافت الفلاسفة) ما يتعلق بالإلهيات وما وراء الطبيعة وبخاصة ما كتبه أرسطو في الإلهيات حسبما نقل مذهبه الفارابي وابن سينا[160].

يقول الإمام ابن السبكي: (جاء – أي الغزالي - والناس إلى رد فِرية الفلاسفة أحوج من الظلماء لمصابيح السماء ، وأفقر من الجدباء إلى قطرات الماء ، فلم يزل يناضل عن الدين الحنيفي بجلاد مقاله ، ويحمي حوزة الدين ...، حتى أصبح الدين وثيق العرا ، وانكشفت غياهب الشبهات ، وما كانت إلا حديثًا مفترى...) [161] .

فقد بيّن بأن في كتب الفلسفة السائدة في عصرة ثلاث مسائل من آمن بها يصبح كافراً وهي : قِدم العالم، وإنكار البعث (اليوم الآخر) ، وان الله تعالى لا يعلم الجزئيات، كما أكد على أن فيها ثمانية عشرة مسألة تخالف أحكام الشريعة ولكنها لا تصل إلى حدّ الكفر، وإنما إلى المعصية والفسق.

يقول العلاّمة ماكدونالد[162] : (إن جهود الغزالي تتلخص في أربعة أمور:

أولاً- عاد بالناس من الجري في إثر النظريات والجدل والمنطق...، واختلاف المذاهب والطرق إلى الحياة الحقيقية، والاتصال الملابس للدين من خلال مصدرية الكتاب والسنة، بل إلى روح الدين ذاته وجوهره ولبابه، دون القشور والسطوح والأغشية، والمسائل النظرية الكثيرة المعقدة.

وثانياً- أن الغزالي في وعظه وأخلاقياته وتعاليمه النفسية عاد فأدخل عنصر الخوف والوجل في نفوس العامة، ومنادياً بأن الأمر لم يعد يستوجب الملاينة والرفق والتفاؤل، بل لقد وجب أن بيّن للناس حقيقة الجحيم، وعذابها الأليم.

ثالثاً- أن الصوفية بلغت بفضله، ونفوذه، وتأثيره مكاناً ثابتاً وطيداً في الإسلام، حيث أوضح التصوف الحقيقي ، وأنه عبارة عن الزهد وتطبيق الشريعة بحذافيرها لا غير.

ورابعاً- أن للغزالي دوراً بارزاً في تقريب الفلسفة وبحوثها الإلهية إلى إفهام الناس ، وجعلها في متناول الذهن العادي، مع أنها كانت قبله محفوفة بالأسرار، مكتنفة بالغموض والرهبة كأنها علم لاهوتي لا يدركه غير أصحابه ، والراسخين فيه، وذلك لما كان لمصطلحاتها من الغرابة على الأذهان، حتى يحتاج الإنسان في فهمها إلى الدرس المجهد، والاستظهار الشاق، ولقد كان صعباً ان يفهم المثقف العادي هذه المصطلحات الفلسفية ، حيث كانت النظريات والمذاهب والأفكار اليونانية نقلت بأكثر مصطلحاتها إلى السريانية، ثم منها إلى العربية .

فلما جاء الغزالي غيّر ذلك كله، أو حاول تغييره، فإن كتابه (تهافت الفلاسفة) لم يوضع لطلاب الفلسفة وحدهم، ولم يؤلف للباحثين خاصة ولكنه كتبه للعامة أيضاً ، وقرّب موارده، ومنهله لسائر الرواد والقاصدين[163]، ولذلك يقول أحد فلاسفة العرب: ( لا ريب عندنا في أن الذين يتهمون علماء المسلمين بفقرهم إلى الابتكار ، وانحطاط مستواهم العقلي لم يقرأوا ابن رشد، ولم يتصفحوا الغزالي، بل نقلوا هذا الاتهام عن سواهم) [164].

ثالثاً- قيامهم بفضح الباطنية والأفكار الهدّامة:

لقد ظهرت في القرن الرابع، والخامس الهجريين مجموعة من الأفكار الهدّامة ، ومن أخطرها فرقة الباطنية التي تتظاهر بأنها تأخذ ببواطن القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، فهي تدّعي أنّ لهما بواطن تجري مجرى اللُّبِّ من القشر ، ورموزاً وإشارات إلى حقائق لا يفهمها إلاّ الخواص مثل أنّ: (الوضوء) عبارة عن موالاة الإمام، و(الطوّاف بالبيت سبعاً) هو موالاة الأئمة السبعة، وهكذا[165].

وقد ظهرت الباطنية في عصر (المأمون) ثم انتشرت في  زمن (المعتصم) وعرفوا باسم (القرامطة) [166] ، ثم اشتد أمرهم في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ، وعرفوا باسم (الباطنية) او (الإسماعيلية) وسموا كذلك (الخرمية) و (البايكية) [167] .

فالباطنية تجمع كل هذه الفرق التي تعمل ضد الإسلام تحت غطاء الإسلام أو آل البيت بتأويلات باطلة وأفكار تتعارض مع الدين، والفطر السليمة.

وقد فصلّ الإمام الغزالي أحوالهم ودرجاتهم، ومراتبهم السبع من خلال كتابه (فضائح الباطنية) الذي كان حجّة الله البالغة عليهم، والبراهين الكاشفة لكفرهم وخبثهم.

ولكن قويت شوكتهم في  عصر رئيسهم الحسن بن الصباح الإسماعيلي (ت581هـ) حيث كوّنوا لأنفسهم جيشاً ، وقلاعاً وحصوناً، وتبنّوا فكرة الاغتيالات لقادة المسلمين وعلمائهم فاغتالوا الوزير المصلح نظام الملك في عام 485هـ[168].

وقد ذكر الغزالي : أنه قام بالرد على الباطنية ونحوها من الفرق الضالة في خمسة كتب أخرى غير كتابه (فضائح الباطنية) حيث يقول: ( فقد ذكرت ذلك في كتاب "المستظهري" أولاً،

وفي كتاب "حجة الحق" ثانياً،

وهو جواب كلام لهم عرض علي ببغداد، وفي كتاب "مفصل الخلاف" الذي هو اثنا عشر فصلاً ثالثاً،

وهو جواب كلام عرض علي بهمدان،

وفي كتاب "الدرج" المرقوم "بالجدوال" رابعاً،

وهو من ركيك كلامهم الذي عرض علي بطوس ، وفي كتاب "القسطاس المستقيم" خامساً ،

وهو كتاب مستقل مقصوده بيان ميزان العلوم وإظهار الاستغناء عن الإمام المعصوم) [169].

رابعاً- محاولاتهم لردّ الشُبهات وردع الفرق الضالة الأخرى:

وبالإضافة إلى الباطنية التي تجمع مجموعة كبيرة من فرق الضلال ونِحَل الفساد تحت غطاء الدين، وآل البيت فقد كانت هناك بدع وخرافات وضلالات تحت غطاء التصوّف او الانتساب إلى دعوى التعليم، أو معاملة الموسومين بالعلم بين الناس، حيث يقول الغزالي : (وقائل ثان: يدعي علم التصوف ، ويزعم أنه قد بلغ مبلغاً ترقّى عن الحاجة إلى العبادة!.

وقائل ثالث: يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة! وهؤلاء هم الذين ضلوا عن التصوف. وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول: الحق مشكل ، والطريق إليه متعسر ، والاختلاف فيه كثير ، وليس بعض المذاهب أولى من بعض ، وأدلة العقول متعارضة ، فلا ثقة برأي أهل الرأي ، والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له ، فكيف أدع اليقين بالشك ؟.

وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليداً ، ولكني قرأت علم الفلسفة وأدركت حقيقة النبوة ، وإن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة ، وأن المقصود من تعبداتـها ضبط عوام الخلق وتقييدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات ، فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف ، وإنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة وأنا بصير بـها ، مستغن فيها عن التقليد !.

هذا منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم؛ وتعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي، وهؤلاء هم المتجملون بالإسلام وربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن ، ويحضر الجماعات والصلوات، ويعظم الشريعة بلسانه، ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر، وأنواعاً من الفسق والفجور.... وإذا قيل له: إن كانت الشريعة صحيحة ، والنبوة حقاً. فلمَ تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نـهي عن الخمر لأنـها تورث العداوة والبغضاء، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك)[170].

فقد ردّ الغزالي على كل هؤلاء ودحض حججهم ، وبيّن لهم بطلان شبهاتهم من خلال النصوص الشرعية الثابتة، وقدوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآل بيته، وخلفاؤه الراشدون وصحبه الكرام حيث ازدادوا تعبداّ لله تعالى، وقد ألقى باللائمة في ذلك إلى سوء النيّات وفساد القلوب، أو الجهل، ولذلك كان ينقل كثيراً عن الشيخ الرباني جنيد البغدادي أنه دعاء له شيخه السري فقال: (جعلك الله صاحب حديث صوفياً ، ولا جعلك صوفياً صاحب حديث) فعلق عليه الغزالي بقوله : (أشار إلى أن مَنْ حصل الحديث والعلم ثم تصوّف أفلح، ومَنْ تصوّف قبل العلم خاطر بنفسه) [171].

خامساً – محاولاتهم للصلح، والنصح والإصلاح للأمراء:

 كان صلة العلماء في القرن الرابع، والخامس الهجريين بالخلفاء والسلاطين والوزراء طيبة إلى حدّ كبير، ولا سيما الوزير نظام الملك الذي قرّب العلماء وزاد في توقيرهم، وكان معظم العلماء – أيضاً – على مستوى المسؤولية ، كانوا ينصحونهم النصح الخالص، ونضرب لذلك مثالاً وأحداً، وهو الإمام أبو حامد الغزالي الذي عاصر ثلاثة من الخلفاء العباسيين ، وهم القائم بأمر الله الذي ولي الخلافة سنة (422ه – 467ه) والمقتدي الذي ولي الخلافة سنة (467ه -487ه) والمستظهر بالله الذي ولي الخلافة سنة (487ه – 512ه) حيث كانوا يستشيرون الغزالي في الأمور العظام، فقد استشاره الخليفة المقتدي بأمر الله حول توليه محمود ابن السلطان ملكشاه، حق توليه الولايات وهو صغير لم يبلغ الخامسة من عمره، وذلك بإلحاح من أمه، ومعها فتوى لبعض العلماء بالجواز، ولكن الغزالي أشار على الخليفة بعدم الجواز فأخذ به الخليفة[172] .

وكذلك نُصْحُه للخليفة المستظهر بالله وإلحاحه عليه بتوطيد العلاقة بينه وبين يوسف بن تاشفين ، حيث كان يطلب لقب أمير المؤمنين في المغرب (أي الأندلس والمغرب) وكان الخليفة يمتنع فاقترح الغزالي ان يمنح له لقب أمير المسلمين في الغرب فاستجاب الخليفة، وبذلك توحد العالم الإسلامي في عصره[173].

وقد أصدر الغزالي في ذلك فتوى بوجوب وحدة القيادة، والتزام جميع الأمراء والسلاطين بالسمع والطاعة للخليفة الإمام[174] كما أرسل رسالة نصح وإرشاد إلى ابن تاشفين بيّن فيها مسؤوليته أمام الله تعالى، ثم أمام الناس، وضرورة الالتزام بالعدل والإحسان... [175] .

كما أنه كان رسولاً ومصلحاً بين الخليفة والسلاطين عدة مرات[176] .

وكذلك كانت صلة الغزالي قوية بسلاطين السلاجقة الذين عاصرهم مثل السلطان ملكشاه الذي تولى السلطنة في عام (465هـ485ه) والسلطان سنجر بن ملكشاه الذي تولى إمارة خراسان سنة (490ه- 511ه) وغيرهما .

وقد كان الغزالي يرشدهم وينصحهم، ويرسل إليها رسائل يحذرّهم فيها من الظلم حتى قال في إحداها المرسلة إلى السلطان سنجر: (إن الظلم قد جاوز حدّه ، وأن أهالي طوس قد أصيبوا بكثير من الفتن والبلايا) ثم حذرّه من أن يطلب منهم أي مال، لأنهم لا يقدرون على ذلك[177]، كما خوّفه فيها من أن بعض المسلمين وبخاصة في طوس مصابين بالظلم القادح، وانحنت أعناقهم من البلاء، ومحنة الجوع في الوقت الذي توجد أطواق الذهب في أعناق بعض حيواناته ؟![178].

وقال في رسالة أخرى إلى سنجر: (اعلم أن هذا الداعي قضى ثلاثاً وخمسين سنة من العمر.... فرأى الدنيا على ما هي عليه، وتركهاً كلاً، وأقام مرة في بيت المقدس ، وعاهد عند مشهد إبراهيم الخليل – صلوات الله عليه – أن لا يذهب لأي سلطان ، ولا يأخذ مال السلطان ، ولا يناظر ولا يتعصب..) [179].

ويكفي أن نذكر هنا أن الرسائل التي أرسلها إلى السلاطين والوزراء خلال السنوات الثلاث الأخيرة (500هـ -503ه) من عمره قد تجاوزت أربع عشرة رسالة ، كلها نصح خالص ، وإرشاد وتوجيه ، وتبشير وإنذار بحقها، والمطالبة بالعدل[180].

وهكذا كان شيخه إمام الحرمين، والماوردي والشيرازي وابن عقيل وغيرهم من الفقهاء.

وهذا المنهج الهادئ الصادق في التعامل اللطيف مع أولي الأمر جزء مهم، وأمر مطلوب في الإسلام ، وداخل في الحكمة والنصيحة الصادقة، ولتهدئة الأوضاع ، والتفرغ لإعداد الأمة، والابتعاد عن الصراعات الداخلية التي تشتغل الأمة عن رسالتها وعن عدوّها، وتضعفها ، ضعفاً يترتب عليه التنازع والفشل.

 سادساً – معالجة التحدي الحضاري:

التحدّي الحضاري يتمثل في تضييق دائرة العلوم الشرعية في العلوم المتعلقة بالتكاليف الشرعية من الحلال والحرام، حيث واجه ذلك عدد من العلماء على رأسهم الإمام الغزالي من خلال كتابه (إحياء علوم الدين) كما سبق.

سابعاً – معالجة تحدي الجمع بين العقل والوحي:

إن تحدّي الجمع بين العقل والوحي  كان يمثل عقبة في سبيل النهوض والتقدم، بل إنه بسبب هذا التحدي تفرّق المسلمون إلى :

أ- طائفة يرون الاعتماد الكلي على ظاهر النصوص فقط ولا يهمهم بعد ذلك أنه يتفق معها العقل أم لا ، مثل ( الظاهرية ) وهذا فهم ناقص بعيد  عن مقاصد الشريعة .

ب- وطائفة أخرى يُخضعون النصوص للعقول، ويجعلونها حاكمة على النصوص كالمعتزلة ، وهذا فهم خاطئ غير متكامل ولا متوازن.

ج- وطائفة ثالثة تهمهم الشعائر التعبدية (العبادات بمعناها الخاص) والانشغال من الناحية العلمية بالعلوم التكليفية فقط، ومن الناحية القولية بالذكر والتسبيح والتهليل والتكبير، ومن الناحية العملية الاعتماد على البقاء في المسجد والتكايا والخانقاه دون أيّ عمل بل الاعتماد على ما يأتيهم من صدقات الناس وخيراتهم، فهؤلاء يظنون أنهم وقفوا أنفسهم لله تعالى .

فهؤلاء القوم يجتمع فيهم الفهم القاصر ، والمنهج الخاطئ ، والمخالفة الصريحة لسيرة سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولمنهج صحبه الكرام، حيث ذكروا الله كثيراً وتعلموا، وعملوا كل ما في وسعهم في التجارة والزراعة والصناعة ونحوها، وجاهدوا في الله حق جهاده، وأنهم إذا أدّوا الصلوات انتشروا في الأرض للارتزاق تطبيقاً لقوله تعالى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[181].

 ولا يحتج لعدم عمل هؤلاء بأهل الصفة، لأنهم كانوا من الفقراء الذين أسلموا ، وأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فلا مأوى لهم ولا أهل، فيبني لهم ظلاً بجريد النخل في مؤخرة المسجد النبوي الشريف سمي هذا المكان بـ (الصفة) أو (الظلة) ثم أدخلت في المسجد في عهد الخليفة الوليد بن عبدالملك.

 وأهل الصفة كانوا مشغولين بتعلم القرآن الكريم ، وتلقي الأحكام الشرعية والأحاديث النبوية ، ولذلك كان أبو هريرة (وهو منهم) من أكثر الصحابة حفظاً للأحاديث النبوية ، بالإضافة إلى أنهم بمثابة جيش احتياطي للدفاع عن المدينة، والمشاركة في الغزوات، إذاً فلم يكونوا مفرغين للذكر فقط، بل كانوا بمثابة كتيبة جهادية احتياطية للدفاع والهجوم ، بالإضافة إلى أنهم لم يجدوا العمل في المدينة.

 وفي نظري أن هذه الأفكار الدائرة بين الافراط والتفريط حول النقل والعقل كانت لها آثارها الخطيرة على مسيرة الأمة من حيث التقدم والتأخر، بل كانت بداية الانحدار الحضاري لهذه الأمة، فقد استطاع الرعيل الأول للأمة الإسلامية أن يحقق حضارة عظيمة خلال قرنين من الزمن، بل وصلت إلى أوجها في عصر هارون الرشيد (ت191هـ) ، وابنه المأمون (ت218هـ) ، ولكنها بدأت في الانحدار منذ انشغل المسلمون بالتنازع بين النقل والعقل.

 والتحقيق أن النقل أو الوحي بمثابة نور (أو هو نور) يضيء لنا الطريق، وهو نفسه يدفعنا نحو التعمير والحضارة، وأنه لا يمكن للعقل المستقيم أن يتعارض مع النقل الصحيح ، وكذلك النقل الصحيح الصريح لا يمكن أن يتعارض مع العقل السليم، وقد ألّف ابن تيمية كتاباً عظيماً في أحد عشر مجلداً سماه (درء تعارض العقل والنقل)، فأثبت فيه أن العقل السليم لا يتعارض مع النقل الصحيح الصريح، بل يشهد له ويؤيده، لأن مصدرهما واحد وهو الله تعالى فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل، وأن أي فكر يؤدي إلى إهمال أحدهما على حساب الآخر فهو فكر غير مستقيم[182].

 إن الغاية التي خلق الله تعالى من أجلها الإنسان تشمل تحقيق العبودية لله تعالى مع تعمير الكون في ضوء المنح المرصود ، فهذه الغاية إنما تتحقق على وجهها الأكمل بالاعتماد على العقل مع النقل .

 وبالتالي فإن دور النقل (الوحي الصحيح) هو بيان ما يحتاج إليه الانسان من معرفة عالم الغيب ، والشعائر، والأحكام الشرعية (الحلال والحرام) في أنشطة الإنسان، وأن دور العقل هو إدراكها وفهمها ، ثم التركيز على تعمير الكون والابداع فيه بالعلم النافع والعمل الصالح المصلح.

ثامناً - أثر النظام التعليمي في تقدم الأمة أو تأخرها :

 إن تجارب الأمم السابقة والحاضرة لتدل بوضوح على أن الأمة تتقدم وتتحضر بتقدم علومها وبرامجها، وأنها كذلك تتأخر وتتخلف  بتخلف علومها وبرامجها...

 ذلك لأن البرامج والمناهج العلمية هي التي تصنع الأفكار التقديمة ، وتدفع الأمة نحو التقدم والابداع ، فالعلم كان دائماً وسيظل باعث الخيرات ، ومنير الظلمات ، وهو الجسر الوحيد – بعد الايمان- للعبور إلى التقدم والنهضة ، والوسيلة الفعالة للمستقبل الزاهر المشرق ، وهو نور الله تعالى الذي يضيئ الطريق، والشعلة الوهاجة التي لا تنطفئ ، والنواة الفاعلة لصناعة الحياة..

 لذلك زود الله تعالى به آدم عليه السلام الذي جعله في الأرض خليفة، وطلب منه استعمار الأرض ، وبهذا العلم الاستنباطي القابل للزيادة ، والتطور الدائم نجح آدم في الامتحان ، وعجز عنه الملائكة لأنهم مخلوقون لأداء مهمات ووظائف أخرى ، فلم يكن اختيار آدم لمهمة التعمير والاستخلاف بسبب توقع كثرة العبادة وعدم ووقوع العصيان منه ومن ذريته ، وإنما بسبب نوعية المهمة التي اختارها الله تعالى لآدم، ولذلك قال الملائكة في جوابهم لله تعالى (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)[183] .

 وللسبب نفسه أنزل الله تعالى على رسوله الخاتم المبعوث رحمة للعالمين في أول آية ، وأول سورة الأمر بالقراءة الشاملة للكون والانسان، والكتب كلها فقال تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)[184] .

 وقد نهضت هذه الأمة الأمية بالعلم وتحققت له حضارة متقدمة شاملة خلال قرنين ، وظهرت فيها جامعات علمية متقدمة ، مثل بيت الحكمة ببغداد سنة 830م ، ثم جامعة القرويين بفاس عام 859م ، ثم جامعة الأزهر الشريف بالقاهرة سنة 970م، ثم المدارس النظامية ، وظهر فيها علماء مبدعون في مختلف مجالات العلوم والصناعات والفنون.

 وقد استطاع العلماء المسلمون ان يطوروا الأساليب العلمية والمنهجية العلمية منذ القرن الرابع الهجري حيث استطاع ابن هيثم استخدام التجريب والقياس الكمي للتمييز بين مجموعة من النظريات في كتابه (البصريات) فصحح فيه الكثير في مجال البصريات، وأثبت تجريبياً ان الرؤية تتم بسبب أشعة الضوء التي تدخل العين ، واخترع أول جهاز يشبه الكاميرا اليوم سميت (القمرة) للتدليل على الطبيعة الفيزيائية للأشعة الضوئية، كما أنه يعتبر رائداً في الفيزياء التجريبية، وفي علم نفس الإدراك البصري الذي يعتبر مقدمة لعلم النفس الطبيعي ، وعلم النفس التجريبي[185] .

 وتطورت الصناعات في العالم الإسلامي حيث تمكن المهندسون المسلمون من اختراع محركات وتوربينات المياه، والتروس المستخدمة في آلات رفع المياه ، وبناء السدود، وهكذا الأمر في مختلف المجالات وبخاصة في مجال الطب ونحوه.

 وقد شهد بعلو الحضارة الإسلامية المنصفون من علماء الشرق والغرب حيث قال المستعرب الصيني ليْ قوف فيين، وكيل وزارة الخارجية الصينية وعضو مجمع الخالدين اللغة العربية بالقاهرة : (إن الحضارة الإسلامية من أقوى حضارات الأرض، وأنها قادرة على اجتياز أي  عقبات تواجهها ، لأنها حضارة إنسانية الطابع، عالمية الأداء، ورفيعة القدر علمياً وفكرياً وثقافياً) ، ويقول  توماس أرنولد : ( كانت العلوم الإسلامية وهي في اوج عظمتها تضيء كما يضيء القمر فتبدد غياهب الظلام الذي كان يلّف أوروبا في القرون الوسطى)، ويقول تومبسون: ( إن انتعاش العلم في العالم الغربي نشأ بسبب تأثر شعوب غربي أوروبا بالمعرفة العلمية العربية، وبسبب الترجمة السريعة إلى اللاتينية) ويذكر في مكان آخر أن ولادة العلم في الغرب كان من إنجاز المكتبات الإسلامية ، ويقول روبرت بريفولت : ( إن القوة التي غيّرت وضع العالم المادي كانت من نتاج الصلة بين الفلكيين والكيميائيين والمدارس الطبية في البلاد الإسلامية...إن معظم النشاط الأوروبي في مجال العلوم الطبيعية إلى القرن الخامس عشر الميلادي كان مستفاداً من علوم العرب ومعارفهم) ويقول آدم متز في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري) : ( لا يعرف التأريخ أمة اهتمت باقتناء الكتب والاعتزاز بها مثل ما فعل المسلمون في عصور نهضتهم وازدهارهم فقد كان في كل بيت مكتبة)[186].

  وأوروبا كانت تعيش عصر الجهل والظلم والظلمات ولم تتقدم إلاّ بعد إصلاح النظام التعليمي والنظام السياسي ، والفكر الديني ، ففي عصر شارلمان الكبير حينما أهداه الخليفة هارون الرشيد ساعة صناعية[187] قال من حوله من القسيسيين والمستشارين : إنها يحركها الجن أو الشيطان فكسروها.

 ثم أخذوا المناهج العلمية لدى المسلمين وبخاصة المنهج العلمي التجريبي فتحققت الحضارة  والتقدم، ولكنهم أضافوا إضافات واخترعوا اختراعات فوصلوا إلى ما صلوا إليه اليوم.

 وهكذا اليابان ، وكوريا الجنوبية، لم تتقدما إلاّ من خلال تغيير البرامج والمناهج العلمية ، وأكبر دليل على ذلك ألمانيا الشرقية كانت في ظل الاتحاد السوفيتي تعاني من الجهل والتخلف والفقر، في حين أن ألمانيا الغربية التي خرجت مدمرة من الحربين العالميتين أبدعت وتقدمت تقدماً هائلاً.

 فالمناهج والبرامج العلمية في ظل الحرية والديمقراطية لهما تأثيرهما الفعال في  تقدم الشعوب ونهضتها وحضارتها ، والعكس أيضاً صحيح .

بين الإصلاح الديني وإصلاح التعليم الشرعي:

 تدل تجارب الأمم على مر التأريخ على أن الإصلاح الديني مرتبط بإصلاح النظام التعليمي ، وذلك لأن الأمة في غالبها مرتبطة بعلمائها ، ومتأثرة بآرائها ، فإذا كانوا قادة هداة وقدوة أتقياء ، وربانين فقهاء ، ومربين حكماء، فإن الأمة تتعلم منهم الفقه والحكمة والرشد والسداد ، أما إذا لم يكونوا كذلك فيحدث عكس ذلك بلا شك بصورة عامة .

 لا يستطيع أحد تأثير الدرس الأسبوعي الواجب على جميع المسلمين المكلفين ان يسمعوها وهو خطبة الجمعة التي يسمع لها مئات الملايين من الناس، فلو كانت الخطبة مخدومة من حيث العلم والالقاء والأسلوب والمحتوى والإخراج فكم كان لها تأثير في تشكيل العقل الإسلامي المتزن الحكيم المبدع المتحضر.

 أما لو كانت هذه الخطب كلها او معظمها لا تحمل علماً ولا فكراً ولا رأياً ، بل تحمل الكراهية والتفسيق والتكفير، أو تحمل أفكاراً صغيرة ، وقضايا حقيرة، فإن الأمة في معظمها تتأثر بما تسمع ، فكيفما تكون الخطب تشكل العقول على مقدارها ، فهي بمثابة المؤشر والمعيار لعقول قائليها والمتأثرين بها.

 والخلاصة أننا إذا أردنا إصلاح الأمة وتجديد الدين وإصلاح الفكر الديني فعلينا أولاً أن نصلح البرامج والمناهج الخاصة بالتعليم الشرعي الذي هو المحضن الحقيقي لتخريج العلماء الشرعيين والدعاة والخطباء المؤثرين ليقوموا بدورهم في الإصلاح والتجديد، والتغيير والتربية والتزكية.

التأريخ يعيد نفسه ، والصراع بين المذاهب والفرق يُحسم بالمدارس والمناهج:

 بدأ الضعف يدبّ في الخلافة العباسية منذ القرنين الرابع والخامس الهجريين عندما تمكنت الفرقة الإسماعيلية من إنشاء الدولة الفاطمية في بلاد المغرب عام280 هـ ثم قويت شوكتها بالهيمنة على مصر في عام 358هـ ، حيث ادرك مؤسسها أن استمرارهم متوقف على نشر المذهب الشيعي الإسماعيلي من خلال المدارس والحلقات والدعاة، فأنشأوا عدة مدارس لتدريس المذهب الشيعي الإسماعيلي ومنع دراسة بقية المذاهب في المناطق التي سيطروا عليها ، حتى روي أنه جلد شخص وحبس لأنه وجد معه كتاب الموطأ ويدرسه في الأزهر، ومن هذه المدارس (الجامعات) مدرسة الأزهر (جامع الأزهر) التي أنشأها المعز لدين الله الفاطمي عام 361هـ ، وقائده جوهر الصقلي ، لتكون جامعة لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي في العالم الإسلامي كما أنشأ الحاكم بأمر الله مدرسة (جامعة) سماها ( دار الحكمة عام 395هـ) كان طابعها العام لدراسة العلوم الطبيعية مع تدريس المذهب الشيعي الإسماعيلي فقط، بالإضافة إلى مدارس أخرى في جميع المدن التي سيطروا عليها[188] وبقوا في مصر وحدها أكثر من مائتي سنة حيث أسقطهم صلاح الدين الأيوبي في عام 567ه.

 وفي المشرق الإسلامي بذل البويهيون الشيعة جهودهم لنشر مذهبهم من خلال المدارس ، وشجعوا على نشر الأفكار الباطنية في سوريا والعراق، فظهر ناصر خسرو ومن بعده حسن الصباح فكوّن فرقاً للاغتيالات وحصوناً لأتباعهم، فقاموا بإثارة الفوضى في بغداد والموصل اوشكت أن تقضي على الخلافة العباسية ، ولكن الخلافة بالتعاون مع السلاجقة استطاعت أن تقضي على هذه الفوضى ، وإعادة الأمن والهدوء إليهما، ولكن الحركة الباطنية ظلت نشيطة في خراسان بل كانت الأفكار الباطنية شائعة في العراق، وفارس وغيرهما.

 ولذلك فإن الوزير العالم الرباني الحسين بن علي بن إسحاق الطوسي المشهور بنظام الملك الذي استوزره السلطان ألب أرسلان عام 455هـ ، أدرك أن المعركة لا يمكن حسمها عسكرياً ، وإنما الحسم يكمن في الحسم الفكري من خلال نشر المدارس النظامية لنشر الإسلام الصحيح ، فأقنع السلطان بذلك، ووضع ميزانية كبرى لتحقيق هذا الهدف، فبنى مدارس كبرى - وهي جامعات في حقيقتها - في معظم البلاد المؤثرة أو المتأثرة بالفكر الشيعي والباطني، في العالم الإسلامي  في ذلك الوقت ، يقول الإمام تاج الدين السبكي في طبقاته : ( وبنى مدرسة ببغداد ، ومدرسة بأصبهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بأمل طبرستان، ومدرسة بموصل، ويقال : إن له في كل مدينة بالعراق ، وخراسان مدرسة ، وله بيمارستان نيسابور ، ورباط ببغداد)[189] وكانت لكل مدرسة (جامعة) ميزانية ضخمة تصرف عليها فنجحت نجاحاً منقطع النظير.

 ولما أدرك الباطنية خطورة هذا الوزير اغتالوه في ليلة الجمعة العاشر من شهر رمضان عام 485هـ ، ومن أقواله حينما عاتبه السلطان بأنه يصرف معظم أموال بيت المال على المدارس ، ردّ عليه : بهذه المدارس تُثبّت السلطنة، ويُمَّكن مذهب أهل السنة وتتقدم الدولة[190].

وقد استهدف نظام الملك تحقيق الأهداف الآتية:

1- إعداد أكبر عدد ممكن من العلماء في المذهب السني لحماية مذهب أهل السنة والجماعة ، ولنشره في جميع الأقاليم.

2- محاربة الفكر الباطني المتطرف بالفكر السني المعتدل وكما يقال (لا يفلّ الحديد إلاّ بالحديد) .

3- إنشاء جيل من المعلمين ليقوموا بتعليم الأمة دينهم الحق.

4- تهيئة قادة المستقبل الجامعين بين العلوم الشرعية والعلوم النافعة في عصر نظام الملك، ليكونوا قادة المستقبل، وضمن الموظفين في دواوين الدولة ومؤسساتها ، حيث كان هناك نقص كبير في هذا المضمار.

 وقد أولى نظام الملك عناية كبرى بالمنهج والبرنامج وبالمناطق الجغرافية والبيئية المناسبة ، وكان من نتاج هذه المدارس نور الدين الزنكي ووالده، وصلاح الدين الأيوبي، والعلماء الذين كانوا حوله أمثال القاضي الفاضل ، والقاضي الحكاري ، وابن شداد من العلماء المجاهدين الملتفين حول صلاح الدين الأيوبي المجاهد العالم .

 وهكذا حينما قضى صلاح الدين على الدولة الفاطمية عام 567هـ عَلِمَ عِلْمَ اليقين بان هذا وحده لا يكفي بل لا بدّ من إزالة الفكر الشيعي الإسماعيلي بفكر صحيح، فحوّل جامعة الأزهر من جامعة رافضية اسماعيلية إلى جامعة سنيّة ، ولكن ذلك لم يكن سهلاً، فتركها فترة، وأنشأ خمساً وعشرين مدرسة (جامعة) في القاهرة وحدها لدراسة العلوم الشرعية والمذاهب الفقهية من الشافعية ، والحنفية، والمالكية ، بالإضافة إلى تدريس العلوم الأخرى، وفعل مثل ذلك في جميع البلاد التي حكمها الاسماعيليون كما بنى صاحبه العالم المجاهد الرباني القاضي الفاضل بأمر من صلاح الدين جامعة عام 580هـ لدراسة العلوم الشرعية وألحق بها مكتبة ضمّت مائة ألف مجلد من مختلف العلوم والمذاهب والفنون.

 وكل هذه المدارس تركز على المذهب السني والقضاء على معالم المذهب الإسماعيلي الباطني ، بالإضافة إلى العلوم الأخرى.

 وقد نجح صلاح الدين ومَنْ معه من العلماء من خلال هذه المدارس التي نشروها في جميع المناطق والأقاليم التي كانت تحت سلطانه، ومن خلال إرجاع علماء المالكية الذين فرّوا من بطش الفاطميين إلى ديارهم لنشر المذهب المالكي، وساعده في ذلك سعة صدره وعدم تعصبه لمذهبه، حيث أمر بنشر المذهب المالكي في جميع المناطق التي كان مطبقاً فيها قبل ظهور الدولة الفاطمية، ولم يوافق على منافسته بمذهب آخر، لأن ذلك كان أدعى لعودة مذهب أه السنة إلى هذه الديار.

الحسم بالمدارس والمناهج:

 من خلال العرض السابق الموجز البسيط تبيّن لنا بوضوح جليّ أن المدارس والمناهج هي التي نشرت المذهب الإسماعيلي ومكنّته ، وهي نفسها نشرت المذهب البويهي الشيعي في المشرق، وبالمقابل فإن المدارس النظامية وغيرها والمدارس الصلاحية (نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي) وغيرها هي التي حسمت المعركة لصالح المذهب السني ومكنّته في المشرق والمغرب.

 فعلى سبيل المثال لم يبق للمذهب الإسماعيلي أيّ أثر في جميع المناطق التي هيمنت عليها الدولة الإسماعيلية بعد سقوطها ، حيث قضت المدارس الصلاحية عليه، وكذلك استطاع نظام الملك من خلال مدارسه أن يقضي على المذاهب الباطنية التي انتشرت في خراسان والعراق ونحوهما.

 إذن فالمعركة تحسم بالفكر والفكر الصحيح يتمّكن وينشتر من خلال المدارس الموجهّة المبرمجة الهادفة الهادية الهادئة .

واليوم تقوم إيران بنشر المذهب الشيعي عن طريق المدارس والجامعات، وأخذ آلف الطلبة من العالم السنيّ للدراسة إلى إيران.

دور المدارس في إعداد علماء مجاهدين وقادة مجاهدين علماء:

تبيّن لنا مما سبق أن المدارس النظامية – مع العلماء – قد أدت دوراً  عظيماً في بناء العقيدة الصحيحة ، ودحض العقائد الباطلة، وغرس القيم الصحيحة من خلال تزكية النفوس والقلوب، وتربية الأرواح وتوجيه العقول إلى مجالاتها في التعمير والاستخلاف، والإبداع ، ونحو الحكمة والقدرة على انتقاء ما فيه الخير والمنافع والمصالح للأفراد والأمة.

وشاركت في هذه النهضة فيما بعد مدرسة الشيخ عبدالقادر الجيلاني حينما تسلمّت زمام القيادة لحركة الإصلاح والتجديد والتزكية والتربية عام 528هـ، حيث بذل الشيخ الجيلاني فيها ثلاثة وثلاثين سنة حتى وفاته في 561ه وأصحابه وتلامذته جهوداً كبيرة في نشر رسالة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإعداء علماء المستقبل، وفي تنسيق العمل الإسلامي بين المدارس السنيّة المختلفة، ووضع المناهج للعمل التربوي والدعوي، وقد تخرّج منها عدد من القيادات البارزة الذي أصبحوا مصاحبين ومستشارين لصلاح الدين الأيوبي[191] .

دور عامة الناس من خلال الأوقاف:

وبالإضافة إلى المدارس السابقة فإن عامة المسلمين من القادرين على العطاء لم يألوا جهداً في نشر العلوم وفتح المدارس الكبيرة، والمتوسطة، والصغيرة في المدى والقرى والأرياف بالعراق، والشام، ومصر، والمغرب، ولبنان والجزيرة واليمن، حيث أحدثت حركة  علمية داخل العالم الإسلامي مكملة لدور الإمام الغزالي والجيلاني فتأثرت بمناهجهما مما أبعد هذا التأثر الصراعات بينهما وبالتالي تفرّغت للتعليم الجادّ ، والتربية والتزكية.

دور النساء:

وكان دور النساء المسلمات عظيماً في التعليم وفي الأوقاف بصورة عامة وفي الوقف الخاص بالتعليم والصحة بشكل خاص، حيث قمن بأوقاف عظيمة لصالح طلبة العلم والعلماء، وإنشاء مدارس ضخمة كثيرة كنات جامعات علمية في حقيقتها.

وكذلك نجد حركة توعوية بينهنّ بشكل كبير، ويكفي للاستدلال على ذلك أن صلاح الدين الأيوبي حينما ذهب إلى مدينة آمد (دياربكر) لتجهيز الجيوش لتحرير القدس جاءت إليه مجموعة من وجيهات المنطقة وسلّمتهُ قارورة من العطر، وقلن له: نحن نساءُ آمد ومن حوله ، عَصَرْنا مِنْ أحسن الزهور والورود خلاصتها في هذه القارورة ونُحملكها أمانة لتغسل بعطرها المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

، فلما رأي صلاح الدين الأيوبي هذا الموقف بكى وسجد شكراً لله تعالى أن في أمته مثل هؤلاء النسوة اللاتي لم ينسين قضية القدس الشريف.

اجتماعات التنسيق بين العلماء في بغداد وفي مواسم الحج:

 إن العلماء بعد احتلال القدس عام 492ه بذلوا جهوداً كبيرة مع الخليفة، والسلاطين المتشاكسين على الحكم لتحريكهم نحو تحرير القدس الشريف.

ولكن حينما رأوهم مشغولين بأنفسهم وجهوا جهودهم لتهيئة الأمة وإعدادهم للنهوض والقيادة، لذلك كانوا يجتمعون للتشاور والتنسيق والتعاون منذ عام 546هـ ، حيث انعقد أول اجتماع لهم في المدرسة القادرية، وحضره كبار علماء العراق وغيره، ثم اجتمعوا في الحج على مستوى القيادات الدينية التي جاءت إلى الحج، وممن ذكرهم التأريخ حضورهم : الشيخ عبدالقادر الجيلاني من العراق، والشيخ عثمان بن مرزوق القرشي من مصر، والشيخ أبو مدين من المغرب، وعدد من مشايخ اليمن وغيره من العالم الإسلامي، ثم تلاه اجتماع آخر لتكوين قيادة واحدة[192] : دينياً اختاروا الجيلاني رئيساً وقطباً، وحوله اثنا عشر عالماً وشيخاً من مساعديه، وسياسياً اختاروا نورالدين الزنكي ، وثم صلاح الدين الأيوبي، حيث وجدوا الأمل فيهما، فوجهوا العلماء والمجاهدين نحوهما ليكونوا معهما .

وقد لعبت مدارس الجيلاني دوراً آخر وهو : إخراج أهل الطرق من عُزلتهم ، حيث جاؤوا إلى المدرسة القادرية فتعلموا الزهد الحقيقي، والفقه والسلوك والجهاد، والرباط، فذهبوا بعد إجازة العلم والسلوك إلى الثغور للجهاد والرباط، وليس للقعود في المساجد والتكايا، ولذلك نشطت حركة الجهاد مع حركة التعليم،  وحركة التزكية والتربية فأصبح النفير إلى الجهاد بصحبة التفقه في الدين تطبيقاً لقوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)[193] يقول د. علي الصلابي : (ومن أهم تلك النتائج على الإجمال : تأكد للمسلمين أن جركة الجهاد الإسلامي وصلت سن الرشد ، وتجاوزت المراهقة السياسية والعسكرية ...) [194].

دور الدولة الزنكيّة :

 إن حركة الجهاد الإسلامي قد بلغت مرحلة النضج بسبب الجهود التي ذكرناه، لذلك استطاع عماد الدين – بفضل الله تعالى- أن ينتزع إمارة الرها التي أسسها الصليبيون منذ عام 491ه، حيث فتحها عام 539ه.

وقد بذل عماد الدين الزنكي جهوده لتوحيد جهود المسلمين، حيث نسّق أمور الجهاد والتحرير مع كل من مودودين التونتكين خلال الأعوام 502ه – 507ه ، وايلغازي ، وبلك الآرتقين 518ه – 520ه .

وبذلك مهد عماد الدين الزنكي الطريق لقادة التحرير بعده، حيث واصل الطريق نفسه في الجهاد والتوحيد ابنه البطل المجاهد نورالدين الذي أصبح أميراً لحلب، وأخوه سيف الدين غازي الذي أصبح أميراً للموصل، فتعاهدا على الوحدة والجهاد ضد الصليبيين .

وقد اتخذ عماد الدين وابنه نورالدين قدوتهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم في عمر بن عبدالعزيز، فالتزما بتطبيق الشريعة بعدل وإحسان، ومنع الظلم والمحرمات والفواحش ، وبالزهد الحقيقي والتقشف.

والتزما كذلك بمنهج أهل السنة والجماعة، حيث استفادا من خريجي المدارس النظامية والقادرية لتثبيت مذهب أهل السنة والجماعة، ودحض بقية المذاهب البطنية والمنحرفة .

دور صلاح الدين الأيوبيّ :

 ولا يخفى أن صلاح الدين الأيوبي كان له الدور الأعظم في إعداد الأمة لمعركة المصير المتمثلة في تحرر القدس الشريف وبقية الأراضي الإسلامية، فقد جنى ثمار العلماء السابقين والمدارس النظامية، والقادرية، واستثمرها لصالح مشروعه الواضح، بالإضافة إلى أنه كان الحلقة المستكملة لجهود نور الدين الزنكي، وعماد الدين الزنكي.

نستطيع أن نجزم بأن صلاح الدين الأيوبي تبنّى مشروعاً واضحاً في الرؤية، ومحدداً في الأهداف، و متكاملاً في البرامج والوسائل والأدوات، وهو مشروع اقتضت الضرورة وجوده في مقابل مشروعين خطيرين هما: المشروع الصليبي ، والمشروع الباطني الإسماعيلي الشيعي المتمثل في الدولة الفاطمية في مصر والغرب الإسلامي ، وهذان المشروعان يلتقيان في بعض الأهداف ، منها :

  • كلاهما يعمل داخل الأراضي الإسلامية
  • وكلاهما يقوم على تفكيك السلطة الإسلامية السنيّة المتمثلة بالخلافة العباسية في بغداد، والإمارات السنيّة التابعة لها، فكلما ضعفت هذه السلطة يكون هذا الضعف لصالح المشروعين .
  • كما أن كليهما يستهدف التمدد والتوسع، ولا يكتفيان بما اكتسبا، وهنا يأتي الصدام ، فتتعارض مصالح أحدهما عن الآخر فيحدث الصراع، وهنا استفاد نورالدين ، ثم صلاح الدين من هذا الصراع الذي أضعف المشروعين .

معالم مشروع صلاح الدين الأيوبيّ :

نستطيع أن نذكر معالم مشروع صلاح الدين الأيوبي بإيجاز شديد من خلال ما يأتي:

أولاً – اسم المشروع :

1- أراد أن يكون باسم (الإسلام) وليس باسم آخر .

ومع تبني صلاح الدين نُصرة أهل السنّة والجماعة لكنه لم يرد أن يُثير الخصومات المذهبية والطائفية، لتتجه الجهود والطاقات نحو الأهداف الكبرى ، ولتتحقق تعبئة الأمة نحو التحرير.

2- اختار لأعدائه اسم (الفرنجة)[195] أو أكد على هذا الاسم دون (الصليبيين) أو (الحروب الصليبية) كما كانت شائعة لديهم، وذلك ليكون المشروع رسالة إلى النصارى والمسيحين في العالم وبخاصة في المناطق الإسلامية إلى أنه لا يحارب الدين المسيحي من حيث هو، وإنما يحارب المحتلين الذين جاؤوا من الخارج، وهذا هو الذي قال مثله الشيخ المجاهد أحمد ياسين، فقال : إنني أحارب مَنْ احتل أرضي وداري مهما كان دينه .

فأراد صلاح الدين التأكيد على أن هذه الحرب ليست لخدمة المسيحية، وإنما هي حرب استعمارية استغل فيها اسم المسيح عليه السلام، والصليب، فهذه رسالة ذكية وواقعية وإعلامية ممتازة يجب أن تستثمرها الأمة.

ثانياً- معالم المشروع:

يمكن أن نوجز معالم مشروعه فيما يأتي:

أ- من التوحيد إلى التحرير ، أي أن الأولوية الأولى لتوحيد الأمة من حيث المناهج والعقائد والثوابت، ومن حيث السياسة والإمارة والقوة، فركز صلاح الدين ومَنْ معه من العلماء والقادة على هذه الجبهة بشقيّها أي توحيد الأمة في هويتها وعقديتها ، وثوابتها ، ولذلك حارب الباطنية والإسماعيلية وجميع الطوائف المنحرفة ، وتوحيد الأمة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً .

ب- تجميع القوى والمذاهب السنيّة لصالح التوحيد ، وتوحيد المدن والبلدان والإمارات، حتى شملت سلطته مصر، والغرب الإسلامي ، والسودان ، وسوريا والعراق، ومعظم مدن تركيا الحالية، واليمن.

ج- حسن العلاقة مع الخلافة ببغداد، وإعادة الهيبة إليها .

د- بناء قوة عسكرية والعناية بالصناعات الحربية ، وبالقلاع ، وحركة التواصل والمواصلات .

ه- القضاء على الدويلات المتناثرة في بلاد الشام، وتحقيق  الوحدة بين مصر والشام، والجزيرة العربية.

و- إسقاط الدولة الإسماعيلية أو العبيدية التي سمّت نفسها بالفاطمية، وإثبات عدم ثبوت نسبهم إلى سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام، والقضاء على أفكارهم، وعلى جميع الوسائل التي نشرت مذهبهم .

ز- بذل جهود مضنية جداً في إعادة مذهب أهل السنّة والجماعة إلى جميع المناطق التي حكمها الفاطميون حوالي قرنين من الزمن.

ح- الاستعانة بالفقهاء والمحدثين وأهل الفكر والعلم في القضاء على الأفكار الهدامة ، وفي تثبيت منهج أهل الحق، حتى طلب من القاضي الفاضل أن يضع خطة للقضاء على المذهب الباطني وجميع الفرق المنحرفة، فوضعها ، ونفذّها صلاح الدين الأيوبي حتى وفقه الله تعالى لجعل جميع المناطق سنيّة خالصة.

2- من العلم والاجتهاد إلى الجهاد، فكما سبق فقد بدأت نهضة علمية منذ عهد نظام الملك، ثم الجيلاني ، وكان لها آثارها الكبيرة في الإصلاح والتغيير، وتعبئة الأمة نحو الجهاد والتحرير.

أ- فقد أدرك صلاح الدين الأيوبي أن الوحدة السابقة بشقيّها ، والجهاد والتحرير لن تتم بصورة صحيحة إلاّ بالعلم والاجتهاد، فالأمة الجاهلة غير قادرة على المواجهة وتحقيق الاستخلاف ، لذلك أولى لها صلاح الدين عنايته القصوى ، واستفاد من علماء المدرسة النظامية والقادرية، وجعلهم مستشارين .

ب- التعاون والوحدة الشاملة بين القادة العلماء، والعلماء المجاهدين أمثال القاضي الفاضل ، وابن شداد، والقاضي الهكاري وغيرهم  من كبار العلماء رحمهم الله جميعاً.

ج- صلاح الدين الأيوبي كان عالماً فقيهاً محدثاً ولذلك عرف قيمة العلماء .

د- استقلالية العلماء ، فخصص لهم – مع أستاذه نورالدين الزنكي- أوقافاً خاصة بالعلماء سُميت بـ (الإرصاد) .

ه- بُنيت في عهد نورالدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي المئات من المدارس الكبرى ، والصغرى، والمتوسطة في الشام والعراق ، واليمن، فقد خصص صلاح الدين جهده لبناء مدارس علمية في مصر، والغرب الإسلامي وبخاصة في المناطق التي حكمها الفاطميون الاسماعيليون حتى يتم نشر مذهب أهل الحق بالكامل.

و- شملت النهضة مختلف العلوم ولم تكن خاصة بعلوم الشريعة فقط .

3- العناية القصوى بالاقتصاد والمال والاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء.

4- العناية بعلاج الحالات الاجتماعية والتخفيف من الفقر والبطالة.

5- الانطلاق من الزهد والطُهر والشفافية إلى شغاف القلوب وحبّها، حيث كان صلاح الدين الأيوبي ومَنْ معه زاهدين، لم يكن همهم الجمع من متاع الدنيا ، فانشغل طوال عمره بالجهاد وأمور الدولة والأمة، ولمّا مات لم يترك إلاّ بضعة دراهم ودينارين فقط مع أنه كان عليه دين كبير لخدمة جنده وشعبه رحمه الله .

6- تبني فكرة التدرج مع الدولة الفاطمية، وحتى في حربه ضد الصليبيين.

7- تبني فكرة الإصلاح للمجتمع ، والتغيير نحو الأحسن .

8- العناية القصوى ببناء الإنسان القويّ بعقيدته وشريعته وأخلاقه، وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

9- مراعاة سنن الله تعالى في حركة الإصلاح والتغيير والتحرير .

10- العناية القصوى بتزكية القلوب والنفوس، والارتقاء بالأرواح، وغرس قيم العدل، والإحسان والإتقان والإبداع في العقول، والقدوة في السلوك والأخلاق.

خلاصة مشروع خارطة الطريق الحالية:

إن الله تعالى أمرنا بأن نأخذ العبر من الوقائع والقصص والتأريخ ، فقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[196] كما أمرنا بأن نستنبط ونكتشف سنن الله تعالى المبثوثة في كتابه المقروء (القرآن الكريم)، وفي كتابه المنظور (الكون) وفي عواقب السابقين من الأبرار الصالحين ، والطغاة والظالمين، فقال تعالى : (قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)[197] وقال تعالى : (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ)[198] .

وإذا أردنا الاستفادة مما سبق فإننا نُلخص خارطة الطريق لتحرير القدس الشريف فيما يأتي:

أولاً – بذل كل الجهود الممكنة لتحقيق أربعة شروط أساسية لنهضة الأمة ، وهي : الإصلاح ، والتغيير، والاتقان والإبداع، والتجديد – كما شرحناه - ، وهذا يتطلب وضع الخطط والبرامج لتحقيق ذلك..

ثانياً- العناية القصوى بالشباب، والسعي الجاد وبذل كل جهودنا لصناعة جيل قويّ مؤمن  صاعد لديه القدرات العلمية والتقنية والاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والأسلحة وكل ما يحتاج إليه .

ثالثاً- إصلاح النظام التعليمي ، وذلك بإصلاح برامجه ومناهجه ، وأهدافه وغاياته، وكتبه، ومعاييره، حتى يتحقق به جيل عالم قوي في جميع التخصصات.

ويرتبط بهذا الإصلاح إصلاح الفكر الديني والاجتهادات التي ظهرت خلال القرون الأخيرة التي لا تتفق بعضها  مع النصوص الثابتة، أو المنظومة المقاصدية.

ومع ضرورة هذا لإصلاح يجب بذل كل ما في وسعنا لنشر المدارس والجامعات التي تُعدّ الرجال والنساء، وتبني علماء المستقبل في جميع التخصصات التكليفية والكونية والإنسانية، والأهمّ هنا هو : وضع المناهج التي تُخرِّج علماء مبدعين في مختلف المجالات والعلوم.

رابعاً- السعي لتحقيق شروط النصر في الرجال المنتصرين في الوعدين اللّذين ذكرهما القرآن الكريم في سورة الإسراء ، كما سبق .

خامساً- الانطلاق بكل طاقات الأمة نحو وحدة الأمة بجوانبها الثلاثة، كما فعل صلاح الدين الأيوبي، وهي :

أ- الجانب العقدي والفكري ، بحيث تصل الأمة إلى الاجتماع على ثوابت العقيدة وأصولها ، وثوابت الشعائر، والأخلاق والمعاملات، والسياسية، وعلى الأقل توحيد البيت السنيّ على الثوابت.

ب- ضرورة التسامح في الاختلافات الفكرية أو الفقهية، والسياسية مادامت في غير الثوابت والأصول التي تدخل مما عُلِمَ في الدين بالضرورة.

وفي اعتقادي القائم على العلم أن جميع الخلافات الموجود ة بين أهل الحديث أو السلفيين في عصرنا ، وبين الأشاعرة والماتردية هي فقط  اختلافات في التأويل والفروع (وهو اختلاف مقبول) وليست في الأصول ، فقضية الاختلاف في الصفات الفعلية مثل الوجه، أو اليدين اختلاف وترجيح بين تأويلين، فالأشاعرة وَمنْ معهم يقولون: المراد بالأيدي المنسوبة إلى الله تعالى هي القوة لأنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[199]، وأهل الحديث أو السلفيون يقولون : له وجه ، أو يد ليس كوجهنا أو يدنا ويستدلون أيضاً بقوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[200] ، وهذا أيضاً تأويل ؛ لأن الوجه في اللغة العربية هو الوجه المعروف ، وبالتالي حينما تحمله على معنى آخر فقد أولته ، نعم قد يكون أحد الترجيحين أولى ، وبالتالي فيجب أن يبقى الخلاف في دائرة (الأولى) وليس في دائرة (التكفير والتبديع والتضليل).

وبعبارة موجزة: إذا لم نُرتب بيتنا السُّني وُنوَّحِدّ بين مكوناته فلنْ نستطيع ان نعمل شيئاً يُذْكر، بل سننشغل بأنفسنا ونزداد ضعفاً .

وهذا ما رأيناه من خلال هذا الجدل والعقدي الذي وصل إلى التكفير والتضليل لأكثر من 95% من هذه الأمة، فإذا وَحّدْنا ثوابتنا العقدية فحينئذ نستطيع أن ننطلق إلى معالجة العقائد المنحرفة والأفكار الضالّة والمنتشرة في عالمنا الإسلامي .

ج- توحيد الدول والأحزاب السياسية، ولو بالتدرج.

ولذلك نحتاج إلى وضع خطة استراتيجية شاملة لتوحيد أمتنا الإسلامية في أهدافها وغاياتها ومشروعها ، فأملنا وغايتنا أن تصل أمتنا إلى تحقيق الوحدة الاندماجيّة لتصبح قوة واحدة ، وهذه الغاية يمكن الوصول إليها بالتدرج .

سادسا- بناء القوة الإسلامية العلمية والعسكرية والتقنية ، والإعلامية ، والصناعية ، والزراعية، فليس هناك حقّ يُسترد بدون القوة، فمهما كان المنطق قوياً، فلا تأثير له يُذْكر من دون القوة ، فعالمنا اليوم يقوم على منطق القوة، وليس على قوة المنطق .

سابعا- تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجالات الغذاء والدواء، والصناعات بمختلف أنواعه بل يجب أن يكون لدينا فائض.

ثامنا- تحقيق جبهة عريضة من القوى العالمية المناهضة للاحتلال والاستعمار، وكسب العلاقات، والأصدقاء، وتقليل الأعداء وحصرهم في المحتلين لدينارنا والمضرّين بأمتنا وديننا وثرواتنا، واستثمار الإعلام بجميع أنواعه لفضح جرائم الصهاينة المحتلين لتحقيق ما قاله ربّ العالمين في وعد الآخرة (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ)[201] كما سبق.

تاسعا -إصلاح النظام الاقتصادي والاجتماعي نظريا وعمل فالأمة الفقيرة والمحتاجة تنشغل بقوت يومها في الغالب

عاشراً- إصلاح النظام السياسي، وذلك بالسعي بجميع الطرق لإصلاحه ؛ لأنه بدونه لن تتمكن الأمة من تخفيف أهدافها .

فتلك عشرة كاملة ، وكل واحد منها يحتاج إلى خطة كاملة .

فأملنا كبير أن يولي العلماء الباحثون في مختلف التخصصات، ويساعدهم كذلك الخبراءالاستراتيجيون العناية القصوى بهذه البنود لوضع الخطط التطبيقية المناسبة .

معالم مشروع الوحدة:

ذكرنا في البند الخامس (الوحدة) ولكن لأهميتها نفصل فيها بعض الشيء من خلال :

أولاً – الوحدة فريضة في الإسلام:

إن الوحدة فريضة شرعية، وضرورة عقلية للبقاء، والنهوض والانتصار والتحضر والازدهار، ولا نجد ديناً أولى لوحدة الأمة  عناية قصوى مثل الإسلام، حيث جعلها فريضة شرعية فأمر بها في آيات وأحاديث كثيرة ، بل سماها بالإيمان ، والتفرق بالكفر فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[202] فمعظم المفسرين فسروا قوله تعالى (بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) أي بعد وحدتكم (كَافِرِينَ) أي متفرقين (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ) تتفرقون[203] .

وقد ربط الله تعالى فشل الأمة - حتى الصحابة الكرام - بالتنازع في ثلاث آيات فقال تعالى : (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[204] وقال تعالى في شأن غزوة أُحد: (... حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ... )[205] وقال تعالى: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ..)[206]  ولذلك أمرنا الله تعالى بالاعتصام بحبله المتين فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[207] قال ابن كثير: (أمر الله تعالى في الآية الكريمة بالجماعة ونهاهم عن الفرقة..)[208].  

ثانياً- توحيد الله، وتوحيد الأمة والكلمة:

لو تدبرنا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لتوصلنا إلى أن هذا الدين العظيم الذي هو مكمل الأديان تنحصر مقاصده الأسمى في توحيد الله تعالى وما يقتضيه من الإيمان بصفاته وبرسله وكتبه، وتعبده حق التعبد، وفي توحيد الأمة وكلمتها على الحق والتعاون على البرّ والتقوى ، يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله : (وأول مقصد للإسلام، ثم أَجَلُّهُ، وأخطره توحيد كلمة المسلمين، وجمع قلوبهم على غايةٍ واحدة؛ هي إعلاء كلمة الله، وتوحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية)[209] وقد روى مسلم بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا. فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تَفرَّقوا. ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)[210].

والنصوص الشرعية من الكتاب والسنة حول حرمة الفرقة وخطورتها أكثر من أن تحصى في هذه العجالة[211].

وهذا الذي أكده القرآن الكريم أثبتته الوقائع والتجارب على مرالتأريخ، حيث لا يمكن إحراز أي تقدم على مستوى الأمة إلاّ من خلال وحدة الأمة ، أو على الأقل تعاونها وعدم تفرقها وانشغالها بأنفسها ، يقول الشاعر:  

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا *** وإذا افترقن تكسرت أفرادًا

ولذلك كان – ولا يزال – شعار المختلين الطامعين (فرّق تسد).

ثالثاً- مسوغات الوحدة ومقوياتها:

1- إن الأمة الإسلامية تتوافر في داخلها وذاتيتها الوحدة من حيث وحدة العقيدة ، ووحدة الشعائر، والشرائع، والمشاعر، ووحدة الجغرافية ، والمصالح ، ووحدة التأريخ والتراث، بل توارث الأنبياء جميعاً، حيث إن الله تعالى حينما ذكر معظم الأنبياء في سورة الأنبياء عقب على ذلك مخاطباً هذه الأمة بقوله تعالى : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)[212] ثم أكد الجملة بنفسها في سورة المؤمنون فقال تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)[213].

2- إن الوحدة خير وبركة وقوة، والفرقة شرّ ومحق وضعف وفشل وهوان.

3- بدون الوحدة لن تستطيع الأمة مواجهة التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية ، ولا سيما في عصرنا الحاضر.

4- بدون الوحدة لا يمكن لأمتنا التحرر من التبعية الفكرية والثقافية ، والاقتصادية، والعسكرية وغيرها.

5- الوحدة وحدها تؤدي إلى تحقيق الأخوة الإيمانية وتقضي على العصبيات الجاهلية القبلية والقومية .

رابعاً- معالم هذا المشروع:

أقول: (معالم) لأن مشروع الوحدة يحتاج إلى خطة استراتيجية شاملة يعتكف عليها الخبراء والعلماء من جميع التخصصات المرتبطة بها، ويساعدهم أهل التجارب والخبرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والقانونية.

إن معالم هذا المشروع – بإيجاز شديد - تكمن فيما يأتي:

(1) الوحدة الثقافية والفكرية، وهذا يقتضي بذل كل جهود العلماء والمصلحين والمفكرين والسياسيين للوصول إلى وحدة ثقافية وفكرية على الثوابت العقدية، والفكرية والهوية، وهذا يقتضي التوجيه بكل الإمكانيات المتاحة نحو:

أ- إصلاح النظام التعليمي من حيث المناهج والأهداف والآليات والأدوات والمعايير بدءاً من الروضة والمدرسة الابتدائية ، والاعدادية إلى الجامعة بدراساتها الخاصة بالمرحلة الأولى ، والمرحلتين: الماجستير والدكتوراه.

فالتعليم بمناهجه وبرامجه من الروضة على الجامعة هي التي تحسم المعركة، ولذلك يجب أن تكون الأولوية لإصلاح النظام التعليمي، بل تطويره.

ب- إصلاح الإعلام بجميع أنواعه ، وتطويره، فدور الإعلام لا يقل – بجميع أنواعه المرئية، والمسموعة، والمقروءة، وأدواته ووسائله المعاصرة من شبكات التواصل الاجتماعي مثل التويتر، والفيسبوك – عن دور التعليم ، فيجب أن توضع له مناهج وبرامج تساعد تحقيق الوحدة وليس على الفرقة .

ج- تطوير وسائل الدعوة والخطبة والوعظ لتكون مؤثرة تأثيراً ايجابياً، ومواكبتها للعصر ، ومقبولة لدى الشباب وغيرهم.  

(2) المستهدف من الوحدة ، من خلال توحيد البيت السنيّ وما هو الأقرب إليه جداأولاً وهم الإباضية والزيدية، فيجب أن تكون هذه هي الخطوة الأولى ، ثم بقية الطوائف المسلمة 0

(3) الوحدة الاقتصادية:

أثبتت التجارب السابقة وبخاصة تجربة أوروبا أن الاقتصاد يعدّ مدخلاً ممتازاً ليس للوحدة الاقتصادية، وإنما للوحدة السياسية ، فقد أثبتت السوق الأوروبية جدارتها في توحيد معظم الدول الأوروبية سياسياً وبرلمانياً بالإضافة إلى وحدة العملات والسياسات العامة المشتركة ، فقد اجتمعت ست دول أوروبية[214] في إيطاليا عام 1951م  على إنشاء وحدة اقتصادية بين دولهم ثم تمخضت الدراسات والمناقشات عن معاهدة روما بالتشاور رسمياً في 25/03/1957م السوق الأوروبية المشتركة ، ثم انضمت إليها بقية الدول، وقد استهدفت السوق الأوروبية المشتركة مجموعة من الغايات ، منها: تحقيق التكامل الاقتصادي، وتقويته ، والحفاظ على السلام والحرية ، وإرساء الأساس لاتحاد أوثق من أي وقت مضى بين شعوب أوروبا من خلال :

- إنشاء اتحاد جمركي مع التعريفة الخارجية المشتركة

- سياسات مشتركة لقطاع الزراعة ، والنقل والتجارة .

- توسيع المجموعة الاقتصادية الأوروبية لتشمل كل أوروبا[215].

ونحن هنا نستطيع أن نخطو خطوات عملية نحو وحدة العالم الإسلامي اقتصادياً ، من خلال ما يأتي:

أ- قيام الحكومات الإسلامية القادرة ، والمؤمنة بوحدة الأمة  بما يأتي:

1-قيام مجموعة من الدول الإسلامية بسوق إسلامية مشتركة مستفيدة من تجربة السوق الأوروبية المشتركة 0

2- إنشاء صندوق إسلامي كبير ، بجانب البنك الإسلامي للتنمية، ومكمل له ولأهدافه يقوم هذا الصندوق بالاهتمام الأكبر بالتعليم، والصحة ، وتمليك أدوات الإنتاج في ضوء مشروع (كاف) للتنمية الذي سنشرحه فيما بعد ، إن شاء الله .

3- تطوير غرفة التجارة والصناعة الإسلامية وتفعيلها لتقوم بدورها في تحقيق التكامل الصناعي والتجاري، والزراعي ، والسياحي.

4- تقوية التجارة البينية بين الدول الإسلامية من خلال مؤسسات حكومية وشعبية تقوم  بالتسويق والوساطة.6

5- التكامل بين الدول الإسلامية من حيث الموارد البشرية والموارد المالية، فهناك دول إسلامية لديها وفرة مالية وقلة في الأيدي الفنية، والعاملة، والعلماء، والمتخصصين، وبالمقابل فهناك دول لديها وفرة وزيادة في الأيدي الفنية ، والعاملة ، والعلماء، والمتخصصين، ولكناه لديها قلة في الموارد المالية، وهنا يأتي دور التكامل والتعاون البناء بين المال والبشرية لتحقيق الوحدة الراسخة .

6- وضع استراتيجية بعيدة المدى لتنمية العالم الإسلامي في جميع المجالات لاستثمار ثرواته ، وقواه العلمية والعاملة فيما يحقق التنمية الشاملة، وقد ألّفتُ كتاباً حول ( استراتيجية التنمية الشاملة ) تطرقتُ فيه إلى البدء أولاً بخطة طارئة ومرحلية لمدة خمس سنوات إلى عشر سنوات، ثم الاستعداد لخطة استراتيجية بعيدة المدى في النهوض بالأمة في جميع جوانبها[216] .

7- وضع خطة استراتيجية للاكتفاء الذاتي صناعياً وغذائياً ودوائياً ، بل للتصدير.

فلا يجوز أن تبقى الأمة على هذه الحالة التي عليها اليوم، بل يجب وجوباً شرعياً ، وضرورة واقعية أن تتجاوز هذه المرحلة بجميع الوسائل المتاحة .

8- تفعيل برنامجنا (كاف) القائم على ست مؤسسات أساسية لكل ولاية ، ومحافظة ، على النحو الآتي :

1. مؤسسة القرض الحسن، ولكن مشكلتها في ثلاث: المصروفات الإدارية، وعدم التحصيل ، والتضخم، وقد عالجتها بشكل علمي حسب الدراسة المرفقة.

2. مؤسسة الزكاة لتُقسّم أموالها على ثلاثة أقسام (أ) قسم لغير القادرين (ب) قسم آخر لشراء أدوات الإنتاج للقادرين على العمل أو الاستثمار (ج) وقسم يرد إلى صندوق خاص بالغارمين وهو صندوق الحماية .

3. صندوق الحماية، وهو بمثابة صندوق للتكافل يقوم بتحمّل المصاريف الإدارية ، ويؤمّن لحالات العجز والموت.

4. صندوق للأصول تنشأ من استثمارات أموال القرض والصندوق .

5. بنك خاص لتمويل المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر (مايكروفايننس)

6. مؤسسة للوقف الخاص بالتدريب والتعليم والإبداعات.

علماً بأن معي مؤسسة إدارية تقوم بالإدارة من خلال التنسيق مع الجهات المختصة .

(4) الوحدة الإعلامية، من خلال إيجاد إعلام قوي موحد شامل متعدد الجوانب والمواهب ، وتوضع له خطة استراتيجية ليقوم بأربعة أدوار رئيسية ، وهي :

الدور الأول : درء الشبهات ودحضها عن الإسلام والمسلمين والدول الإسلامية .

الدور الثاني: فضح جرائم أعداء الإسلام وكشف  مؤامراتهم وخططهم ، وجعلهم مكشوفين أمام العالم ، قال تعالى : (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ)[217] كما سبق شرحه .

الدور الثالث: بيان حقيقة الإسلام وصوره الجميلة في جميع المجالات .

الدور الرابع: تثبيت الثوابت وغرس الوحدة والقيم والإبداع والخيرية في النفوس والقلوب.

(5) الوحدة السياسية في نطاق الدول والأحزاب السياسية :

وفي هذا المجال يمكن أن نأخذ بالتدرج بحيث يتم السعي لتكوين برلمان موحد للعالم الإسلامي، ثم طرح مجموعة من الطروحات النافعة مثل التكامل ، والتعاون بين مجموعة من الدول مثلما طرحه الأستاذ نجم الدين أربكان رحمه الله ، حيث بدأ بثمان دول، ثم ننتقل إلى الوحدة الكونفدرالية ، ثم الوحدة على أي صيغة تجمع  شمل الأمة.

وهذا يتطلب السعي الجاد لإصلاح النظام السياسي ، كما سبق .

(6) الوحدة التعليمية:

وذلك من خلال إصلاح النظام التعليمي وتوجيهه لصالح الوحدة ، بداء ًمن الروضة إلى الجامعة غارساً في النفوس فوائد الوحدة ومفاسد الفرقة .

(9) الوحدة الاجتماعية والشعبية:

من خلال التعاون والتنسيق بين جميع المنظمات الشعبية (الخيرية والإغاثية، والحقوقية ونحوها) للوصول إلى التكامل الحقيقي ، والتوعية بثوابت الأمة التي تجمع ولا تفرق، واعتبار الخلاف القائم على الاجتهادات ثراء ، وخلافاً تنوعياً، وليس خلافاً تناقضياً.

وفي هذا المجال ضرورة تمحيص التأريخ ، والانتقاء الممتاز، بحيث لا تذكر الخلافات الشديدة والقتال السابق بين المسلمين إلاّ للعبرة والاتعاظ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[218] ، واستكمال جميع مؤسساتهم التعليمية والتنموية .

(10) الوحدة العسكرية:

من خلال إنشاء جيش للعالم الإسلامي يمثله ويدافع عنه .

(11) الوحدة القضائية أو التحكيمية :

من خلال إنشاء محكمة عدل إسلامية بمواصفات دولية .

هذا موجز أعددته لإثارة الأفكار فقط متضرعاً إلى الله تعالى أن يجعله نواة صالحة لبناء وحدة حقيقية للعالم الإسلامي حتى تتحقق لأمتنا الخيرية الشاملة (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ)[219].

هذا ما أردت بيانه بإيجاز ، وكلي قناعة بأن هذا المشروع متواضع أمام ضخامة القضية ، ولكنني أتضرع إلى الله تعالى أن يجعل ما سطرته بداية عمل لمشروع ضخم يحقق تحرير القدس الشريف ، وجميع الأراضي الفلسطينية .

هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

                                            

                                           كتبه الفقير إلى ربه

علي محيى الدين القره داغي

الدوحة، في الأول من شهر جمادى الأولى سنة 1439هـ

الموافق للثامن عشر من شهر يناير عام 2018م

 

 [1]سورة الإسراء / الآية 1

 [2]سورة آل عمران / الآية 110

[3] يراجع في فضائل بيت المقدس، والشام: فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية  قديمة للدكتور محمود إبراهيم، ط: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الكويت 1406ه، وفضائل البيت المقدس لأبي بكر الواسطي، طبع بالقدس سنة 1979، وفضائل الشام، وفضل دمشق لأبي الحسن الربيعي (ت 444هـ)، تحقيق صلاح الدين المنجد، ط : دمشق سنة 1950م،  وفضائل القدس لابن الجوزي ( ت 597)ه، وقد طبع عدة طبعات  وهناك كتب كثيرة معاصرة لا يمكن حصرها هنا جزى الله أصحابها خيرا استفدنا من كل ما اطلعنا عليه.

 [4]سورة الإسراء / الآية 1

 [5]سورة الأنبياء / الآية 71

 [6]سورة الأعراف / الآية 137

 [7]سورة الأنبياء / الآية 81

 [8]سورة سبأ / الآية 18

 [9]سورة التين/ الآية 1-2

 [10]سورة القصص / الآية 8

 [11]سورة المائدة / الآية 21

 [12]سورة يونس / الآية 93

 [13]سورة الإسراء / الآية 1

 [14]مجموع الفتاوى ( 20016)

 [15]سورة الأنبياء / الآية 92

 [16]سورة المؤمنون / الآية 511

 [17]سورة المؤمنون / الآية 52

 [18]سورة الإسراء / الآية 1

[19]  صحيح مسلم الحديث  172

[20]  رواه أحمد ( 4/ 167)

[21]  فتح الباري  (20917)

[22]  أبو داود في سننه الحديث 447، وقد صحّحه أو حسّنه كثيرون، يراجع: الصحيح للوادعي(166)

[23] سورة البقرة / الآية 144

[24] هذا لفظ البخاري (1189) وفي روايات اخرى بلفظ " ومسجدي " وبتقديم المسجد الأقصى يراجع صحيح ابن حبان الحديث (1617) وله روايات أخرى.

[25]  صحيح البخاري الحديث (7094)

[26]  ترغيب أهل الإسلام (34)

[27]  التمهيد (279)

[28]   رواه البزار في البحر الزخار( 10/135)وابن حبان في صحيحه (6404)، رواه بن كثير في تفسيره (8/136) في  البداية والنهاية  (299)، (2/259) وقال "إسناده جيد قوى"، أحمد شاكر في عمدة التفسير (1/185) والبيهقي في دلائل النبوة 01/80) وصححه الالباني في السلسلة الصحيحة (1546)

[29]  فضائل الشام ًص (101)

[30]  رواه الترمذي في سننه وقال الألباني في صحيح الجامع الحديث (3954) الحديث صحيح، ورواه ابن حبان في صحيح الحديث (4/73)وقال الألباني في فضائل الشام ودمشق (1) الحديث صحيح، وقال المنذرى في الترغيب والترهيب (4/105) إسناده صحيح، أو حسن. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/63)" رجاله رجال الصحيح"  .

[31]   ترغيب أهل الإسلام (34)

 [32] سورة الإسراء / الآية 1

[33]  يراجع : صحيح البخاري وشرحه فتح الباري الحديث رقم،334،349،3570، ومسلم الحديث 162، 163، وأبو داود 4878، وصححه ابن خُزيمة (2/521)والترمذي الحديث 7517 شرح الطحاوية (224) وفتح القدير للشوكاني  (4/616).

[34]   رواه بن حبان في صحيحه الحديث 7307

[35]   رواه النسائي، وصححه الألباني في صحيح النسائي الحديث 3563  

[36] سورة الأنبياء/ الآية 105-107

[37] سورة البقرة / الآية 124

[38] سورة النور / الآية 55

[39] سورة الإسراء / الآية 4-7

[40] يراجع في تفصيلهما : تفسير الطبري ، وابن عطية، والبغوي ، وابن كثير، والقرطبي  وغيرهم في تفسير هذه الآيات 4-7 من سورة الإسراء  

[41] سورة الإسراء / الآية 9

[42] سورة الأنبياء / الآية 105 -107

[43] سورة الإسراء / الآية 7

[44] سورة الإسراء / الآية 5

[45]  سميت بصحيفة المدينة، وبالوثيقة ، تراجع بنودها وأسانيدها في كتاب المغازي للوافدي (2/684) وتاريخ السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم العمري مركز بحوث السنة والسيرة بجامعة قطر (1/282 وما بعدها)  بغداد (4/160)، ويراجع مجموعة الوثائق السياسية للأستاذ محمد حميد الله ، ط ز دار الارشاد بيروت 1389هـ ص (4-  47

[46]  السيرة الصحيحة ص 299

[47]  يراجع سيرة بن إسحاق (3/191) وفتح الباري (7/331)والمصنف لعبد الرازق (5/359/360)، ود. أكرم العمري : المرجع السابق (1/306-307

[48]   فتح الباري (7/331-332)

[49]  المصادر السابقة

[50]   الآية 10 من سورة الأحزاب، ويراجع : صحيح البخاري، كتاب المغازي ، باب معاملة أهل خيبر (7/496) وصحيح مسلم كتاب المساقاة (3/1186-1187)

[51]  المصادر السابقة ، ويراجع د. العمري : المرجع السابق (1/331- 332)

[52]  المصادر السابقة ، ويراجع د. العمري : المرجع السابق (1/331- 332)

[53] سورة النساء / الآية 51

[54] سورة الإسراء / الآية 72

[55] سورة النساء / الآية 51-52

[56]  الشيخ عبد المعز عبد الستار : اقترب الوعد الحق (123- 124)

[57]  نقله الشيخ محمد صالح المنجد في موقع : الإسلام سؤال وجواب وأسنده إلى طبقات بن سعد.

[58]   سنن أبى داود الحديث (3004)  وقال الحافظ في الفتح (7/385) : إسناده صحيح وهكذا قال الألباني في صحيح أبي داود (3304)

[59]  هذا أيضا ذكره ابن إسحاق في السيرة  ويراجع د. المنجد الموقع السابق

[60]  صحيح البخاري الحديث (2617) ومسلم الحديث (90)

[61]  صحيح البخاري الحديث (5777)

[62]  رواه احمد في مسنده (5/220) وقال حققه الشيخ أحمد شاكر وإسناده صحيح

[63]   رواه احمد في مسنده(4/279) وقال محققه الشيخ احمد شاكر اسناده صحيح وحسنّه بن كثير في البداية والنهاية (4/210) وقال الهيثمي فى مجمع الزوائد (8)

[64]  صحيح البخاري، الحديث (4428) وقال الألباني في صحيح الجامع (7929)الحديث "صحيح".

[65] سورة الإسراء / الآية 100

[66] سورة آل عمران / الآية 98

[67] سورة آل عمران / الآية 100

[68]  سورة التوبة الآية / 6 ، ويراجع تفسير الطبري (14/325)والتحرير والتنوير

[69]  يراجع: شيخنا المعز عبد الستار (المرجع السابق ص 123 - 125.

[70] سورة البقرة / الآية 142 ، ويراجع المرجع السابق ص 125-6

[71] سورة الإسراء / الآية 106

[72] سورة الإسراء / الآية 104

[73] سورة الإسراء / الآية 105

[74] سورة المائدة / الآية 24

[75] سورة الأعراف / الآية 136-137

[76] سورة الإسراء / الآية 104

[77] سورة الإسراء / الآية 7

[78] سورة الإسراء / الآية 4-7

[79] سورة الإسراء / الآية 4-7

[80] سورة الإسراء / الآية 7

[81] سورة الإسراء / الآية 4

[82] سورة الإسراء / الآية 6

[83] سورة الإسراء / الآية 6

[84] سورة الإسراء / الآية 7

[85] مقالته بعنوان : سورة الإسراء تقص نهاية إسرائيل ، المنشورة في مجلة الأزهر عدد 28 عام 1376هـ / 1956م ، وقال في كتابه (اقترب الوعد الحق يا إسرائيل) : ط.1997م ص 121-122 : (ولقد أفسد بنو إسرائيل في الأرض قديماً سبعين مرة ولكن الله يحدثنا هنا عن مرتين : إفساد مستقبل سيكون منهم في عصر الإسلام والمسلمين، الأول على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، والثاني على عهدنا نحن اليوم ).

[86] سورة الاسراء / الآية 8

[87] صحيح البخاري ، كتاب الجهاد، قتال اليهود ص 561  والحديث رقم 2925 ومسلم رقم الحديث 2921

[88] صحيح البخاري الحديث 3593 ومسلم 2921

[89] سورة الحج / الآية 40

[90] سورة الفجر / الآية 14

[91] سورة الصافات / الآية 173

[92] سورة النور / الآية 55

[93] سورة الأنبياء/ الآية 105-107

[94] سورة الاسراء / الآية 7

[95] سورة الاسراء / الآية 5 - 9

[96] سورة الاسراء / الآية 5

[97] سورة الأنبياء / الآية 92

[98] سورة المؤمنون / الآية 52

[99] سورة الاسراء / الآية 5

[100] سورة النمل / الآية 33

[101] سورة الفتح / الآية 16

[102] سورة الحديد / الآية 25

[103] سورة الاسراء / الآية 5

[104] يراجع: القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط مادة (جاس) ، ويراجع تفسير الطبري ن وابن كثير، والرازي في تفسير هذه الآية

[105] سورة الاسراء / الآية 7

[106] يراجع: تفسير الطبري ، وابن كثير ، والبغوي ، والرازي ، والقرطبي ، في تفسير هذه الآية

[107] سورة الاسراء / الآية 7

[108] سورة الاسراء / الآية 7

[109] سورة الاسراء / الآية 7

[110] سورة الفرقان / الآية 39

[111] سورة الأعراف / الآية 139

[112] سورة نوح / الآية 28

[113] سورة الاسراء / الآية 4

[114] سورة الاسراء / الآية 8

[115] سورة الاسراء / الآية 9

[116] يراجع : كتب التأريخ الإسلامي ، ومن أهمها في هذا المجال : البداية والنهاية لابن كثير (11/173) ، (12/1-175) والكامل لابن الأثير (6/230) ، (7/246-357) ، (8/1-506) ومقدمة الوسيط للإمام الغزالي بتحقيقنا ، ود. شوقي ضيف : تأريخ الدول والإمارات ص 233

وقد كتب د. ماجد عرسان الكيلاني كتاباً ممتازاً في هذا الحقل بعنوان : هكذا ظهر جيل صلاح الدين ، وهكذا عادت القدس ، وقد استفدنا منه كثيراً ، فجزاه الله خيراّ

[117] يراجع : مقدمة كتاب الوسيط للإمام الغزالي، ومصادره المعتمدة ، بتحقيقنا .

[118] الكامل (8/124) والمنتظم (8/305) ولكن ذكر هذه الحادثة من حوادث سنة 469ه ، وذكروا فتناً كثيرة أيضاً بين الشيعة والحنابلة ببغداد، كما أن عوام الحنابلة ببغداد ثاروا ضد الإمام الطبري (ت310ه) حينما قال : ( أما أحمد بن حنبل فلا يعد خلافه ، وسألوا عن حديث الجلوس على العرض ، فقال: محال، ثم أنشد :                                          سبحان مَنْ ليس له أنيس ***  ولا له في عرشه جليس

وثاروا عليه ورموه بالحجارة حتى أدركه صاحب الشرطة ببغداد، ثم كتب كتابه المشهور في الاعتذار إليهم بالاعتراف بمذهبه، ومع ذلك التزم بيته واعتكف فيه للتأليف ، ولمّا توفي دفن في بيته خوفاً من ثورة العامة ضده .

يراجع : الكامل لابن الأثير (6/171) ومعجم الأدباء (18/49) وطبقات الشافعية لابن السبكي (3/124) ويراجع: المدخل المفضل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل (1/361-368)

[119] المصادر السابقة ، ود. شوقي ضيف : عصر الدول والإمارات ص 253

[120] عصر الدول والإمارات ص 276 – 277

[121] طبقات الشافعية الكبرى (4/35)

[122] قال ابن السبكي في طبقاته (4/314) : زعم شيخنا الذهبي أن نظام الملك المتوفى سنة 485هـ هو أول مَنْ بنى المدارس ، وليس كذلك ، فقد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة السعدية بنيسابور أيضاً بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود، حين كان والياً بنيسابور ، ومدرسة ثالثة بنيسابور ، بناها أبو سعد إسماعيل بن علي الواعظ الصوفي شيخ الخطيب، ومدرسة رابعة بنيسابور أيضاً بنيت للأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني

والظاهر أن هذه المدارس كانت على مستوى ضيق ولم يكن لها نظام معين، ولا يبعد أن تكون مدرسة صغيرة، أما المدارس التي بناها الملك فكانت أشبه بالجامعات الراقية من حيث نظام المدرسين والطلبة، قال ابن السبكي (4/314) : ( ودق أدرت فكري ، وغلب على ظني أن نظام الملك أول من قدر المعاليم للطلبة، فإنه لم يتضح لي، هل كانت المدارس قبله بمعاليم للطلبة أو لا ؟ والأظهر أنه لم يكن لهم معلوم)  

[123] طبقات الشافعية الكبرى (4/312) 

[124] فالقاعدة جماعة متشددة تدّعي الفكر السلفي المتشدد التي أنشأها أسامة بن لادن في أفغانستان ، واتهمت بأحداث الحادي عشر من سبتمبر2001م ، ثم ظهرت في العراق ، وتحوّلت فيما بعد إلى (داعش- الدولة الإسلامية في العراق والشام) وهي جماعة متشددة تدّعي أيضاً الفكر السلفي المتشدد ، وأحدثت فتنة كبيرة وأضرّت بأهل السنة إضراراً كبيراً، وأعادت الاحتلال الغربي والشرقي إلى سوريا والعراق ودمرّت حروبها معظم الحواضر في هذين البلدين العظيمين .

والجاميّة، تيار داخل التيارات السلفية تتبنى منهج السمع والطاعة لوليّ الأمر ولو كان جائراً فاسقاً طاغية، فتميل مع ولي الأمر حيثما مال، وهي نسبة إلى الشيخ محمد أمان الجامي الحبشي الأصل، الذي تصدّى للرد على العلماء والحركات التي اعترضت على فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله وغيره بجواز الاستعانة بالكافر (مثل أمريكيا) في تحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1411هـ، وقد شارك الجامي في هذا التنظير الشيخ ربيع بن هادث المدخلي الجازاني .

وتوفي الجامي عام 1996م، فانفرد المدخلي وازداد شدة ومعاداة للحركات الإسلامية الإصلاحية، علماً بان كليهما – الجامي والمدخلي- قد خالفا الشيخ بن باز ، الذي سكت عن المخالفين .

إذن فالجامية ، والمدخلية ، أو الجامية المدخلية تيار واحد له منهج واحد .

ويقوم التيار الجامي المدخلي على دعامتين، أولاهما: الطاعة المطلقة لولي الأمر ، وحرمة الخروج عليه ، وحرمة المظاهرات ، والاعتصامات، والاعتراض الجهري الذي عدّها المدخلي (نوعاً من الخروج المثير للفتن) ، وثانيتهما : الطعن الشديد في المخالفين وتبديعهم، بل تكفير بعضهم ، فالشيخ المدخلي صرّح بأن : (الإخوان المسلمين لم يتركوا أصلاً من أصول الإسلام إلاّ نقضوه) وقد رفعوا تقارير كيدية إلى الجهات الأمنية والسلطات الحكومية، أشهرها التقرير المعنون (التنظيم السري العالمي بين التخطيط والتطبيق في المملكة العربية السعودية) الذي رفعوه إلى السلطات السعودية بأن عليها أن تتحرك بأسرع وقت ممكن لوضع حدّ لها، والغريب أنهم أدخلوا في جامعة الإخوان (تيار الصحوة الإسلامية في السعودية) وهم من السلفية المعتدلة ، وغيرها ...

ومع كل ذلك فإن من تناقضات المداخلة أنهم لم يعترفوا بحكم الرئيس الشرعي في مصر، بل وقفوا مع الانقلاب العسكري ، وكذلك في ليبيا ، وأصدوا فتوى بوجوب محاربة الإخوان المسلمين في ليبيا وغيرها.

فليراجع : الموسوعة الحرة ويكيبيديا ، مصطلح (الجامية، وموقع الجزيرة نت .

[125] سورة الأنعام / الآية 159 

[126] كل ما ذكرناه ، مدون ومثبت في كتب التأريخ ، وقد ذكرنا بعضها فيما سبق ، ونؤكد مرة أخرى أننا استفدنا كثيراً من كتاب الدكتور ماجد عرسان الكيلاني : هكذا ظهر جيل صلاح الدين ، وهكذا عادت القدس، وقد اعتمدنا على طبعة دولة قطر، وكذلك تلخيص الأستاذ سلطان بن محمد الدويش لهذا الكتاب.

[127] يراجع القاموس المحيط، ولسان العرب ، والمعجم الوسيط مادة (صلح)

[128] رواه البخاري ـ مع الفتح ـ (10/367) ومسلم الحديث 2586 عن النعمان بن بشير رضي الله عنه

[129] سورة هود / الآية 88

[130] سورة هود / الآية 88

[131] سورة هود / الآية 88

[132] سورة هود / الآية 88

[133] سورة الكهف / الآية 29

[134] سورة هود / الآية 88

[136] سورة الرعد / الآية 11

[137] سورة الكهف / الآية 7

[138] أ.د. يوسف القرضاوي : تجديد الدين في ضوء السنة ، بحث منشور في مجلة مركز بحوث السنة والسيرة ، جامعة قطر العدد 2 ص 29 سنة 1987م

[139]  الحديث متفق عليه، ويراجع صحيح البخاري وصحيح مسلم

[140]  سورة الحِجْر / الآية 9

[141]  سورة الأحزاب / الآية 40

[142]  سورة المائدة / الآية 3

[143]  سورة النساء / الآية83

[144]  روى الترمذي وابن ماجه وغيرهما بسندهم عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء ، فقال : ( الحلال ما أحل الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم ) وفي رواية أخرى رواها الحاكم والبزار بلفظ : ( فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن ليسنى شيئاً ، وتلا : ( وما كان ربك منسياً ) سورة مريم / الآية 64

[145]  الحديث رواه أبو في سننه الحديث رقم 4270 والحاكم في المستدرك (4/522) ورواه غيرهما ، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 599

[146]  جامع الأصول (11/ 320 – 324 )

[147]  د. يوسف القرضاوي : بحثه الموسوم : تجديد الدين في ضوء السنة ،  المنشور في مجلة مركز بحوث السنة والسيرة ، العدد الثاني 1407هـ ص 00025

[148]  سورة النحل / الآية 43

[149]  يراجع:  مجموعة من الباحثين ، وبخاصة عمر مسقاوي، بحثه عن التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر ، المقدم إلى مؤتمر (تيارات الفكر الإسلامي المعاصر: قضايا الإصلاح والتجديد – لبنان 2001م ، الذي قامت به جمعية المقاصد الخيرية مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي

[150]  رواه الترمذي في سننه مرفوعاً بسند ضعيف ، الحديث 2687 ويراجع : تحفة الأحوذي (7/102) وابن حبان في المجروحين (1/102) وقال ابن العربي في : عارضة الأحوذي (5/347) : (ضعيف) وقال ابن القيم في مفتاح السعادة (1/283) : (وله شواهد) وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ص 228 : (مرسل)، والحديث روي مرفوعاً وموقوفاً على بعض كبار الصحابة مثل سيدنا علي رضي الله عنهم ، وله شواهد كثيرة وطرق تجعله مقبولاً في مجاله.

[151] سورة الجمعة / الآية 2

[152] وهم كثيرون، منهم على سبيل المثال لا الحصر، الأئمة : الطبري (224-310هـ) الذي كان له دوره العظيم في التفسير ، والحديث والتأريخ ، والفقه المقارن ، وأبو الحسن الأشعري (260-324هـ)  الذي وفقه الله تعالى في إسقاط الفكر الاعتزالي ، ونصرة أهل الحق، والباقلاني (338-403هـ) الذي كان حجة الله على المناوئين للإسلام ، وأبو نعيم الأصفهاني (336-430هـ) وابن حزم (384-456هـ) الذي كان فقيهاً ، ومصلحاً اجتماعياً، وأبو القاسم القشيري (346-465هـ) وإمام الحرمين الجويني (419-478هـ) وأبو حامد الغزالي (450-505هـ) وأبو بكر بن العربي (468-543هـ) والقاضي عياض (476-544هـ) وابن عساكر (499-571هـ) وفخر الدين الرازي (544-571هـ) وابن الجوزي (508-597هـ) وأبو القاسم الرافعي (555-623هـ) والعز بن عبدالسلام (577-660هـ) وغيرهم كثيرون .

وقد ظهر كذلك عدد كبير من علماء الحديث والجرح والتعديل في هذين القرنين مثل الدارقطني (306-385هـ)  ، وكذلك في اللغة والأدب والشعر والبلاغة أمثال عبدالقاهر الجرجاني (ت471هـ) والمتنبي (303-354هـ) وكذلك ظهر في علوم الاجتماع والفلسفة والطب عدد كبير منهم الفارابي (260-339هـ) والزهراوي (ت400هـ) الذي ألف موسوعة في الطب في ثلاثين مجلداً ، وأضاف إضافات طيبة في مجال الطب، وابن سينا (370-427هـ) وابن باجه (487-533هـ) ، وابن رشد (520-595هـ) والادريسي (493-559هـ) وابن التلميذ (466-560هـ) وابن ملكا البغدادي (480-590هـ) وابن الهيثم (354-430هـ) ومن علماء التفسير والحديث وعلومهما عدد لا يحصون في هذه العجالة ، ومن علماء الجغرافيا والرحلات منهم المسعودي (282-345هـ) والبيروني (362-440هـ) .

وما ذكرناه مجرد أمثلة ، ومن أراد الاطلاع  على علماء القرن الرابع ، والخامس الهجريين فليراجع : كتب التأريخ ، وطبقات العلماء ، فمثلاً ذكر ابن السبكي مئات من كباء علماء الشافعية فقط في كتابه : طبقات الشافعية الكبرى ، وهكذا بقية المذاهب .

[153] مقدمة إحياء علوم الدين ط. دار المنهاج (1/10/15) 

[154] المرجع السابق 

[155] سورة النساء / الآية 59

[156] ديوان عبدالله بن المبارك ص 66

[157] صحيح البخاري الحديث 100 ومسلم الحديث 2673  

[158] إحياء علوم الدين (1/66-68)  

[159] هكذا قال المستشرق الإنجليزي وات Watt في كتابه : المثقف المسلم نقلاً عن

[160] تهافت الفلاسفة ، ط.   

[161] طبقات الشافية (6/193)    

[162] نقلاً عن كتاب الغزالي للدكتور رفاعي (1/213-219)

[163] الغزالي للدكتور رفاعي (1/219)

[164] نقلاً عن : مهرجان الإمام الغزالي في دمشق ، كملة الدكتور إسحاق الحسيني ، ص 21 

[165] يراجع : فضائح الباطنية للغزالي ص37 والمنتظم لابن الجوزي (5/110)

[166] نسبة إلى قرمط وهو لقب لحمدان بن الأشعث أحد مؤسسي هذه الحرمة الإلحادية والإباحية – تحت غطاء أهل البيت رضي الله عنهم -  ، ومعنى (قرمط) قصر القامة والساقين، وقد نهض بالحركة عام 278هـ ثم التقت القرامطة في البحرين حول الحسن بن بهرام عام 283هـ ثم تولى أمرهم ابنه سليمان ، واستمر حكمه ثلاثين سنة استولى فيها على معظم بلاد الجزيرة، وهاجم مكة عام 319هـ وفتك بالحجاج، وهدم زمزم ، ونزع الكسوة، واقتلع الحجر الأسود ، وسرقه إلى الإحساء وبقي فيها عشرين سنة أي إلى عام 339هـ حتى قضى عليهم الخليفة القائم بأمر الله والسلطان السلجوقي عام 470هـ

يراجع : تأريخ الطبري (11/337) والكامل (6/69) والمنتظم (5/181) وفضائح الباطنية ص 14

[167] المصادر السابقة

[168] المراجع والمصادر السابقة 

[169] المنقذ من الضلال ص 137  

[170] المنقذ من الضلال ص 155-157  

[171] إحياء علوم الدين (1/22) ط. القاهرة

[172] البداية والنهاية (12/139)  

[173] المصدر السابق ، ود. فكتور : الغزالي ص 92   

[174] مفاخر البربر ، مخطوطة مصورة في معهد المخطوطات بالقاهرة، ورقة 127-131

[175] المصدر السابق نفسه   

[176] فضائل الأنام من رسائل حجة الإسلام، جمع وترجمة د.نور الدين آل علي ط. تونس ص 34   

[177] فضائل الأنام ص 34   

[178] المصدر السابق ص 42-53

[179] المصدر السابق ص 34   

[180] المصادر السابقة ، ويراجع : مقدمتنا في تحقيق الوسيط، ط. دار البشائر الإسلامية    

[181] سورة الجمعة / الآية 10

[182] يراجع : درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 11 مجلداً ، تحقيق محمد رشاد سالم ، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

[183] سورة البقرة / الآية 30

[184] سورة العلق / الآية 1

[185] يراجع: موسوعة علماء المسلمين ، وباول فللي مقالته في جريدة الانديبيندت البريطانية بتأريخ 20-3-2006 بعنوان : كيف غير المخترعون المسلمون وجه العالم، وموقع الحزيرة نت في 24-11-2009 بحث حول : نهضة الغرب على أكتاف العرب، ود. فؤاد شركين في مقابلته في برنامج بلاد حدود على قناة الجزيرة بتأريخ 21-12-1005

[186] يراجع لجميع هذه الأقوال موثقة في : موسوعة د. عماد عجوة

 [187] ذكر المؤرخون أن هذه الساعة كانت مصنوعة من النحاس الأصفر بارتفاع أربعة أمتار وتتحرك بوساطة قوة مائية ، وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد من الكرات المعدنية، يتبع بعضها البعض الآخر بحسب عدد الساعات فوق قاعدة نحاسية فتحدث رنيناً جميلاً في إنحاء القصر، ثم يفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة ، ويخرج منه تمثال متحرك على شكل فارس صغير يدور حول الساعة ، ثم يعود إلى المكان الذي خرج منه، وعندما تحين الساعة 12 يخرج 12 فارساً مرة واحدة يدورون دورة كاملة ، ثم يعودون من حيث أتوا، وتغلق الأبواب خلفهم .

يراجع : موسوعة ويكيبيديا الحرة ، موضوع هارون الرشيد ، ومصادرها .

[188] يراجع : د. علي الصلابي : صلاح الدين الأيوبي، وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية ، وتحرير بيت المقدس ط. دار المعرفة / بيروت 2008م

[189] طبقات الشافعية الكبرى، بتحقيق عبدالفتاح الحلو ، ومحود الطناجي ط. عيسى الحلبي بالقاهرة 1966 (4/309-328) والبداية والنهاية (12/140) والعبر (3/307) والكامل لابن الأثير (10/70) وفيات الأعيان (1/395) والمنتظم (9/64)

[190] يراجع المصادر السابقة

[191] د. ماجد عرسنا الكيلاني : المرجع السابق

[192] د. ماجد عرسان الكيلاني : المرجع السابق

[193] سورة  التوبة/ الآية 122

[194] الدولة الزنكية للدكتور علي الصلابي

[195] الفرنجة ، اسم لمجموعة من قبائل جرمانية اتحدت ، ودخلت في مناطق الإمبراطورية الرومانية، واستوطنت فرنسا، وأجزاء من ألمانيا في عام 260م، فشكلت إمارة لهم، ثم صارت لهم امبراطورية في نهاية القرن الثامن الميلادي، وهي فرنسا اليوم

يراجع : الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) مصطلح (فرنجة) 

[196] سورة يوسف / الآية 111 

[197] سورة الأنعام / الآية 11

[198] سورة آل عمران / الآية 137

[199] سورة الشورى / الآية 11

[200] سورة الشورى / الآية 11

[201] سورة الإسراء / الآية 7

[202] سورة آل عمران / الآية 100-101

[203] يراجع: كتاب التفسير في تفسير هذه الآية

[204] سورة الأنفال / الآية 46

[205] سورة آل عمران / الآية 152

[206] سورة آل عمران / الآية 43

[207] سورة آل عمران / الآية 103

[208] يراجع :  تفسير ابن كثير في تفسر هذه الآية

[210] صحيح مسلم الحديث 1715 ورواه الطبراني أيضاً في الأوسط (7/259) ورواه الطبراني أيضاً في الوسط (7/259)

[211] يراجع: كتب السنة حيث خصصت كتباً، أو أبواباً للاعتصام بحبل الله ، والفرقة

[212] سورة الأنبياء / الآية 92

[213] سورة المؤمنون / الآية 52

[214] وهي: إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا الغربية، وبلجيكا، وهولندا، ولكسمبورج. يراجع : الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) مصطلح (السوق الأوروبية المشتركة)

[215] يراجع : الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) مصطلح (السوق الأوروبية المشتركة) ومصادرها

[216] يراجع: كتابنا: استراتيجية التنمية الشاملة والسياسات الاقتصادية ( النقدية والمالية ) في ظل الربيع العربي ، دراسة فقهية اقتصادية ، ومحاولة لبديل إسلامي ، مع حلول طارئة ، ط. دار البشائر الاسلامية / بيروت ( صدرت في طبعتين الأولى في 1432هـ =2011م والثانية 1433هـ= 2012م )

[217] سورة الإسراء / الآية 7

[218] سورة البقرة / الآية 134

 [219]سورة آل عمران / الآية 110

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج