رسالة المنبر "بين الثوابت والمتغيرات"

الجمعة 02 فبراير 2018 07:32 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "بين الثوابت والمتغيرات"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- تعد دراسة حقيقة الثوابت والمتغيرات في ديننا وحياتنا، وما يلي تلك الدراسة من تطبيقات عملية عليها من أكثر الدراسات صعوبة، لاختلاف الفقهاء والمفكرين في تحرير مصطلح (الثابت والمتغير).
- تعددت مدارس تعريف الثوابت والمتغيرات ومن ذلك قالوا:
1. الثابت هو المتفق عليه والمتغير هو المختلف فيه. 
2. الثابت هو الأصول والمتغير هي الفروع.
3. الثابت هو المحكم والمتغير هو المتشابه.
4. الثابت هو القطعي والمتغير هو الظني.
5. الثابت هي الأحكام المرتبطة بالدليل الشرعي، والمتغير هو الحكم الاجتهادي الذي ارتبط بعرف أو مصلحة معينة وتتغير بتغير الزمان والمكان.
6. أو أن الثابت مما لا يحتمل التخيير بل فيه إلزام في مسار واحد، والمتغير فيه الخيارات (المشروعة) المتعددة.
7. ويمكن أن تكون الثوابت هي مقاصد الشريعة وغاياتها المقررة في القرآن والسنة الصحيحة (لماذا)، والمتغيرات هي طريقة إدارة وأداء الأحكام الشرعية المتعلقة باجتهاد الفقهاء في كل زمان ومكان على ضوء تلك المقاصد (كيف).
- ولا شك أنه من الخطورة تغيير الثوابت، كما أنه من الخطورة تثبيت المتغيرات، لما يترتب على السلوك الأول من تمييع وانسلاخ وانحراف، ولما يترتب على السلوك الثاني من جمود وانغلاق. 
- الثابت في غاية وجودنا هي تحقيق تعظيم الله بعبادته وإعمار أرضه وفق شريعته.

- ومن الثوابت والمتغيرات ما يأتي:
أولاً: في العقيدة:
ث: أركان الإيمان (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).
م: طريقة فهمنا لبعضها (حيث نتج عنها المدارس العقدية).
ثانياً: في العبادة:
ث: أركان الإسلام (الشهادتان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت).
م: طريقة أدائنا لها (حيث نتج عنها المدارس الفقهية).
ثالثاً: في المعاملة:
ث: محبة المهتدين، وكراهية المعتدين، والإشفاق على العصاة والكافرين.
م: أسلوب التعامل معهم، ودرجات الاقتراب منهم أو الابتعاد عنهم (حيث نتج عنها المدارس الفكرية).

- تعظيم الله تعالى من منطلق قوله سبحانه: (وربك فكبر) هو الثابت الوحيد في الدعوة إلى الله تعالى، أما وسائل الدعوة وأساليبها فهي متغيرة تتبع لمصلحة الدعوة وفرصها وتحدياتها، فقد كانت دعوة الحبيب صلى الله عليه وسلم سرية ثم أصبحت جهرية، وكانت سلمية ثم أصبحت تدافعية، وكانت فردية ثم أصبحت جماعية، وكانت للشعوب ثم وصلت للملوك، وكانت دعوة ثم صارت دولة ... كل ذلك في سبيل خدمة الهدف (الثابت) وهو تعظيم الله تعالى.
- الثوابت تحفظ ديننا وثقافتنا على مر السنين، والمتغيرات تؤكد قيمة المرونة لهذا الدين بما يحقق سعة انتشاره في الآفاق.
- سَنَن الله تعالى ومعادلاته الكونية ثابتة لا يخرقها إلا هو سبحانه، فالنصر لمن أخذ بأسبابه متحقق ولو بعد حين، ومجازاة الله الظالم المستبد الماكر من جنس عمله أيضاً سنة ثابتة.
- مصادر التشريع الثابتة هي: القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية، وإن كان فهمهما وفق مقاصد التشريع وقواعد اللغة العربية متغير.
- الضرورات التي يترتب عليها ضرر وحرج تجعلنا نتحرك بشيء من المرونة، فيها التبديل والتغيير مع المحافظة على روح هذه الثوابت، واطمئنان النفس إليها في تلك الحالة .. فالحرام والكفر يبقى حراماً وكفراً عندئذ، وترتفع الإباحة بمجرد ارتفاع المحظور، فاستعانة النبي صلى الله عليه وسلم ببعض المشركين أحياناً، وتنازله عن بعض شروط صلح الحديبية، وقبوله بإعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة ليردهم عن المدينة يوم الأحزاب؛ كل ذلك كان مؤقتاً، ولَم يؤثر على ثابت تعظيم الله في نفس الحبيب صلى الله عليه وسلم لأنه (أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). 
- شكل الدعوة بين كونها فردية أو جماعية، وبين كونها مباشرة أو غير مباشرة، وبين كونها تنظيمية جماعية أو فردية؛ كل ذلك من المتغيرات، فالجماعة والحزب والتنظيم وغيرها من الأطر والأوعية ليس ثابتاً، وغايته النبيلة في طلب استئناف الحياة الاسلامية هي الثابتة.
- البقاء والإقامة في مسقط رأسك حتى لو كان بمنزلة مكة أو المدينة، ليس من الثوابت بل من المتغيرات، وإلا لما قبل الحبيب صلى الله عليه وسلم الهجرة للمدينة، وإرسال بعض أصحابه للحبشة.
- الصدق والأمانة وسائر الأخلاق الرفيعة من الثوابت حتى في تعاملنا مع من خان وكذب .. قال صلى الله عليه وسلم: (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) رواه الترمذي وهو صحيح، ألا في حالة الحرب، فالحرب لها قواعد مختلفة يتوقعها الطرفان ويحتاطان لها، و(الحرب خدعة) رواه البخاري.

ومن الثوابت الحياتية:
1. سياسياً؛ ترشيح القوي الأمين، والعدل بين الرعية، وعدم خيانتها؛ بإعطاء الولاء لأعدائها.
2. اقتصادياً؛ منع الربا والاحتكار والرشوة وأسباب الكسب الحرام، وطلب الزكاة، والعدالة في توزيع الثروات.
3. اجتماعياً؛ بر الوالدين وصلة الأرحام وأداء الحقوق لأهلها، ومنع الخلوة بين الجنسين، وستر العورة للرجل والمرأة، ومنع ما يتسبب في كشفها؛ فلا يجوز أن يكون اللباس ضيقاً ولا شفافاً واصفاً ولا مثيراً بلونه أو شكله .. وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، أما عورة المرأة فكلها سوى وجهها وكفيها.
4. ثقافياً وفكرياً؛ طلب علوم الشريعة والحياة، وإعمال العقل لحراسة الضرورات الخمس (حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال).

- مهما اختلفت المسميات ولُبّستْ بثياب تخالف مضمونها فإنها لا تؤثر في الحكم عليها، ومن ذلك:
1. الخمور تبقى حراماً وإن سُميت مشروبات روحية.
2. الزنا يبقى حراماً وإن سمي صداقة ودية.
3. الربا يبقى حراماً وإن سمي فوائد ربحية.
4. الرشوة تبقى حراماً وإن سميت (حلواناً) وهدية.
5. الرقص والطرب يبقى حراماً وإن سمي سياحة ترفيهية.
6. العري والسفور يبقى حراماً وإن سمي موضات حضارية.
7. النظر في المحرمات يبقى حراماً وإن سمي متعة بصرية.
8. الخلوة بين الجنسين أو الخلط المباشر يبقى حراماً وإن سمي مؤانسة أو أعمالاً تطوعية.
9. الغش يبقى حراماً وإن سمي ذكاءً وأعمال تعاونية.
10. النفاق يبقى حراماً وإن سمي دوبلوماسية.
11. الجهاد يبقى واجباً لردع المعتدين وإن سمي تطرفاً وإرهاباً.
12. التواضع ولين الجانب والرفق والتسامح مع الطيبين يبقى واجباً وإن سمي عجزاً وضعفاً.
13. التمسك بالدِّين يبقى واجباً وإن سمي تخلفاً ورجعية.
14. فعل الخير ونجدة المظلوم ونصرة المقهور وقول الحق يبقى واجباً وإن سمي مراهقة وتهوراً.

- وختاماً: إن عدم فهم الثوابت والمتغيرات أدى إلى الابتعاد عن الوسطية والذهاب إلى تطرف التشدد اليميني وتطرف التمييع اليساري، حتى صار البعض يعقد على لَبْس الثوب (الدشداش) وإعفاء اللحية ولاءً وبراءً، مثلما صار البعض لا يأبه لأي شعيرة من شعائر الإسلام، وكلا التصورين انحراف عن المسار!!

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة