رسالة المنبر " هرولة"

الخميس 08 فبراير 2018 02:28 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر " هرولة"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- خلق الله تعالى الإنسان في دار مشقة وهرولة وتعب، قال سبحانه: (لقد خلقنا الإنسان في كَبَد) (البلد: ٤).
- وبين سبحانه أنه خلقنا في دار بلاء وميدان اختبار وتنافس (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) (الملك: ٢).

- ويستمر التنافس والسباق بيننا طالما أن فينا عرقٌ ينبض، وإن اختلف المضمار، وذلك على النحو الآتي:
1. فبعضنا يهرول في مضمار العظمة والشرف والرفعة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) (المؤمنون: ٦١)، وقال تعالى: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) (الأنبياء: ٩٠).
2. وبعضنا اختار لنفسه الهرولة في مضمار الحياة المادية، لتحصيل رزقه وقوت يومه، دون التفات لأي أهداف أخرى.
3. وبعضنا يعيش ويموت وهو يهرول في مضمار أعداء الأمة، ويسعى لخدمتهم طمعاً في فُتاتهم، وبعض مكاسبهم الرخيصة، قال تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) (المائدة: ٥٢)، وقال تعالى: (وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون) (المائدة: ٦٢)، وقال تعالى: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً) (آلِ عمران: ١٧٦).

- بيّن الله تعالى أن الإنسان يجازى بحسب نيته ومضمار هرولته وسعيه، قال تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يُرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى).
- يحرص المفسدون في الأرض على جعلنا نهرول في مضمار بعيد عن المضمار الذي خلقنا الله تعالى لأجل التنافس فيه؛ فبدلاً من أن نهرول في مضمار الطاعة والإنتاج والعلم وإعمار الأرض والدعوة والإصلاح وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم والكسب الحلال، جعلونا نهرول في مضمار الرزق الحرام والكماليات الزائفة والصحبة السيئة والمسلسلات الهابطة والرياضة غير المنضبطة والمواقع الفاسدة والتدخين والمخدرات بأنواعها.
- كشف الله تعالى لنا حال من يهرول وراء شهواته فيهوي في القاع بعد أن سلك طريق القمة، قال تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتَيْنَاه آيَاتِنَا فَانسَلَخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغَاوِين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) (الأعراف: ١٧٦).
- الهرولة وراء رغيف الخبز الناشف ولقمة العيش الصعب دون أي تفكير لإبداع حلول لمشكلات الوطن والأمة جعلنا عبيداً لساداتنا وكبرائنا؛ الذين يفرحون بتغطية عيوننا عن سوءاتهم وعيوبهم، كما الدابة لا يكشف لها صاحبها إلا ما يريدها أن تراه، قال تعالى: (ما أريكم إلا ما أرى) (غافر: ٢٩).
- لم تجلب أمتنا بسبب هرولتها وراء أعدائها سوى الذل والهوان والتشرذم والانقسام، ولا يقبل الأعداء منا أن نمشي وراءهم مشياً طبيعياً موزوناً بل يطلبون هرولة متسارعة يغروننا بها كي ننال الحظوة عندهم .. وهم يستخدموننا كأدوات يُلقى بها عند انتهاء دورها.
- الهرولة في ميادين الطاعة مطلوبة (أحياناً)، قال تعالى: (وعجلت إليك رب لترضى)، وهي لإظهار القوة لازمة، لأجل ذلك هرول الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الأشواط الأولى من طواف عمرة القضاء ليرى المشركون قوته، لكنها في مواضع أخرى قد تتسبب بنزع السكينة فلا يُنصح بها، لأجل ذلك لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت أرجل المسلمين وتسارع خطواتهم عندما أفاضوا من عرفات إلى مزدلفة في حجة الوداع، قال لهم: (عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع).
- المبدعون والمتميزون والسابقون من شيب الأمة وشبابها تتعب الأمة وهي تهرول وراءهم لتدركهم وتتابع انجازاتهم، وتشكرهم على عطائهم، لكنها تعجز عن ذلك لتسارع خطواتهم، فرضي الله عن علمائنا وشهدائنا وأسرانا ومن بذل المال لأجل الله من أغنيائنا.
- أنصاف الرجال والمخنثون من العملاء والجواسيس والمنافقين ممن كشفوا عورات أهلهم وأبناء أمتهم لأعدائهم (في الدرك الأسفل من النار)، جزاءً وفاقاً يليق بتسارع خطواتهم نحو الجحيم.
- الهرولة متعبة لكنها إن كانت في الخير تقصر المسافات وتحفظ الأوقات وتديم النشاط وترفع الهمة وتستثمر الأعمار، ولا يمنع من ذلك محطات استراحة للمسافر؛ فيها شيء من الترويح المباح والمتعة المشروعة لأن ((المنبتَّ (المستعجل) لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى))، والاعتدال مطلوب في كل حال، قال تعالى: (واقصد في مشيك) (لقمان: ١٩).
- الهرولة بالنسبة للمحترفين نوع تسخين لما بعدها من سباق وتنافس .. فليست هي مقصودة لذاتها .. لأجل ذلك تجدهم يستخدمونها كوسيلة من وسائل الإعداد المريح، لا كوسيلة من وسائل الإجهاد المتعب، وما يقال من أهمية التسخين في عالم الجسد يقال في عالم الروح والفكر، فالحبيب صلى الله عليه وسلم كان يبدأ قيام الليل بركعتين خفيفتين يفتتح بهما ليله كنوع تسخين لما بعده من تجلي وتحليق .. وبالهرولة الخفيفة نحمي أنفسنا من شد العضل .. وشد الروح والعقل.
- الضرورة التي تبيح لك (مؤقتاً) التعامل مع الأعداء .. لا تستبيح لك الخضوع والخنوع والركوع تحت أقدامهم والهرولة المتسارعة في إرضائهم وتطبيع العلاقة معهم!!.
- من أقبح وأوقح أنواع الهرولة .. الهرولة والاستعجال في طلب العقوبة، قال تعالى: (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (العنكبوت: ٥٤).

- وختاماً: 
الهرولة في الخير خير، والهرولة في الشر شر، وهنيئاً لمن مات وعلى قدميه غبار في سبيل الله، وبئست الميتة ميتة من مات وعلى قدميه غبار الخيانة والغش، أو الفرار من الزحف المقدس.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة