بالفيديو : برنامج على خطى صلاح الدين - الحلقة 4 بعنوان "علماء التربية والتحرير"

السبت 04 أغسطس 2012 03:31 م بتوقيت القدس المحتلة

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): السلام عليكم أحباءنا مشاهدينا، أعزائي يقول الحسن البصري: "يوزَن مداد العلماء بدم الشهداء، فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء" العلماء في زمن صلاح الدين الأيوبي وقبله نور الدين الزنكي كانوا هم الطبقة الأولى في المجتمع، وكان إذا استكثر أحدٌ عطاءه لعالِم، يقول نور الدين هؤلاء جند الله وبدعائهم ننتصر، وقد كان العلماء والأدباء والفقهاء والقضاة، يحرصون على المشاركة الفعلية في ساحات الجهاد، سلطان العلماء العز بن عبد السلام حرّك المسلمين لمواجهة التتار من خلال كتاب سريع سهل، ألّفه ليحمله المجاهد ويقرأ منه في أثناء أو قيبل خروجه إلى الجهاد، مشاهدينا هؤلاء القادة يعرفون أن تحرير الأرض وتوحيدها ليس عملاً عسكرياً أو سياسياً فحسب، وإنما مسألة صراع حضاري، ونحن علينا أن نسأل أنفسنا ونسألكم، أليس حضور قضايا الإعداد والتربية للجهاد في مؤتمرات العلماء والمتخصصين واجباً شرعياً وحضارياً؟ الطب في عهد نور الدين كان متطوراً وداعماً لجيل التحرير، المهندسون أيضاً كم كان دورهم عظيماً في زمن صلاح الدين، فقط طوّروا سلاح النفط واخترعوا الألغام المائية، إذاً مشاهدينا الأحبة ما الحكم الشرعي في توفير الأمة لهؤلاء المتخصصين، والذين لا يمكن تجهيز جيل الإعداد إلا بهم، بيريز يقول في كتابه (شرق أوسط جديد) إنّ القوة في العقود القادمة في الجامعات وليس في الثكنات" علماءنا المتخصصين الأمة تنتظر منكم خطةً علميةً نهضويةً حضاريةً شاملةً، كلٌ في تخصصه، لكن ننتظرها على خطى صلاح الدين.

مشاهدينا يصحبنا في هذه الحلقة الكاتب و المؤرخ الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل، ويصحبنا كذلك عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمشرف على موقع تاريخ دوت كوم الدكتور محمد موسى الشريف.

إذاً أرحب بكما ضيفيّ الكريمين من العراق ومن السعودية، ونلتقي دائماً على خطى صلاح الدين، ولكل بلد وشعب وعالِم دوره، أبدأ معك هذه المرة دكتورنا محمد موسى الشريف، قولٌ في إحياء علوم الدين بسند ضعيف، يقول الإمام الحسن البصري "يوزَن مداد العلماء بدم الشهداء فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء"، يعني ما هي مكانة العلماء في ديننا وفي تاريخنا؟

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، جزاكم الله خيراً في قناة القدس على أنْ جعلتم لنا هذه الفرصة الطيبة حتى نتحدث إلى الأخوة والأخوات، وأيضاً بمعية أستاذنا الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل، الذي استفدنا كثيراً من كتاباته ونظراته ونظرياته التاريخية والتربوية، جزاه الله عنا خيراً.

العلماء اليوم إذا قيل علماء سنتصرف الأذهان إلى علماء الشريعة، لكن حقيقة الأمر أوسع من ذلك، عند الجيل الأول الصدر الأول كان العلماء يعني العلماء بالله، الذي يعرف الله تعالى، لذلك كانت هناك مقولة مشهورة لأحد السلف يقول: "ليت شعري ماذا يعرف من جهل الله تعالى، وماذا جهل من عرف الله تعالى" فإذا عرف الإنسان ربه وعلم تلك العظَمةَ العظيمة فهو عالم بالله، وعلى ذلك يتنزل قوله تعالى (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) ليس مقصود علماء الشريعة فقط، علماء الشريعة، علماء ما يسمى بالطبيعة التي خلقها الله يعني، و و ....

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): ولذلك ربطهم بالخشي، يخشى، حتى علماء الطبيعة.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): نعم، أوسع دائرة طبعاً، واليوم عندنا علماء الطبيعة بفضل الله تعالى هم الذين يوجهون الناس في قضايا الخشية، في الإعجاز الدكتور زغلول النجار، عالم طبيعي جيولوجي عالم علم أرض يعني، لكنه ما شاء الله يوجه الناس في قضايا إيمانية والإعجاز توجيهاً رائعاً جداً، وكذلك الكثير من العلماء والأستاذة الذين ليس بالضروة أنهم تخرجوا في كلية شرعية أو كذا، لكنّ لهم آثار رائعة؛ لأنهم عرفوا الله تعالى، اتصلوا بالحقيقة الجليلة العظيمة، فظهر لهم أعمال رائعة، والإسلام هذا على أنه ربما أثر ضعيف، لكن هناك آثار قوية جداً وأحاديث رائعة جداً في فضل العلم، فضل العلماء في كتاب الله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) هذه يعني آية رائعة جداً صريحة، وواضحةَ جداً.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): حتى بحثتُ في كلمة المتوسمين، واستخدمتها مرة في بحث علمي، فوجدتُ أنها تشمل المتّعظ، والمتفقه، والمتفكر، والمتأمل، والمتدبر، خمسة عناصر في كلمة واحدة المتوسمين، هذا في باب أيضاً العلم.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): نعم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أثنى كثيراً على العلماء وذكر أنه يسبّح لهم الحيتان في الماء، يسبّح لهم الطيور في السماء، ويستغفر لهم.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): نعم حتى الدين في التاريخ، المكانة التاريخية.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): أما التاريخ يعني الصدر الأول، بالمناسبة الإمام ابن القيّم لما جاء ألّف كتاباً (إعلام الموقعين عن رب العالمين) كتاب مشهور، حصر علماء الصحابة، كم علماء الصحابة، يعني بعض الناس بطريقة الإمام ابن القيّم بجمع بشاهد من هنا، بدليل من هنا، بأدنى مناسبة يجمعهم، وصلهم إلى مئة، مئة من أصل أكثر من مئة وأربعة عشر ألفاً من الصحابة رضي الله عنهم، مئة، والباقي عالمٌ بالله، الباقي عالمٌ بالله، لكن هؤلاء العلماء الذين كانوا يفتون يعني علماء الشريعة، فالعلماء من الصدر الأول كانوا كثرة كاثرة، وبهذا المعنى الواسع الذي ذكرت، وأيضاً ذكر لهم مكانة رائعة، يكفيك أن الخلفاء الراشدين كلهم كانوا علماء، كلهم كانوا علماء ويقرؤون القرآن، الأسانيد إلى الخلفاء الرشدين قراءة القرآن موجودة إلى اليوم، إلى سيدنا علي وسيدنا عثمان وإلى سيدنا عمر بن الخطاب، إلى الآن موجودة الأسانيد إليهم وهم يقرؤون القرآن، وهذه بركة ظاهرة، كانوا علماءً كانوا مفتيين كانوا ... وهؤلاء رأس الدولة، وأيضاً من جاء بعدهم من الخلفاء، بعض خلفاء بني أمية كانوا علماء، وبعض خلفاء بني العباس كانوا علماء على مستوى الخلفاء يعني كانوا علماء.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): نور الدين الزنكي نفسه.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): نور الدين الزنكي كان له مشاركة في الحديث، مشاركة في الفقه، كان له فهم في علوم عديدة _رحمة الله تعالى عليه_

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): حتى صلاح الدين الأيوبي كان يعني فقيهاً شافعياً؟

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): نعم هو قرأ، يعني له مشاركة في الفقه نعم، وكان قرأ على حافظ السلفي في الإسكندرية هو وأخوه، ذهبا إلى الإسكندرية، وقرأا على حافظ السلفي، فيعني أنا أقصد أنه دائماً مكانة العلم والعلماء مكانة رائعة، وكان السلاطين والخلفاء يقربون العلماء إلى بلاطهم، وكان لهم مشهد رائع بجوار الخليفة والسلاطين، بالمناسبة يعني كان له منزلة جليلة، يكفيك أنّ عطاء وهو كما وُصف رحمة الله تعالى عليه، وهو يعني رجل أسود، أفطس، أعرج.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): أفطس الأنف.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): نعم أعرج، دخل على عبد الملك، وعبد الملك كان في الحج، فلما رآه أخذه  ووضعه على السرير بجواره، وجماعة قريش كلهم تحت عبد الملك فتعجبوا، كيف يفعل هذا بأنه كذا، قال هذا عطاء _لما خرج عطاء_ قال هذا إمام المسلمين، هذا وهذا عظّم من شأنه جداً، أن يضعه على السرير بجواره ووجوه قريش كلهم تحته، هذه يعني قضية، فكان هكذا العلماء يدخلون على الخليفة والسلطان يرفع منزلتهم رفعاً جميلاً وجليلاً.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): طيب، دكتورنا دكتور عماد الدين خليل يعني نريد أن نعيش وضع التربية والتعليم والعلماء في عصر نور الدين الزنكي، يعني بالتأكيد كان هنالك لفتات عظيمة رائعة في مؤسسات التعليم المنتشرة في كل مكان، مُنِح لطلبة العلم والعلماء ضمانات مالية وبعثات، وضمانات حتى اجتماعية، الضمان الاجتماعي كان موجوداً أيضاً في زمانه، حتى أصبح العلماء الطبقة الأولى في المجتمع، فحتى الأمراء كانوا يحسدونهم، يغبطونهم على هذه المكانة التي ارتقى بهم ولهم نور الدين الزنكي، الآية طبعاً تقول: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، ما مدى استحضار هذه الآية خصوصاً في مجتمع آل الزنكي والعلماء؟

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): حقيقة نور الدين محمود يعني أسس لنظام تربوي محكم، سار على هديه الناصر صلاح الدين فيما بعد، هذا التأسيس التربوي المحكم تمّ على أربعة مستويات، تكريم العلماء أدبياً، تحفيزهم مادياً، استدعاؤهم من مشارق الأرض ومغاربها، إيجاد شبكة من المدارس تستوعب هذا الجم الغفير من العلماء؛ لأداء مهماتهم التربوية والتعليمية فيها، على مستوى التكريم الأدبي كان ينهض قائماً عندما يدخل عليه عالمٌ من مجلسه قائماً إلى الباب، لكي يضع يده في يد العالم ويأتي به ليُجلسه في جواره، مهتماً به، معتنياً به، لأنه هو الرجل كان عالماً قبل أن يكون حاكماً، هو نفسه نور الدين محمود كان عالماً عالماً قبل أن يكون حاكماً، وبالتالي كان للعلماء عندهم أدبياً منزلة كبيرة جداً، وبالتالي نجد كيف أنه كان يعقد مع العلماء ندوات، يأخذ رأيهم في كثير من القضايا الفقهية التي تعود له، ويلتزم بهذا الرأي، لم يكن يمارس ازدواجية في أنه ينظر أنه هو شوري مع الآخرين ثم ينفرد برأيه فيما بعد، ويضرب برأيهم عرض الحائط، عندما كان يلتزم بالآراء التي يطروحنها، فلهم عنده مكانة كبيرة بحيث أن أمراءه أخذوا يحسدون هؤلاء العلماء على المكانة التي بلغوها، والتي تفوقوا فيها على الأمراء أنفسهم، فكان يعني رحمه الله يقول أنّ هؤلاء يدافعون عني وأنا نائم في الفراش، فبالتالي نجد كيف أنه أتى في هذه الطبقة في هذا المستوى، المستوى الثاني التكريم الأدبي، استدعاهم وأخذ يعطيهم الرواتب العالية، ويدفعهم إلى التفرغ العلمي، والرواتب تأخذ شكل عيني وشكل نقدي، عيناً يعطيهم الملابس والخبز والطعام، ويعطيهم أيضاً رواتب شهرية تُسمّى (الجامْكيّات)، كل شهر يأخذون مبلغاً معيناً يمكنهم من أداء تفرغهم العلمي لمهماتهم التربوية والتعليمية، فهذي مسألة الدافع المادي أيضاً.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): المنجزات مدفوعة الراتب أيضاً.

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): نعم بهذا الشكل، إنما الاتجاه الثالث أو المرتكز الثالث في أدائه التربوي هو استدعاء العلماء من مشارق الأرض ومغاربها، طبعاً العلماء جاؤوا من دون استدعاء، بعد أن وجدوا في دمشق وفي سورية في الشام آنذاك، بيئة خصبة ملائمة للنشاط العلمي والتربوي، فجاؤوا على طريقتهم الخاصة، إنما الكثير جاء منهم باستدعاء شخصيّ منه رحمه الله إلى بلاد الشام لكي يؤودا مهمات أساسية، المستوى الرابع هو إيجاد شبكة، هذه الشبكة من المدارس التي غطتْ بلاد الشام من أقصاها إلى أقصاها، حلب، حمص، حماة، دمشق، بُنيت فيها شبكة كبيرة من المدارس أوقفت عليها وقوفاً كثيرة، يعني سنة 552 فقط، خصصت ستمئة ألف ديناراً لهذه المدارس، منشور واحد لسنة واحدة، ستمئة ألف دينارا لهذه المدارس، من أجل تمكين مدرسيها من التفرغ العلمي، وأخذ ما يحتاجونه من مال، وكان حقيقة يتعامل مع العلماء ليس بحساب الجملة يعني يعبر عليه من هبّ ودبّ، يعرف العالِم الجيد من العالم الرديء، ويفصل العالم الرديء عن العمل، ويصارحه بكل بكل الأشياء، ثم كان يعتمد مبدأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لستُ بالخِب ولا الخِب يخدعني) لستُ بالمخادع، ولكن المخادع لا يمكن ... وقد مرّ عليه عدد من العلماء أرداوا أن يخدعوه فاكتشفهم وطردهم من الساحة، عندما كان يلتزم العلماء الجادين، فعلى هذي المستويات الأربعة مضتْ حركة التعليم والتربية في بلاد الشام، التكريم الأدبي، التحفيز المادي، واستدعاء العلماء، وبناء شبكة من المدارس، وهذه الشبكة من المدارس حقيقة سار عليها فيما بعد الناصر صلاح الدين، بحيث أن انقلابه ضد الفاطميين لم يكن انقلاباً عسكرياً صرفاً، وإلا كان قد أُحبط وقد فشل في نهاية الأمر، إنما كان انقلاباً أعقبه عملية تحفيز للمدارس السنيّة في مصر باستدعاء كبار الفقهاء على طريقة سيده نور الدين محمود، وأنزل إليهم في مصر من أقصاها إلى أقصاها لكي يعلموا الشعب، يغسلوا يغسلوا عقله من آثار الدعوة الفاطمية، ويركزوا مكانها جهدهم التربوي قي تعليمهم المذاهب الأربعة كما هو معروف.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): لك تعليق دكتور محمد؟

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): نعم، هو من المهم أن نعرف أنه كان نور الدين رحمه الله تعالى، علاقته بالعلماء ليست علاقة تقليد وتبعيّة، بل علاقة وعي وفهم، وهذا يتجلى في موقفين، الموقف الأول ذكره أستاذنا قبل حلقتين، وهو عندما كان في المعركة، وجاء إليه أحد العلماء وقال بالله يا مولانا لا تخاطر بنفسك، فإننا نخاف على الإسلام من بعدك وكذا، فقال له ومَن محمود حتى يُقال له هذا، حفظ البلاد قبلي الله لا إله إلا هو، والموقف الآخر مهم، وهو كان هناك زاهد وعالِم من الموصل اسمه عمر الملّاء، هذا أرسل رسالة لنور الدين غريبة، يقول له نحن بحاجة لأنْ نضغط أكثر على بعض المجرمين ليعترفوا بجرائمهم، فنريد أنْ نجلدهم، ونريد أنْ كذا نفعل بهم زيادة على النص الشرعي، فماذا قال له نور الدين _عجيبة هذه_ قال له نور الدين: "ليس بعد الشرع شيء فخذوهم بالشرع وكفى، والذي لا يهذبه شرعٌ لا يهذبه شيء" فصار عمر الملاء إذا جاء إليه أحد يقول انظروا رسالة العالِم إلى الحاكم، ورسالة الحاكم إلى العالِم، يعني هذا المفروض العكس، المفروض العكس أنّ العالِم هو الذي يُلزم الحاكم بألا يتجاوز الشرع، بينما هنا الحاكم هو الذي يُلزم العالِم بألا يتجاوز الشرع، يعني فالعلاقة واعية، نقصد ما كان تلقياً أعمى أو تبعيّة تقليدية عمياء، لا لا هذا يدل على وعي وفهم لهذا الدين.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): نعم، حتى مكانة ابن عساكر في زمن صلاح الدين وعيسى الهُكّاري والقاضي الفاضل والأديب الأصفهاني، نعم ابن شداد كان وزيره ومرافقه، وكتب سيرته النوادر السلطانية.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): في زمن نور الدين ابن عساكر، ابن عساكر منزلته في زمن نور الدين أعظم؛ لأنه ما مكث في دولة صلاح الدين إلا سنتين.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): نعم، طيب أريد أن أسألك دكتور محمد موسى الشريف، ذكر الدكتور عماد عن السخاء، والمراحل الأربعة التي كان يتعامل فيها مؤسسيّاً نور الدين الزنكي، يعني كان يمنعهم أو يمنحهم بسخاء، ويحرص على أن يكون العالِم عزيزَ الجانب، مستحضراً أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم يعني أعطاهم هذي القيمة التي ذكرت إشارة إلى أحد الصحيحة والصريحة، وكان نور الدين يقول عن هؤلاء العلماء "إذا رضوا ببعض حقهم علينا فلهم المنّة علينا" يعني هو لا يحمّلهم، هم يجب أنْ يمنّون علينا إذا اعطيناهم شيء، وإذا استكثر أحدهم ما يعطي هؤلاء العلماء بسخاء وكرم يقول: "هؤلاء جند الله وبدعائهم ننتصر" فأريد أن أسأل كيف ترسم الشريعة العلاقة بين العلماء والمال، وضرورة تبنّي جهود العلماء العلميّة؟

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): هو العالِم لا بد أن يكون عزيزاً، عزيزاً مُصان الجانب، لا يُعرّض نفسه هو لذل المسألة والهوان، ولا بد الحاكم أيضاً أن يراعي هذه القضية، لذلك كان العلماء على مدار تاريخ الإسلام كانوا مكتفين ذاتياً، كيف؟ بالأوقاف، الأوقاف كانت تحفظ كرامة العلماء، لما جئنا إلى العصر الحديث، حوربتْ هذه الكرامة حوربتْ عن طريقين، وحوربتْ أولاً عن طريق التقليل من شأن طلاب الشريعة، فكان طالب الشريعة وطالب اللغة يتخرجان في الكلية يأخذان ثلث راتب المهندس والطبيب، فصارت النظرة أقل، ثم إنه يؤخذ ويُصطفى لهذه الكليّات أضعف الطلاب، هذا لأنهم لا يجدون مكاناً في كُليّات أخرى، فنشأ جيل ضعيف، ونظرة المجتمع إلى هذا الجيل نظرة ضعيفة، في الجملة طباعا هناك استثناءات، الأمر الآخر وهو الاستهزاء الذي جرى على العلماء، كانوا يضعونهم في الأفلام والمسرحيات بصورة سيئة جداً جداً جداً، ثم قاصمة الظهر كانت بإلغاء الأوقاف للعلماء، ألغيَ في عدة أماكن، منها مصر على سبيل المثال لما جاء الطاغية الأسبق عبد الناصر ألغى الأوقاف، ألغاها ألغى الأوقاف للعلماء وهي اليوم تقديرات، يقولون لي بعض العلماء في وزارة الأوقاف المصرية، يحكون لي هذا يعني، التقديرات بمئات البلايين ليس الملايين، قيمة الأوقاف المصرية مئات البلايين، وأنهم بدؤوا يضعون أيديهم عليها وكذا، وجدوها ثروة لا تُقدّر، بعضهم قال لي، قال خمسين بالمئة من أرض مصر أوقاف، محافظات كاملة أوقاف، والكثير منها للعلماء.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): لكن نحن لنا حلقة كاملة عن الأوقاف، وحتى في العراق يعني الأوقاف، يعني الشيء بعض النفط وكان يصرف على السلاطين وعلى قصورهم ...

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): فالعلماء افتقروا، افتقروا واحتاجوا، فلما احتاج العالِم تذلل للحاكم.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): نعم، لكن قضية الأجور قبل الفاصل، يعني نحن نعرف الموقف في ألمانيا قبل فترة عندما كانت الرئيسة الألمانية ميراكل، كان هنالك مطالبات من الأطباء والمديرين حتى والقضاة، يطالبون برفع رواتبهم بمستوى المدرّس، المدرّس راتبه عالٍ في ألمانيا، فقالت كيف أساويكم بمن علّموكم وأساتذتكم يعني؟ على كلٍّ مشاهدينا فاصل ونستمر مع ضيفينا بصحبتكم.

أهلاً بكم من جديد مشاهدينا على خُطى صلاح الدين، دكتور عماد الدين دائماً ضيف عزيز وغالي على ضيوفنا، نريد أن نذهب _كنت نتكلم عن ابن عساكر ومررنا عليه سريعاً_ فأيضاً ابن عساكر يعني صنّف كتاباً في الحديث عن الأربعين حديثاً في الحثّ على الجهاد، في العشر أحاديث الأولى ذكر منزلة الأحاديث التي ذكرت منزلة الجهاد بعد الإيمان مباشرة، منطلقاً من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أي الإيمان أفضل)، ثم اختار أحاديثاً في أبواب في الجهاد منها صناعة السلاح حتى، وقال الحديث من الأحاديث يعني: (إنّ الله يُدخل في السهم الواحد ثلاثة نفراً الجنة، صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يُجهّز به في سبيل الله)، هذا الحديث صححه الحاكم أظن دكتور ووافقه الذهبي، ما الترغيب النبوي الذي يجعل من العالِم مهتماً بتحريض الأمة على الإعداد والجهاد؟

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): والله هنالك شبكة من الأحاديث النبوية الكثيرة تؤكد هذا المفهوم، وتدعو إليه، وتحض عليه، يعني أذكر على سبيل المثال أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول محفّزاً أتباعه الذين لم يكونوا يعرفون قتال البحر مطلقاً، كان البحر بعيداً عن المدينة المنورة في بداية التشكيلة الأولى، يقول: (غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر، والمائض فيه كالمُتشحّط في دمه) كأنه يغريهم أنه على المدى البعيد سيجيء اليوم الذي ستنتطلقون فيه إلى آفاق الأرض، وستجتازون حروب البحار أيضاً، فعليكم أنْ تتهيّؤوا لهذا الحساب بصناعة السفن، بالتهيّؤ العسكري القتالي الذي يمكنكم من مواجهة دولة عريقة في بحريّتها كالدول البيزنطيّة، وقد تحقق هذا في معركة ذات الصواري على يد عبد الله بن أبي سرح، ومعاوية بن أبي سفيان عندما قاتلوا بمئة سفينة فقط، أربعمئة سفينة بيزنطية وقضوا عليها، وانتصروا ودخلوا قبرص، بسببٍ من تلك التأشيرات الأولى التي وردتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنّ غزوةً في البحر خير من عشر غزوات في البر (25:44 _ 25:48) يُدخلهم الجنة نعم، ثم في حديث آخر يقول: (أعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إنّ القوة الرمي ألا إنّ القوة الرمي ألا إنّ القوة الرمي) ثلاث مرات يكرر هذا، والرمي هو إصابة الهدف، سواء بالسهم أو بالرمح أو بإطلاقة أو حتى بالصاروخ عبر القارات.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): ومازال الرمي هو الأساس.

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): الرمي (26:12 _ 26:28) إعداد العسكر المادي، وقد شوهد رجل كبير يركض في المدينة من مكان إلى مكان، فبعض الشباب سخروا منه، قالوا له يا شيخ ماذا جاء بك على موضوع التدريب العسكري؟ قال لهم ألم تسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (مَن تعلّم الرمي ثم تركه فليس منا) بهذا جزم، الذي تعلم الرمي يعني إصابة الهدف ثم تركه فليس منا، فالأحاديث كثيرة في هذا المجال، وكلها شكّلت تلك الأمة من المقاتلين التي اجتازت قتال البراري، والغابات، والصحارى، والبحار، وخرجتْ منتصرة رغم أنها انطلقت فقط من مفاهيم قتال برّي صرف، ناقلين التحديات، استُجيب لها بهذه القدرة من لدن رسول الله، على توجيه أمة نحو القتال ونحو الجهاد في سبيل الله.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): الله يجزيك الخير، دكتور محمد أنت لك كتاب اختصرت به كتاب الدولتين، الروضتين في أخبار الدولتين الزنكية والأيوبية، فأبو شامة يقول الذي هو مؤلف كتاب الخمس مجلدات، أنت اختصرتَ لستُ أدري مجلداً واحداً، طيب الله يجزيك الخير وفي ميزان حسناتك إن شاء الله، يقول يعني عن بلاد الشام أنها كان خالية من العلم وأهله، وفي زمن نور الدين صارت مقراً للعلماء وللفقهاء، رسالتك دكتور محمد لعلماء الشام والعراق ولعلماء فلسطين، وربما يسمعونك الآن يعني، في موضوع محدد وهو واجبهم في إعداد الجيل وتربيته.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): هذه حلقة كاملة، لكنْ يعني العالِم عليه ثقل ضخم في هذه القضية، لماذا؟ لأنه هو الذي تتطلع إليه الأنظار، يوجّه الأجيال، الأجيال الحاضرة تحتاج نشءاً، النشءُ يحتاج فعلاً إلى توجيه، هذا التوجيه إما أن يأتي من جهة موثوقة، أو يأتي من جهة مريبة، ليس هناك حل ثالث يعني، الجهة الموثوقة هي جهة العلم والعلماء والتوجيه الرباني الذي يقوم به العالِم، والعالِم كما اتفقنا بالمعنى الشامل الذي يخاف الله تعالى، الذي يخشى الله تعالى هذا هو العالم.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): مهما كان التخصص.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): يعني هو يربّي بعلمه، وبحاله، وبصمته، وبهديته، هذا هو العالِم الذي يربي، فنحن بحاجة ماسة لمثل هذا، وهذا له أثر عظيم وتأثير كبير في المجتمع لو وُجد، يهدي الله تعالى به أقوماً وينصر به، ويرفع به راية المسلمين بفضل الله تعالى، وهذا الذي جرى منذ الصدر الأول كان العلماء لهم الأسبقية والأفضلية، النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أُحُد يقدم حافظ القرآن في القبر، عندما كان يجمع اثنين وثلاثة في قبر واحد، فيقدم حافظ القرآن، جامع القرآن يقدمه في القبر تكريماً له وتشريفاً له، إلى هذا الحد يعني، وحفظ ذلك المسلمون، وعُنوا بالعلماء على مدار تاريخهم، فالعلماء اليوم عندهم وظائف منها توجيه الحكام ونصح الحكام، الحاكم إذا انفصل عن العالِم هنا الكارثة، هنا الكارثة، إذا اجتمع العالِم والحاكم هذه نعمة عظيمة جداً، اجتمعوا على الخير يعني فهذه نعمة عظيمة جداً، إذا انفصلا حصلت المشكلة التي نعاني منها اليوم أنّ الحكام يتصرفون بدون توجيه العلماء ويخطئون كثيراً، بل البعض مجرم كثيراً في حق نفسه وحق الأمة طبعاً، وعليهم وظيفة كبرى في توجيه العامة، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الوعظ، التربية، أخذ الناس بالحلال والحرام، أخذ الناس بالتوجيه الرباني، العناية بالنشء الجديد، وهذه مهمة مهمة ضخمة جداً، هو إشكال نعاني منه اليوم الجيل الجديد هذا.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): طيب، دكتور عماد يعني نأتي إلى المعوّقات الآن أمام العلماء، معوقات منهم ومِن غيرهم، ليس كله من الحكام يعني، الإمام الشافعي عندما زار قبر أبي حنيفة كان بجانبه مسجدٌ، فلما صلى صلاة الفجر أظن، ترك القنوت، ترك القنوت مع أنه من مذهبه أن يقنت احتراماً لأبي حنيفة لأنه بجانب قبره، وهو أستاذه طبعاً أبو حنيفة، في المقابل يعني يروي ابن الأثير أنه قبل ميلاد عماد الدين الزنكي كان وضع العلماء متنافرين في بعضهم، لدرجة أنه بعضهم يعيب على الحنابلة ويقرأ في قوله تعالى وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، ويقصدون ما كفر سليمان أحمد بن حنبل يعني، ولكن أتباعه أنهم كفروا، يعني كان هناك أشياء حقيقة بين العلماء يعني لا نستطيع أن نوضّح الكثير منها على الهواء يعني، أثر هذا الخلاف على علماء السلطان، على طلبة العلم فيما بين أنفسهم يؤثر بالتالي على شكل فتنة كانوا يعيشونها، نريد أن نفهم أبعاد هذه الفتنة العلمية حتى في زماننا بالذات.

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): والله هذا أحد أسباب انهيارنا الحضاري حقيقة، هذا الموقف الذي تحدثتَ عنه أحد أسباب انهيارنا الحضاري، الذي ربما سأشير عليه فيما بعد، إنما الآن فقط إشارة إلى أنّ الصراع الحزبي والمذهبي بين العلماء قاد الأمة إلى البَوار، التشدد والغلو من بعضهم ضد البعض الآخر قاد الأمة، التشبث بالشكليّات بعيداً عن روح ومغزى العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية، النزول إلى مستوى الفتاوى اليومية، وعدم النظر إلى فوق إلى فقه المقاصد، فقه الموازين، وهو يعطينا فرصاً ممتازة جداً للاستجابة إلى التحديات، أيضاً كبس العلماء وأنزلهم إلى المستوى الأدنى، ضغط السلطات الحاكمة من أيام العباسيين وحتى اللحظات الراهنة، ضغط يمثل التحدي الأكبر والأخطر للنشاط، ولحرية العالِم في أن يقول ما يشاء، ويكتب ما يشاء، ويُدلي بما يشاء، ضغط السلطات وما أكثر السلطات الجائرة التي حكمت ديارنا منذ عصر العباسيين وحتى اللحظات الراهنة، هذا الضغط المتواصل، بعدها جاء الاستعمار فمارس عملية تطهير عرقي إذا صح التعبير لكل ما يتعلق بالدين واللغة في ديارنا، بدءاً من المغرب والجزائر وصولاً إلى العراق، تدمير كل ما له علاقة بالغة العربية التي هي أداة توصيل لمفاهيم الدين الإسلامي وبالدين الإسلامي نفسه، فهذه كلها، ثم بعد ذلك جملة القضايا المعيشية الاجتماعية التي تحدث عنها أخي الدكتور محمد فيما يتعلق بإذلال متعمّد أيضاً من السلطات، ومن السلطات الاستعمارية بالذات للعلماء في عصرنا برواتبهم الهزيلة، بجعلهم في الخط الثاني في الحياة الاجتماعية، بملابسهم المهترئة التي نقارنها بملابس ...

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): لا لا ، أنا الذي أقصده الداخلي، الفتن الداخلية من العلماء أنفسهم فيما بينهم.

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): فيما بينهم وفيما يأتي، كيف تصير الفتن الداخلية فيما بينهم؟ بالتأثيرات التي تأتيهم من خارج دائرتهم أيضاً، وأيضاً فيما بينهم، تقول هذه العوامل اجتمعت فقادت العلماء إلى ما نحن فيه الآن، ولكن يبقى هنالك شريحة كبيرة من العلماء، بقيوا صامدين، وكانوا في القمة في عطائهم وأدائهم ومجابهتهم لهذه التحديات.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): دكتور محمد موسى الشريف أيضاً بعض العلماء، الأدباء، الشعراء، الفقهاء، لا يحبون أنْ يظهروا حتى في مؤتمر يذكر أي لفظة تدل على تربية الجيل باتجاه القدس، أو يمشي على خطى صلاح الدين، حتى لا يتبنوا مشاريع لا مالية ولا معرفية ولا يحبون أن يشاركوا فيها ولا يظهروا فيها أمام الكاميرات ولا يكتبوا عنها وما إلى ذلك، ما هي رسالتك لهؤلاء الذين يعتقدون أنّ ذلك من باب المجاملات الحضارية وتبريرات كثيرة يعنى؟

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): هذه آفة سببها عدة أمور، بعض العلماء يُؤثر الانعزال، يُؤثر اعتزال المجتمع، عنده محفوظات يرددها، عنده أمور يحفظها، عنده قضايا يحققها، عنده عنده عنده ... فهذا أدى به إلى اعتزال المجتمع، هو نفسيته تريد هذا طيب، وبعض العلماء عنده خَوَر وضعف وجبن ذاتي، لا يستطيع، يظن كل شيء يظنه خطأً ويظن أنه سيحاسب عليه ويظن أنّ فلان سيغضب عليه، وفلان كذا فيمتنع، هذا ثاني أيضاً، بعض العلماء أيضاً عنده ضغط الواقع الذي يعيشه، هو يعيش مثلاً في بلد فيها ضغط سياسي صعب جداً، هو ليس بجبان ولا خوّار ولا رعديد، وهو ليس أيضاً باعتزالي في المجتمع لكنه يعيش في ظرف سياسي حاد سياسي صعب جداً، وهذا يضغط عليه لا يستطيع، إما سياسي طائفي أو سياسي طاغوتي قوي إلى آخره، فلا يستطيع.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): طيب رسالة الترغيب والترهيب شرعياً ما هي؟

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): هناك طائفة من العلماء ما شاء الله تجاوزت هذا، تجاوزت كما ذكر الأستاذ، تجاوزت هذه القضية وضحّتْ وبذلتْ وقدّمتْ روحها في بعض الأحيان، وقدمتْ حياتها وقدّمتْ وقتها وقدّمتْ جهدها في سبيل هذا الدين، آفة آفة موجودة، لكن كما قال الأستاذ هذي نقطة مهمة جداً، مازالت طائفة من العلماء ما شاء الله مضحية معطاءة باذلة، تفعل ما في وسعها لنصرة هذا الدين، وهي موجودة بفضل الله تعالى الخير موجود، لكن تلك الطوائف من العلماء على اختلاف الأسباب التي أدتْ بهم إلى هذا، ليسوا قدوة، ليسوا قدوة في هذا الباب، ويجب أنْ يُنظر إليهم على أنّ عندهم سبب خاص يمنعهم نعم.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): دكتورنا الفاضل، سلطان العلماء العز بن عبد السلام كان عمل كُتيّباً للجهاد، كان يعني يتلوه المجاهد قبل أو في أثناء الجهاد، يعني يستفزه ويحضّه، وهناك كتاب (مشارع الأشواق في مصارع العشّاق) أيضاً، ولكن الآن من باب التحريم الأمني ربما نحتاج إلى مجالس لإقراء ثقافة وأحاديث وآيات الجهاد في محاضن التربية والدعوة، حتى في فلسطين المحتلة في الثمانية وأربعين يمكن مسموح لبعض ... يعني أفضل من بعض الدول العربية يصلهم إلكترونياً، وكتب حقيقية في المكتبات ممنوعة في بعض الدول العربية للأسف، ما حكم مَن يمنع إصدار قراءة الكتب، والمشاركة في برامج، في خطب تربي الجيل؟

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): نقارن هذا بمفهوم المعاكسة أو مفهوم المغايرة أنّ معظم حركات الجهاد الإسلامي على مدى التاريخ، وحتى تاريخ اللحظات الراهنة قادها علماء الشريعة الإسلامية، معظم حركات الجهاد بدءاً من المغرب وانتهاءً بالعراق الذي قادها هم، وكان المجاهدون من أيام الحروب الصليبية، يعني ابن الجوزي قبل أن يكتب، وقبل أنْ يدوّن شيئاً كان يخرج بنفسه لكي يخطب في المسجد الأموي في دمشق، ويلم حوله جماهير الناس، ويخرج مقاتلاً بهم، مقاتلاً بهم للخصم الصليبي، فكان العلماء ينفذون مقولاتهم في أرض الواقع على مستوى السلوك قبل أن يكتبوها أو يدونوها في كتب ومؤلفات، فأعطى المصداقية العز بن عبد السلام موقفه أيام معركة قبيل معركة عين جالوت معروفة، معروفة جداً، عندما باع سلاطين مصر في سبيل تشكيل تجميع المال الكافي لحشد هذه الغزوة المجابهة للتحدي المغولي الخطير الذي كاد أن يقضي على مصر وعلى الحضارة الإسلامية عامة، وانتصروا في نهاية الأمر بجهود كثيرة، إحداها جهود العز بن عبد السلام، فالعلماء كانوا إضافة إلى كتاباتهم وندواتهم، كانوا في سلوكهم يضربون مثلاً عملياً على خطط العالِم المسلم على الجهاد في سبيل الله، فعلماؤنا المعاصرون يجب أن يقتدوا بهؤلاء كما قلتُ في حلقة سابقة التاريخ أكبر معلّم، المعلّم الأساسي للإنسان هو التاريخ، فعلى هؤلاء أنْ يتعلموا من أولئك، وإلا دخلوا كمان نقول في العامية (مزبلة التاريخ)، ولن يرحمهم لا التاريخ ولا رب العالمين، إذا سحبوا أيديهم عن أداء مَهماتهم الأساسية في هذا العالَم، وقالو اللهم أجرنا من النار واكتفوا بالصلاة والصيام، هذا لا يجوز.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): طيب دكتور محمد نفس السؤال، ما الحكم الشرعي في مَن يمنع الكلام في هذه المواضيع، نشر الكتب، البرامج التلفزيونية، وتكون تحت رقابة صارمة، يعني حتى بعضهم يتعمّد أسوأ من المانع، يعيّن خطباء ومسؤولين في وزارات الأوقاف والوعظ وغيره، يعني رغم وجود أحاديث تحذّر مَن يؤم الناس، ويخطب في الناس، ما حكم مَن يعيّن هؤلاء الناس الذين يحاربون الله ورسوله، ويبعدون الناس عن مفاهيم تربّي جيل النصر.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): هو النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنّ الجهاد ماض إلى يوم القيامة، الجهاد ماض رغم كل هذه المحاولات البائسة اليائسة التي توقف عجلة الجهاد، لا يمكن الحمد لله ظهر الجهاد في أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن أتحدث عن الهجري، وانتشر في العالم الإسلامي انتشاراً رائعاً، وفي فلسطين عندكم ما شاء الله حركة جهادية رائعة جميلة جليلة أعادتْ الأمل للأمة، فبعض الحكام ربما يقف موقفاً سلبياً لعدة أسباب من قضية الجهاد يعني، وهذا طبعاً لا يجوز شرعاً؛ لأن هذا الجهاد هذا ركن من أركان هذا الدين العظيم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام) ذروة السنام يعني أعلى شيء الجهاد، وعد الصحابة عندما قال في العشر من ذي الحجة، أيام العشر من ذي الحجة، ما مِن أيام العمل الصالح فيهم أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام، قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ السؤال الأول، يدلك على أنّ الجهاد كان له منزلة عندهم، منزلة راقية جداً، أنا أبشّر الإخوة والأخوات بأنّ الحمد لله مفهوم الجهاد رجع، والمجاهدون انتشروا في الأمة، نعم في بعض الأخطاء، بعض القضايا، بعض الأمور التي ننكرها في هذا الجهاد، مِن يعني أفعال وأقوال ونظريات خاطئة، لكن الأصل هو السلامة بفضل الله تعالى، وانتشر هذا الجهاد انتشاراً رائعاً في الأمة.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): يعني الحكم الشرعي في منع مَن يتكلّم في أمور التربية الجهادية.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): لا، الإثم لا يجوز المنع، لا يجوز إلا إذا كان هناك تخوّف من انتشار نظريات باطلة في قضايا، مثل التكفيريين الذين يكفّرون الناس، مثل بعض الذين غفر الله لنا ولهم يعني يذهبون بالجهاد بعيداً عن مقصده، ويجاهدون المسلمين عوضاً عن أنْ يجاهدوا الكافرين، هذا يُمنع، يُمنع لا شك، لكن غيره لا يجوز.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): سببه تقدّم الجهاد على العلم، فقط لأن العلم يتقدم على الجهاد.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): صحيح، صحيح.

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): لا بل أنّ بعض المفكرين الإسلاميين للأسف الشديد يعني وجّهوا الجهاد توجيهاً خاطئاً باعتباره مهمات دفاعية صرفة، أنّ الجهاد فقط مهمّته الدفاع عن الأرض الإسلامية، والأمة الإسلامية في حالة وقوع عدوان عليها، نسيوا أنّ الجهاد في طبيعته حركة انتشارية، سواء اعتدى علينا أحد، أم لم يعتد علينا أحد، حركة انتشارية في العالم من أجل إزاحة الإطاحة بالطواغيت، وإعطاء حرية الخيار الإنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن كون هذه الجهة التي ستُغزا حاولت أن تعتدي على هذا الجانب وذاك من جوانب الأمة الإسلامية أم لا، إنما الإسلام بطبيعته يقوم على حركة جهادية انتشارية الطابع، وليست دفاعية ذاتية نعم.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): طيب لو بقينا معك دكتورنا، يعني الآن نريد أن نتكلم عن محور علماء التربية والصراع الحضاري، يعني نحن أمة لسنا دعاة صراع حضاري، وبالتالي أيضاً نحن لسنا دعاة سكون حضاري، نحن نعيش التدافع الحضاري كما يقول المفكر محمد عُمارة، نريد قبل أن ندخل إلى هذا المحور نأخذ فقط رأيك في تعريف الحضارة، ورأي الدكتور محمد.

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): الحضارة هي معطيات أمة من الأمم في زمن ما، معطيات أمة من الأمم في زمنٍ ومكانٍ ما، باختصار شديد هذه المعطيات كل ما تقدمه الأمة من حضارة، في السياق الإداري، في السياق الاجتماعي، في السياق الاقتصادي، في السياق العمراني، في السياق العلمي الثقافي الفكري، هو فعل حضاري، أداء حضاري، فإذا التم مع بعضه وفق بؤرة معينة شكّل حضارة ذات خصوصية معينة كما درس (التوين بي) أنّ التاريخ البشري شهد 27 حضارة، 27 حضارة شهد التاريخ البشري، كل حضارة لها مواصفاتها وسماتها التي تميزها عن الحضارات الأخرى.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): هل يفرق الدكتور عماد الدين خليل بعد بحثه ربما مُكَثّفاً في هذا الموضوع بين المدنيّة والحضارة، أنّ مواصفات الحضارة تحلّق بثلاثة أجنحة، الدنيا عفواً المدنيّة والأسباب المادية والأسباب المعنوية الأخلاقية السلوكية، ويضيف بعضُ الباحثين الإسلاميين أخروياً حتى، يعني الحضارة التي تنجيني في الآخرة ما الفائدة؟

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): نعم، هم يقسمون الحضارة إلى قسمين، المدنيّة الجانب المادي وهو الجانب المدني، الخدمي، التكنولوجي، العلمي ...إلخ، والجانب الثقافي بما فيه البُعد الديني، نحن لا نضع البُعد الديني في حلقة محدودة في الجانب الثقافي، إنما نجعله مشرفاً على كل الأنشطة الحضارية، وهو الذي يشكّل الحضارات، البُعد الديني.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): بجملة واحدة تعريفك للحضارة دكتور محمد.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): الحضارة هي منجزات أمة ما كما ذكر لك، بعض الناس يفرّق بين المنجزات المادية والمنجزات المعنوية، ويُدخل تلك في الثقافة وهذي في الحضارة، ليس موضوعنا الآن، لكن الميزة الرائعة لهذا الدين العظيم والحضارة الإسلامية؛ أنها من أول يوم أتت جمعت بين الإيمان والعلم، اليوم الحضارات تُعاني من فقد الإيمان، لذلك استوحشت، لذلك صارت جبروت وطغيان، بينما الإسلام من أول يوم اقرأ باسم ربك، اقرأ هو العلم، باسم ربك هو الإيمان، فجمعت إذاً بين هذا وذاك.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): طيب جزاك الله خيراً، دكتور محمد موسى إن شاء الله أتابع معك بعد فاصل، مشاهدينا نتابع معكم بعد فاصلٍ قصير إن شاء الله.

إذاً مشاهدينا بعد أن عدنا من هذا الفاصل نواصل مع ضيفينا الدكتور عماد الدين خليل المؤرخ المعروف، والدكتور محمد موسى الشريف صاحب موقع التاريخ دوت كوم، وعضو المجلس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، دكتور محمد موسى أواصل معك في نقطة يعني كانت من الرسائل التي لم نكتملها معك بعد، يعني ابن الأثير صاحب كتاب الكامل وغيره يشبّه مجلس الرسول صلى الله عليه وسلّم، عفواً مجلس نور الدين الزنكي بمجلس النبي صلى الله عليه وسلم، المواضيع التي كانوا يتناولونها متشابهة، منها مثلاً كان يُذكر موضوع العلْم، رجال الدين، علماء الدين، أحوال المسلمين، أحوال الجهاد، المشورة في الجهاد، قصْد بلاد العدو أيضاً، قضايا الجهاد الآن مثل ما ذكرنا قبل قليل غير حاضرة، أيضاً في موضوع وأنت تشارك في مؤتمرات كثيرة، في مؤتمرات العلماء على الأقل مواضيع تسبق الجهاد، مواضيع قضايا إعداد وتربية هذا الجيل أيضاً ليست حاضرةً، أليس حضورُها واجباً شرعياً، وواجباً حضارياً؟

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): يعني أنا لا أوافق على هذا التعميم؛ لأنه هناك بعض التعميم في الكلام، لكن فعلاً هناك معضلة، معضلة أنّ العلماء لا يملكون القرار، هذه المشكلة، أنا في السابق ذكرتُ لك بياناً عاماً...

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): كان في تراجع في المؤتمرات التي تتناول هذه المواضيع في الأشهر الأخيرة.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): الإشكال هو هذا يعني، نحن نقول لهم إلى متى المؤتمرات؟ مؤتمر ومؤتمر ومؤتمر والتوصيات توضع في الأدراج، ثم لا يُعمل بها، ولا تجد طريقها للتنفيذ، طيب إلى متى؟. ليس معقول، المشكلة هي هذه، المشكلة أنّ العلماء لا يملكون وسيلةً ولا ذراعاً للتنفيذ إلا في القليل، في القليل، وهذا هو الذي يؤدي في الناس إلى ربما الزهد في مثل هذه المؤتمرات، أو في نتائج مثل هذه المؤتمرات، يعني أنا فقط مسألة تعميم هذه لا أوافق عليها، يعني هناك مؤتمرات جيدة، هناك أعمال طيبة تصدر من العلماء ومن المربين وكذا، لكنها في جملة طبعاً ناقصة كما تفضلتَ.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): لكن لو قارنّاها بأحد المبادرات المتوقعة، يعني الأوراق، يعني الكلام في هذه الأشياء كثير، لكن لو قارنّاها بمسألة واحدة نعيشها الآن، المتخصصون من أساتذة الجامعات في الموضوع الصهيوني، الذين يتابعون ملف القدس كيف يحولونه إلى تقسيم مكاني وزماني وأمور نجحوا بها قانونياً وبين قوسين حضارياً ودينيّاً وتهويداً إلخ، يعني هم وصلوا إلى شيء بسرعة.

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): أخي بسبب لنكون واضحين أخي، اجتماع القرار السياسي مع قرار العلماء، يعني العلماء إذا اجتمعوا فيجدون طريقاً طريقاً للتنفيذ عن طريق القرار السياسي، نحن في الأغلب الأعم ليس لدينا هذا، هذه مصيبة نعاني منها أخي ما عندنا هذا الأمر.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): طيب دكتورنا الفاضل دكتور عماد، نور الدين الزنكي كان ينظر حتى للعمل العسكري، يعني كونه عارفاً الصراع الحضاري، عارفاً طبيعة العصر الذي يعيشه، كان ينظر إلى العمل العسكري أو الحملات الصليبة، لا أدري الدكتور ذكر ثلاثين عملاً عسكرياً ضد الحملات الصليبية ...

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): نعم في عشرين سنة.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): في عشرين سنة يعني، فكان لا ينظر له على أنه عملٌ عسكريٌّ أو عمل سياسي فقط، إنما هي مسألة صراع حضاري دائم، ومسألة عن عِلم وتخصص، فهل نور الدين الزنكي قبل مئات السنين متقدم علينا نحن الآن في هذه النظرة؟

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): والله هي تراكم الخبرة تجعلنا نتردد في الإجابة بالإجابة عن سؤال كهذا، تراكم الخبرة تعطي رؤية أكثر عمقاً وإيغالاً بمرور الزمن من ذي قبل، فبالتأكيد الآن الدراسات الحضارية أكثر استشرافاً للمفردات الحضارية مما كان عليه أجدادنا يوم ذاك، لكن مع هذا نور الدين بقدر تعلق الأمر بعصره كان يملك رؤية حضارية من حيث أنه يعتبر الغزوات التي يقودها ضد الصليبيين وينتصر فيها لا تكفي وحدها ما لم تقم علة بناء أمة مقاتلة، ودولة إسلامية تحكم بما أنزل الله، وقد نفّذ هاتين المسألتين تنفيذا طائعاً وصارماً بحيث أنه لم يترك صغيرةً وكبيرةً في الحياة إلا وضع بصمات الإسلام عليها، وأعاد صياغتها بما يريده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي رؤيته الحضارية كانت نافذة في هذا المجال، وقدمت للأمة الكثير الكثير من حيث أنه أنشأت دولة قدرت على أنْ تجابه هؤلاء مجابهة عقائدية وليست سياسية وعسكرية صرفة.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): يعني العلماء والمتخصصون الآن في عصرنا الذي نعيشه الآن، هل لديهم في تقديركم رؤية حضارية، أو رؤية للصراع الحضاري على أنه حضاري، أو للتعايش الحضاري أم أنهم يعني في سُبات حضاري؟

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): نعم ابتداء علينا أن نتجاوز مبدأ إما هذا أو ذاك، إما الصراع وإما الحوار، ونستبدل هذه المقولة بمقولة هذا وذاك، والله هذه تخلصنا في المؤتمرات، في اللقاءات، وفي المناقشات من كثير من الإشكاليات، الطرفان هما هما يكمل بعضهم بعضاً و لا يتناقد بعضهم مع بعضهم الآخر، الطرفان وجهات النظر تلتقي مع بعضها إذا قلنا هذا وذاك، وليس إما هذا أو ذاك ...

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): وإذا فُرض علينا الصراع الحضاري؟

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): بينه وبين الغرب، بينه وبين الغرب صراع وإمكانيات واسعة للحوار أيضاً، الحوار ليس العسكري، وليس سياسي، وليس الديني، أرفض فكرة الحوار الديني لأنه لا يصل إلى نتيجة مطلقاً بين التثليث وبين التوحيد الإسلامي الخالص، لا يمكن أن يصل الحوار إلى نتيجة وهو أضحوكة علينا، ومحاولة لتحريفنا عن مسارنا التوحيدي الأصيل، إنما الحوار الثقافي، نحن مع الغرب ممكن أن ننفتح، نأخذ منهم الكثير الكثير، نعطيهم الكثير الكثير، إذا عرفنا كيف... ما الذي نأخذ وما الذي ندع، وهنالك الكثير من الكتاب الآن عندك جاسم سلطان، الدكتور جاسم سلطان، الدكتور محمد عمارة، الدكتور شفيق منير، الدكتور طارق سويدان، كتبوا كثيراَ في قضية الصراع والحوار الحضاري، وأشاروا إلى إمكانيات وبوابات التحاور مع الآخر مع الغرب، ونحن في الحقيقة نستطيع أن نتقدم على الغرب بمشروعنا الحضاري، بفكرنا المتميز، بعقيدتنا العليا، حيث سقطت كل المذاهب والنظريات والتجارب الأوربية واحدةً تلو الأخرى، وهي رأسمالية  تدخل طرقاً مسدودة، والأديان حُرّفتْ، والشيوعية سقطتْ والنازية سقطت، ولم يبق إلا هذا الدين وكبار كبار علماء الغرب الآن ينادون بأنّ الإسلام قادم لا ريب فيه للمشاركة في إعادة صياغة مصير البشرية، بسبب أنّ الجناح الغربي العلماني المادي الذي التصق بالأرض فقدَ صلته بالسماء، فلا بدّ من حضارة تأتي لكي تعطيه جرعة لتعديل وقفته الخاطئة التي التصقت أكثر مما يجب في الأرض، وتحولت إلى حضارة ما يسمّى بالصنع، والسوبر ماركِت والكباريه أبداً، حضارة الغربيين حضارة المصنع والسوبر ماركت والكباريه، الشغل المتواصل والاستهلاك والمتعة، هذه هي، وبالتالي يفقدون بُعدهم الروحي الذي سيأتي به هذا الدين ويعدّل الوقفة الجامحة، وهذا البُعد الروحي قاد غياب البُعد الروحي في التجربة الغربية في أقصى في أرقى الدول، قاد إلى أنْ يُطرح قبل سنوات قلائل قبل سنتين، أنا قرات على الشاشات الفضائية عشرة في المئة من الأمريكيين يعانون من داء الاكتئاب الذي يقود بعضهم إلى الانتحار، ثلاثون ملياراً وليس مليون دولاراً خصصتْ اليابان وهي أرقى الدول تقدّماً مادياً، خصصتها لملاحقة حالات الاكتئاب والانتحار في الساحة اليابانية، وفي السويد تعرفون أنها ضربتْ مثلاً في الانتحار، إذاً ما الذي يعنيه هذا؟ أنّ البشرية في حاجة إلى من يُعدّل وقفتها باتجاه الارتباط بشيء آخر غير الالتصاق بالأرض بالسماء بالآخرة بالوجدان الروحي وإلى آخره.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): طيب دكتورنا الفاضل يعني تخصص الدكتور محمد موسى الشريف بالشريعة، ومُحاضر وفي التاريخ أيضاً، في نفس الوقت هو كابتن طيّار، كان العلماء سابقاً أيضاً هو فيزيائي، وهو لغوي، وهو فيلسوف، وهو مفسّر، وهكذا وينسحب هذا على عدد ضخم من العلماء، بالتالي أسألك من هذه الزاوية دكتورنا محمد موسى، عندما نتكلم عن العلماء، العلماء في الأمة الإسلامية وفي الحضارة الإسلامية لا نقصد فقط علماء النص ولا علماء الوقف فقط في اتجاه شرعي، بكل التخصصات، نتكلم مثلاً عن الطب والهندسة في زمن نور الدين وصلاح الدين، يعني كان أبو الحسن النقّاش طبيباً يأتي إليه التلاميذ من كل الأصقاع والأنحاء، وجاء من بغداد إلى الشام، وصار كل طيبب بارع يتتلمذ ويدّعي أنه تتلمذ على يديه، كذلك المهندسون الذين وصلوا مرحلة متقدمة في الاختراعات والاكتشافات، الدبابة، الألغام المائية، المنجنيقات التركية وغيرها، وسلاح النفط الذي طوّروه، الآن ما الحكم الشرعي دكتور محمد في توفير الأمة لهؤلاء المتخصصين؟ وكيف يعني أو ما هو العدد المطلوب؟ هل من نسبة معيّنة؟ هل إقبال الطلاب وأنت تربي الأجيال في الجامعات يعني تقول لهم لا نريد الشريعة، نريد التخصصات، كيف نتفاعل مع هذه القصة؟

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): هو من خصائص الإسلام أنّه قائم على التوازن في كل شيء، التوازن بين الدنيا والآخرة، بين العلوم الطبيعية والعلوم الشرعية، بين الحاجة هنا والحاجة هنالك، فلذلك نحن بحاجة لكل ما ذكرت، ولكل مَن ذكرت، نحن بحاجة إلى علماء الشريعة، نحن بحاجة إلى ما يُسمّى بعلماء الطبيعة التي خلقها الله سبحانه وتعالى، نحن بحاجة إلى علماء النفس، نحن بحاجة إلى علماء التربية، إلى المؤرخين، إلى الجغرافيين ...إلخ، والإسلام من مزاياه الرائعة أنه أتى للعالَم بشيء لا يعرفه العالَم، هذا التوازن لا يُعرف في العالم، يعني كانت الكنسية كما هو معلوم يعني علماؤها كانوا أجهل الناس بالطبيعة وبالفلك وبعِلم الأرض، ولذلك أتوا بالكوارث التي ألزموا بها الناس إلزاماً، حتى اقتنع علماء الغرب إما الكنيسة وما تأتي به من مناظرات علمية فاسدة، وإما الإلحاد، فوصلوا إلى نتيجة أنهم جنحوا للإلحاد، أما نحن بفضل الله تعالى كما تفضّلتَ كثيرٌ من علمائنا كان يجمع بين تخصّصات كثيرة، والأمور قائمة على التوازن، كنا للأسف في القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر الهجريين، كنا في مرحلة تراجع حضاري كان صحّ التعبير، في الرابع عشر بدأت النهضة، في الخامس عشر تغيرت مفاهيم عديدة بفضل الله، أصبحنا نعيش مرحلة أخرى مختلفة بفضل الله تعالى عمّا كان يعيشه آباؤنا وأجدادنا، لا أدري يوافقني الأستاذ أو لا ، لأنه هو عاش أكثر من معيشتي، الله يوفّقه ويبارك في عمره، يعني في مرحلة الآن مباركة مقارنة قبل مئة سنة من الماضي.

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): بالتأكيد بالتأكيد.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): طيب دكتور دعني أبقى معك في سؤال أخير معك، ثم أنتقل إلى السؤال الأخير مع الدكتور عماد، الملك العادل الملك الشهيد يعني نور الدين كان يجلس مع القادة العسكريين ويمارس قضية الشورى، يعني جعل منهم دار دراسات عسكرية ومنظومة للعلم العسكري، الآن كثير من الكوارث التي حلّت بنا بسبب أنّ زعماءنا ليس لهم إلا قرارات شمولية مركزية دون الرجوع إلى دور الدراسات، يعني في بعض الدراسات لا أريد أن أدخل في الأرقام لضيق الوقت الآن، يعني يصرفون مبالغاً ضخمةً على دور الدراسات ليصلوا إلى قرارات حكيمة، وإن كانوا في الليل كما يذكر في كتاب عالم بوش السري، مؤلفه يذكر أن كارتر وزوجته قبل النوم يقرؤون فصولاً من التوراة كل أحد، يعني هم أيضاً يعرفون ما عليهم، لكن ما أثر _بجملة صغيرة_ ما أثر التصدر العسكري للتربية والإعداد في يعني دون التنسيق مع علماء وخبراء؟

الدكتور محمد موسى الشريف (الضيف): لا يمكن العسكري بطبيعته اليوم ليس العسكري مثل نور الدين، يعني كان العسكري أيام نور الدين يحصل على قسط جيد من التربية الإيمانية والتربية الروحية، والتربية الحضارية والاجتماعية قسط لا بأس به يعني حتى لا نبالغ، أما اليوم انفصلت هذه القضية خاصة في الدول التي لا تتبنّى الإسلام منهجاً، لا يمكن يعني الكليّات العسكرية أخي كانت تحرّم الصلاة يا أخي، كانت الصلاة ممنوعة في الكليّات العسكرية، كان مَن يوجد ويُلحظ وهو يصلّي هذه مشكلة كبرى عنده، أخي يعني ماذا نقول يعني كان أكثر العسكريين الكثرة الكاثرة لايصلّون، ولا يصومون، دع عنك مسألة التوجيه الحضاري والتربوي، ما يصلي هذا ممنوع أن يصلي، ما كان فيه هذا الكلام ممنوع جداً، فيعني عندنا انفصام تام في الماضي القريب بين الإسلام وبين العسكرية.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): يعني فقط سيف الوقت مسلط دائماً على المقدِّم وعلى ضيوف البرنامج قبل المشاهدين، دكتور بجملة أخيرة تعليق من حضرتك لمقولة في كتاب شرق أوسط جديد لبيريز، يقول : (إنّ القوة في العقود القادمة للجامعات وليس للثكنات)، وأنت مؤرخ وحضاري ومحاضِر.

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): هذا صحيح، كلامه صحيح، قاعدة صحيحة إذا قدرنا على أنْ نتبنّاها ونجعل من الجامعات نقطة انطلاق لنهضتنا المعاصرة فنكون قد وضعنا ...

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): وكم جامعاتنا بعيدة أو قريبة.

الدكتور عماد الدين خليل (الضيف): بعيدة جداً عن هذا، بعيدة وتزداد تدهوراً يوماً بعد يوم، مثل العراق وفي بلدان عربية أخرى التعليم الجامعي بدأ يعني نلحظ عليه تدهوراً نحو الأدنى، وليس صعوداً نحو الأعلى، وبالتالي لو جعلنا لو قدرنا على أن نجعل من الجامعات نقاط ارتكاز للفاعلية لفاعلية الأمة في مشاريعها وفي خططها نكون قد وضعنا خطواتنا على الطريق الصحيح.

الدكتور عمر الجيوسي (المقدم): كل الشكر وبطاقالتقدير المتلاحقة لضيفي الكريمين الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل وللدكتور محمد موسى الشريف، وتحية خاصة من فريق البرنامج لكم مشاهدينا في فلسطين وفي كل مكان، وهذه تحياتي مرة أخرى، السلام عليكم.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة