رسالة المنبر "أيهما أولى؟!"

الخميس 15 فبراير 2018 10:03 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "أيهما أولى؟!"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- لا تزال الحيرة تحيط بِنَا في مساراتنا الحياتية المختلفة ما لم يكن من الله تعالى عون وتوفيق لنا، فهو سبحانه (عالم الغيب والشهادة)، ويعلم ما كان، وما هو كائن، وما سوف يكون.
- يحكم اختياراتنا اعتبارات عديدة منها:
1. ظروفنا النفسية والاجتماعية التي نمرُّ بها.
2. حاجاتنا الأساسية التي نطلبها.
3. عواطفنا ومشاعرنا وغرائزنا.
4. ظروف نشأتنا وبيئتنا ومكان إقامتنا.
5. طموحاتنا وآمالنا القريبة والبعيدة.
6. مستوانا المعيشي والأكاديمي.
7. ثقافتنا وخبراتنا الحياتية.
8. مستوانا الإيماني وروحنا المعنوية.

- يأتي سؤال: أيهما أولى؟ للمقارنة بين خيارين أو مسارين، أو أكثر .. وكلما كثرت الخيارات زادت الحيرة .. وكلما زادت الاعتبارات سالفة الذكر في تأثيرها على قراراتنا وخياراتنا تعقّدتْ مهمتنا .. وقد ندخل في دوامة تيه لا نخرج منها إلا بعد ضياع الفرص واستحكام التحديات وفوات الأوان.
- بعض اختياراتنا ومساراتنا لا ينكشف لنا حالها إلا بعد خوض غمارها .. فلا يصح الندم بعد تمام الأخذ بالأسباب والتوكل على رب الأرباب، ولا يجوز الإفراط في الابتهاج ولا في الحزن (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
- من تلبيس إبليس على الطيبين؛ إقناعهم بالانشغال بالمفضول دون الفاضل، وبالمهم دون الأهم، وبالفروع دون الأصول، وبالنوافل دون الفرائض، فترانا نمضي جزءاً كبيراً من جهودنا وأعمارنا في الثانويات دون الأساسيات، ونكون قد خسرنا الأهم ولَم نبلغ تمام مرادنا في المهم؛ لأن سنن ترتيب الأمور بنيت على أساس تثبيت القواعد قبل إقامة الطوابق العالية فوقها.
- أيهما أولى؟ سؤال بنى عليه فقهاؤنا فقهاً جميلاً أسموه: فقه الأولويات، والذي به يتم تقدير واجب الوقت، فلا يقدم ما حقه التأخير، ولا يؤخر ما حقه التقديم، ونعرف من خلاله الأمور الأجدر بالعمل.
- أيهما أولى؟ سؤال يُستثنى منه الخيارات القبيحة والضارة والمحرمة، ويبقى التخيير بين الخيارات المباحة الجائزة والواجبة المطلوبة.
- دعانا رب العزة إلى تقديم الخيار الأحسن على الخيار الحسن في الكلام، وليس في الأعمال فحسب، قال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن).
- يخدع بعض الخطباء والوعاظ نفسه والآخرين عندما يقول للناس كلاماً جميلاً يدغدغ به عواطفهم أو يحرك به عقولهم، وهو في الوقت ذاته يبتعد عن واقعهم ولا يصف الدواء لدائهم، فيكون حظهم من مجالسته الإثارة دون التأثير.
- كلما تأخرنا في أداء واجباتنا وصار التسويف من ثقافتنا، كلما زادت أولوياتنا، حتى نصل إلى مرحلة ما يسمى بفوضى الأولويات، ومن صور ذلك أننا نرى الْيَوْمَ في عالمنا جوعاً ومرضاً وجهلاً وخوفاً وظلماً واحتلالاً وتخلفاً وعنصريةً وتشاكساً وغيرها من الأزمات، فأي هذه الأزمات أولى بأن نبذل جهدنا وأوقاتنا وأموالنا لمعالجتها والتخلص منها؟!
- يتردد البعض مع تزاحم الأولويات فلا يتقدم ولو خطوة واحدة في معالجة أيٍّ منها، والصحيح أن المبادرة في معالجة أيٍّ منها خير من التخلف عنها كلها، لأن هذا من تلبيس إبليس عند تزاحم الأولويات.
- لاشك أن العيش مع كتاب الله أولوية لكل مسلم، ولكن لابد من ترتيب أولويات واجباتنا نحو كتاب ربنا؛ فإحسان السماع مقدمٌ على إحسان التلاوة، وإحسان التلاوة مقدمٌ على إحسان الفهم، وإحسان الفهم مقدمٌ على إحسان الحفظ والتطبيق، وإحسان كل ما سبق ولو لآية واحدة مقدمٌ على إحسان تبليغها .. وفِي كل ما سبق خيرٌ يحمينا من كبيرة هجر القرآن العظيم.
- لكل فئة عمرية أولوياتها ويشترك الجميع في أولوية تعظيم الخالق وتقديم أمره على كل أمر.

- يختلف تقديرنا أحياناً للمهم والأهم، وللحسن والأحسن، كلٌّ بحسب موضعه وزاوية نظره للأمور، ومن ذلك:
1. يرى البعض أن الإنفاق (بذل الجهد والوقت والمال) على سداد جوعة الجائع، أولى من الإنفاق في تعليم القرآن والتحصين القيمي، من جهة أن الجائع لن يستوعب القيم القرآنية ولا المفاهيم التربوية، في حين يرى القائمون على العمل القرآني والتربوي أن له أولوية، لأننا لن نستطيع سداد الحاجات المادية ما لم نقم بسداد الحاجات النفسية، ولن يشبع بطن قبل أن تشبع النفس والروح.
2. يرى البعض أن الإنفاق (بذل الجهد والوقت والمال) على الجهاد في سبيل الله وحقن الدماء، أولى من الإنفاق على أعمال الدعوة ونشر الإسلام، باعتبار أن الأمة الجريحة لا يمكن أن تبني أبناءها ولا أن تنشر ثقافتها، في حين يرى آخرون أنه لا جهاد بلا دعوة وأن الجهاد وسيلة من وسائل الدعوة، فيقدم الإنفاق في مصالح الدعوة على الإنفاق في مصلحة الجهاد.
3. يرى البعض أن الأولى هو الإنفاق في مصلحة التغيير والإصلاح السياسي، ويرى آخرون أن الأولى هو الإنفاق في التغيير والإصلاح الاجتماعي، وحجة الفريق الأول أن تغيير أو إصلاح الرأس سيؤدي إلى صلاح الجسد، أما حجة الفريق الثاني فتقوم على أن الجسد الصحيح هو الذي يركِّب لنفسه رأساً صالحاً، والجسد الفاسد لن يقبل برأس صالح مطلقاً.
4. يرى البعض أن زواج الفتاة أولى من تعليمها، باعتبار أن الزواج عفة وتحصين لها، في حين يرى آخرون تقديم التعليم على الزواج لأن ذلك أدعى لاستمرار هذا الزواج وأنفع للذرية.
5. يرى البعض أن سداد الديون أولى من الحج، باعتبار أن حقوق العباد مقدمة على حق الخالق، ويرى آخرون أن الحج مقدم على سداد الديون لأن دَين الله أولى بالقضاء.
6. يرى البعض أن السلمية في التعامل مع المستبدين أولى من الثورة عليهم باعتبار ما للثورة من تبعات، في حين يرى آخرون أن الثورة مقدمة مهما بلغت كلفتها باعتبار أن السلمية لا تزيد المستبدين إلا استبداداً، وأنها ليست حلاً بل ترحيل لمشكلة وأزمة وكارثة للأجيال القادمة.

- وقد يأتي كلٌّ بدليله ويدلي بقناعاته التي تثبت صوابية ما يراه الأولى فيما سبق من أمور، وهنا لابد من محددات وقواعد ننطلق منها عند تباين وجهات النظر في الأولويات، ومن هذه القواعد والمنطلقات:
1. النسبية في تقدير الأمور، وعدم القطع بأن شيئاً أولى من شيء على الإطلاق، فلربما يكون الأولى في يومنا هذا وفِي مكاننا هذا أن نسير باتجاه، بينما السير بالاتجاه الآخر أولى عند اختلاف الزمان والمكان.
2. مصلحة الجماعة والمجتمع أولى من مصلحة الفرد.
3. الأصول أولى من الفروع.
4. القريب أولى من البعيد.
5. درء المفاسد أولى من جلب المصالح، إلا إذا كانت المصالح أكبر في الحال أو في المآل.
6. يمكن توزيع جهودنا بالاستفادة من طاقاتنا لإنفاذ العديد من الأولويات في آن واحد، وقد يبدو أن في هذا الأسلوب تشتيت للجهود، لكن حسن الإدارة، والتنسيق والتناغم في العمل والاستعانة بالله تعالى يعين على التمام بخير.
7. عدم ازدراء جهود الآخرين، طالما أنها كلها تصب في خدمة منظومة الأولويات.
8. الانتباه والحذر ممن يأخذون الأمة إلى ثانويات وكماليات يضخمونها وينفخون فيها الروح على حساب أولوياتها الحقيقية، فيتبعهم الغافلون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
9. الاستخارة والاستشارة من أوجب الواجبات عند تزاحم الأولويات.
10. هدم أصنام النفوس أولى من هدم أصنام الحديد أو النحاس.
11. ما لا يتم الواجب إلا به يُعطى أولوية حتى لو كان في وزن الوسيلة ولَم يرقَ إلى مستوى الهدف والغاية.
12. مثلما أنه لا موازنة بين الطيب والخبيث ولا بين الحسن والسيء (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)، فإنه من الممكن البحث في أولويات المسار والموازنة بين السيء وما هو أسوأ، إذا لم يكن هنالك بدٌّ من ركوب أحدهما، فالسيء هو الأحسن فيما يقابل الأسوأ.
13. يبقى البحث عن مخارج وحلول وسط من الواجبات في حال اختلطت الأولويات، فلا نسأل أيهما أولى؟ بل يكون سؤالنا أكثر اتساعاً عندما نقول: أيها أولى؟!

- لعل من أهم أولوياتنا الْيَوْمَ كأفراد:
1. قراءة الذات.
2. تحقيق الثبات.
3. التطور والنبات.

- ولعل من أهم أولوياتنا الْيَوْمَ كمجموعات:
1. تهذيب أنفسنا.
2. توحيد صفوفنا.
3. تمكين أفكارنا.
4. تجديد مناهجنا.
5. تأديب أعدائنا.
6. تحصيل حقوقنا.
7. تسديد ديوننا.
8. تحرير أقصانا.
9. تخليص أسرانا.

وختاماً: 
لا استهانة في كل ما هو طيب وحسن، والسعي واجب لكل ما هو أطيب وأحسن، وأعمارنا أقصر من أن نبددها بالمفضول دون الفاضل، فالله نسأل أن يلهمنا الصواب وأن يعيننا على اختيار ما هو أولى وأحسن.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة