رسالة المنبر "بين الأفعال وردود الأفعال"

الجمعة 23 فبراير 2018 10:28 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "بين الأفعال وردود الأفعال"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- يتفاعل الإنسان مع ما يجري حوله تفاعلات مختلفة؛ تعبر عن حالته وصورته وطبيعته وثقافته بشكل عام.
- قد تختلف التفاعلات من موقف إلى آخر ومن شخص إلى آخر؛ بحسب تأثير الأحداث على صاحبها، أو بحسب قدرته على التفاعل معها.
- لا قيمة لتفاعلاتنا مع ما يجري حولنا إذا تأخرت عن وقتها اللازم، أو إذا صدرت بطريقة هزيلة ضعيفة.
- تنقسم تفاعلاتنا مع ما يجري حولنا من أحداث ومواقف يومية؛ سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية إلى قسمين:
1. أفعال: تصدر بشكل استباقي بناءً على توقُّعٍ لحدث ما، أو استشرافٍ ومبادرةٍ لشيء في المستقبل.
2. ردود أفعال: تصدر بشكل ارتدادي بناءً على حدثٍ أو موقفٍ يتطلب جواباً أو فعلاً مناسباً.

- يعتبر التفاعل مع المواقف بالأفعال أو ردود الأفعال دليل حياة وحيوية صاحبه، والأموات وحدهم لا يتفاعلون مع ما يجري حولهم مطلقاً: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النحل: 21).

- قد يحدث اختلال كبير في ميزان تفاعل بعضنا مع ما يجري حولنا، وذلك بصدور أفعال أو ردود أفعال كبيرة ضخمة على أمور شخصية بسيطة أو تافهة، قد تتسبب له تلك التفاعلات بخسارة أقرب الناس إليه، في حين تجمد المشاعر وتنعدم التفاعلات عند إراقة دماء الأمة، وانتهاك أعراضها وتشريدها، ونهب ثرواتها، وأسر أطهارها، والاستخفاف بعقول نُخَبها، وهنا يصدق قول القائل فيمن حاله كذلك حين قال:
أراكَ على حقوقكَ داعشياً 
وحقُّ الله عندكَ هامشياً!!

- الأصل أنه: لكل فعل ردُّ فعل مساوٍ له في المقدار، معاكس له في الاتجاه، وأنه: من طرق الباب سمع الجواب، ولكن قد تدعو الحكمة وفقه السياسة الشرعية إلى التريث والصبر، ولكنه صبر إيجابي، يمتلك فيه صاحبه حق الرد، ويختار الزمان والمكان المناسب ليردَّ بلا إفراط ولا تفريط، ولَك أن تقرأ مشهد العهد المكي في السيرة النبوية، لتعلم كيف احتفظ النبي صلى الله عليه وسلم بحق الرد على من آذاه وأصحابه؛ حرصاً منه على السلم المجتمعي، وكيف استخدم ذلك الحق حين أذن الله تعالى له بالرد على من ظلمه وهو في المدينة: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚوَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج: 39).

- الخطط الاستراتيجية والمرحلية بالنسبة للدول والأفراد والجماعات تؤكد وجود نية الأفعال، والمرونة في تنفيذها تثبت حسن ردود الأفعال.

- الأفعال الذكية الحازمة والصادقة؛ تشكل عنصر مفاجأة تدهش الأصدقاء، وتربك الخصوم، وتزيد من رصيدنا في كل حال.

- تتقدم الأفعال على ردود الأفعال في الكشف عن حجم حيوية ومبادرة ونشاط أصحابها، حتى في الجوانب السلوكية كصلة الرحم مثلاً، فقد روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها)، في إشارة منه إلى قيمة المبادرة في الصِّلة والبر، وحتى عند الخصومة، فإن المبادر بالسلام خير، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث؛ يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) رواه البخاري.

- شهدت السيرة النبوية نماذج من الفعل وردود الفعل المختلفة ومن ذلك:
1. الجهر بالدعوة فعلٌ، والصبر على ما ترتب عليها رد فعل.
2. الهجرة إلى الحبشة رد فعل على إيذاء أهل مكة، وهي فعلٌ في نشر الدين بين أهل الحبشة.
3. رحلة الطائف فعلٌ بقصد نشر الإسلام هناك، والصبر على إيذاء أهلها وعدم الدعاء عليهم رد فعل حكيم.
4. الهجرة إلى المدينة رد فعل على إيذاء أهل مكة، وهو كذلك فعل في بناء وحماية دولة المدينة.
5. اعتراض عير قريش فعلٌ لأخذ حقوق المهاجرين منها، وغزوة بدر بعدها رد فعل على عنجهية أبي جهل ومن أتى معه إليها.
6. غزوة أحد رد فعل على عدوان قريش على المدينة، وإجلاء اليهود رد فعل على خياناتهم المتكررة.
7. حفر الخندق رد فعل على اجتماع جيوش الأحزاب حول المدينة، ومعاقبة بني قريظة رد فعل على خيانتهم للمسلمين وتهديدهم لأمن المدينة.
8. في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الْيَوْمَ نغزوهم ولا يغزونا) بعد غزوة الأحزاب، تحول في الاستراتيجية النبوية من ردود الأفعال إلى الأفعال.
9. غزوة أو عمرة الحديبية صورة من صور الفعل والمبادرة النبوية باتجاه قريش لطلب حقه وحق أصحابه في العبادة حول الحرم.
10. فتح مكة رد فعلٌ على خيانة قريش لصلح الحديبية مع حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، والعفو عن أهل مكة فعلٌ لا يفعله إلا العظماء.
11. غزوة مؤتة رد فعل على قتل رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغزوة حنين رد فعل على تجهيز هَوازن وثقيف لمهاجمة جيش المسلمين.
12. غزوة تبوك فعل متقدم لتأديب الروم ومنعهم من التفكير في غزو الجزيرة العربية.

- تعد صناعة الفرص من أرقى صور الفعل الإيجابي، مثلما تعد مواجهة التحديات من أرقى صور رد الفعل الكريم.

- المبالغة في ردود الأفعال على الأخبار المحزنة والمفرحة توقعنا في حرج شديد، والاعتدال واجب في كل حال، قال تعالى: (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد: 23).

- أباح أعداء الأمة لأنفسهم ممارسة كل فعل قبيح فينا، وزادهم قبحاً على قبحهم أنهم لم يجدوا ردود أفعال تناسب ما ارتكبوه من جرائم فينا، وهكذا يغري التبلد والجمود والجبن كل صاحب فعل قبيح ليزداد في قبحه وتطاوله، وصدق الله مبيناً شرف المدافعة (رد الفعل على العدوان) حين قال: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40).

- في شريعة الغاب؛ إما أن تكون فاعلاً إيجابياً ذو هيبة ومكانة مرموقة، أو أن تصبح مفعولاً به أو عليه.

- ما أجمل أن يكون شكرنا لربنا هو رد فعلنا وقولنا على ما أولانا من نِعم وما حبانا من عطايا.

- لا يصدر ربنا الحكيم سبحانه عن ردود أفعال، وإن كان يرضى لطاعتنا ويغضب لمعصيتنا، ولو كان يصدر عن ردود أفعال دون حكمة وترتيب مقدَّر في الأزل ما سقى كافراً لأجل كفره شربة ماء، ولا منح صدور المعتدين نسمة هواء.

- الندم الشديد يتعرض له كل من تسرع في ردود أفعاله بسبب استفزاز تعرض له، أو عدم استبانة من خبر وصله، لأجل ذلك حذّر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم من أن يقع فريسة لاستفزاز واستخفاف أعدائه فقال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) (الروم: 60)، مثلما حذرنا من عدم الاستبانة قبل إطلاق الأحكام والأفعال، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6).

- المبالغة والزيادة في ردود الأفعال عن حدها الطبيعي ظلم وعدوان، لأجل ذلك حين كلفنا رب العزة بالرد المناسب على المعتدين لفت انتباهنا إلى خطورة التجاوز، حين قال سبحانه: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190).

- قد تعجز الأمة عن فعلٍ متقدم رادعٍ للأعداء الْيَوْمَ، بل قد تعجز عن رد فعلٍ متأخرٍ مانعٍ لهم كذلك، ولكن هذا لا يمنع من مشاركاتٍ وتفاعلاتٍ (أفعال وردود أفعال) قادمة،  إذا كان العجز بسبب ظروف قائمة، والنوايا واجبة الحضور، وصدق الله القائل في واجب التحضير: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة: 46).
- ليست الحكمة صمتٌ مطبقٌ ولا جمودٌ مطلق، إنما الحكمة بتحقيق مبدأ: لكل مقامٍ؛ فعلٌ أو ردُّ فعلٍ مناسبٌ ومقال.

- وختاماً: 
بعض أفعالنا وردود أفعالنا الهزيلة الضعيفة تندرج تحت باب: (رفع العتاب)!!، والله تعالى يعلم طاقاتنا وقدراتنا، وأننا نملك ونستطيع أكثر مما قمنا به، لاسيما تجاه أقصانا وأسرانا والمستضعفين من إخواننا في الشام والعراق ومصر واليمن وليبيا وغيرها من بلاد الله الواسعة، وسيبقى العتاب علينا ولن يرتفع، حتى يرتفع عن إخواننا الظلم، فقد قال تعالى معاتباً: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء: 75).

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة