رسالة المنبر "للضرورة أحكام"

الجمعة 02 مارس 2018 10:35 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "للضرورة أحكام"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- أنزل الله تعالى دينه تاماً كاملاً لا نقص فيه ولا استدراك عليه، ثم فتح باباً للمضطر يشبه باب الطوارئ عند وجود ما يستدعي التجاوز المؤقت، وصدق الله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ (مجاعة) غَيْرَ مُتَجَانِفٍ (متجاوز) لِّإِثْمٍ ۙفَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة: 3)، وقال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام: ١١٩).
- الضرورة هي: ما يلحق الإنسان بتركه ضرر في (دينه أو نفسه أو عقله أو عرضه أو ماله).

- ذكر العلماء شرطين لاعتبار الضرورة التي تبيح ارتكاب المحرم وهما:
١. أن يتحقق ارتفاع الضرر بارتكاب هذا المحرم.
٢. أن لا يرتفع الضرر إلا بارتكاب هذا المحرم.

- توسع الناس في زماننا كثيراً في المحرمات والمنكرات والشبهات، من باب الضرورات!!.
- انطلق الناس في توسعهم هذا من منطلق القاعدة الفقهية التي قررها العلماء وهي: (الضرورات تبيح المحظورات)!!.
- يتبع فقه الضرورات لفقه السياسة الشرعية؛ والذي به يتم مراعاة المصالح والمفاسد، ومنع المفاسد الكبرى حتى لو تسبب ذلك بارتكاب مفاسد أدنى.
- جاءت كلمة (اضطر) في كتاب الله تعالى في خمسة مواضع؛ كلها كانت في سياق الاضطرار إلى أكل الحرام، واليوم يعد باب أكل الحرام من أوسع الأبواب، وذلك من خلال القروض الربوية للزواج والتعليم والعلاج والسكن والاستثمار وغيرها من الأسباب، وصدق الله تعالى: ( .. وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗوَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) (الأَنْعَام: 119).
- جاء في الشريعة الكاملة أحكاماً خاصة بالعاجزين عن أداء العبادات كما أراد الله تعالى، والعجز نوع اضطرار يمنع صاحبه عن تمام الواجب ومن ذلك، قال تعالى: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ)(البقرة: 184).

- وضع العلماء لقاعدة الضرورات هذه ضوابط وأحكاماً، حتى لا تكون مدخلاً شيطانياً لإحباط الأعمال وحلول النقم والأهوال، ومن ضوابط قاعدة الضرورات هذه:
١. الضرورة تُقدّر بقدرها؛ فما كان ضرورة بالنسبة لفلان قد لا يكون ضرورة بالنسبة لآخر، وَمِمَّا يعين على تقدير الضرورة مدى قدرة الفرد على الاحتمال، واستشارة الخبراء، كما يستشار الطبيب في فتوى تفطير مريضه.
٢. الضرورات تبيح، لكنها لا تستبيح المحظورات؛ لأن المحظور يبقى محظوراً والحرام يبقى حراماً؛ وإن زال إثم حظره وحرمته فترة نزول الاضطرار بصاحبه.
٣. الأمر إذا ضاق اتسع، لكنه إذا اتسع ضاق؛ فلا يجوز الاستطالة والتوسع في حرام تحت باب الضرورة، والله تعالى رقيب يعلم حدود اضطرارنا، ولو كان الاضطرار لأكل الحرام، فإنه يؤكل منها ما يكون سبباً في بعث الحياة مؤقتاً بما يعين على إيجاد مصدرٍ طاهر للأكل الحلال، وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال: (من سأل الناس أموالهم تكثراً، فإنما يسأل جمراً؛ فليستقلَّ أو ليستكثر) رواه مسلم.
٤. ترتفع الإباحة بمجرد ارتفاع الاضطرار؛ ولا يعلم عن ارتفاع الاضطرار بعد الله تعالى إلا المضطر نفسه.
٥. والسعي لرفع الاضطرار واجب؛ لأن التقاعس عن رفعه يعني القبول والاستمتاع به، وهذا مما لا يُقبل من المسلم الصادق الذي تعاف نفسه المنكرات.
٦. أن لا يتسبب ارتكاب المحظور عند نزول الاضطرار بإيذاء للآخرين، فلا يجوز أن نرتكب ما به نرفع الأذى عن أنفسنا ونوقعه بالآخرين، قال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة: 173)، فعن سعيد بن المسيب قال: " فمن اضطُر غير باغ ولا عاد " قال، إذا خرج في سبيل من سُبُل الله فاضطر إلى شرب الخمر شرب، وإن اضطر إلى الميتة أكل، وإذا خرج يقطع الطريق، فلا رخصة له.

- جاء في السيرة النبوية العديد من المواقف التي فيها ارتكاب محظور مؤقت أو الأخذ بخلاف الأولى، لأجل ضرورة عابرة، ومن ذلك:
1. الاستعانة بالمشركين؛ فقد جاء النهي عاماً عن الاستعانة بغير المسلمين، لكن الاستعانة بالمطعم بن عدي (بعد رحلة الطائف) وبابن الدغنة (قبل هجرة أبي بكر للحبشة) وبعامر بن فهيرة (عند الهجرة للمدينة) وغيرهم، كانت للضرورة، ودون شروط مؤثرة على مسار الدعوة وثوابتها.
2. الصبر على الأذى الشديد في مكة؛ وعدم الرد على مشركيها، وذلك لضرورة الحرص على السلم المجتمعي فيها.
3. النطق بكلمة الكفر؛ فهذا مما لا يجوز إلا عند الضرورة مع استقرار القلب على الإيمان، قال تعالى في عمار بن ياسر وغيره: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: 106)
4. التنازل عن بعض الحقوق، وذلك لمصلحة حقوق أكبر؛ كما حصل في صلح الحديبية، لضرورة تحييد قريش المزعجة لدعوة الإسلام ودولته.
5. الهجرة وترك البلاد، وذلك بعد شدة الايذاء والتضييق على الدعاة، كما في هجرتي الحبشة والمدينة.
6. إراقة الدماء في السرايا والغزوات (من الطرفين)؛ فقد كانت لضرورة دفع المعتدين وردع الظالمين، وإيقافهم عند حدهم، وإلا فالمسلمون حمَلة رسالة رحمة وسلام.
7. تنفيذ اغتيال عمليات خاصة؛ فقد قررها قائد الدولة اضطراراً في حق كعب بن الأشرف وخالد بن سفيان الذهلي وغيرهما؛ لإيقاف مؤامراتهم وتحريضهم على دولة الاسلام في المدينة.
8. هدم مسجد ضرار، فالأصل في المساجد إعمارها، لكن ضرر وجود مسجد المنافقين هذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم يأمر مضطراً بهدمه.
9. السكوت على جرائم المنافقين، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعاقب من ارتكب مثلها من الصحابة، وذلك منعاً لفتن هؤلاء، وحتى لا يقال: محمد يقتل أصحابه (مع بقاء الحذر منهم).
10. ارتكاب الكذب والاحتيال؛ وذلك أثناء المعارك والغزوات والعمليات الخاصة، لضرورة ردع ومنع أَذى المعتدين وتأديبهم، ف(الحرب خدعة) رواه البخاري.
11. دفع المال لعدو معتدٍ حقناً لدمنا ودمه؛ مثلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء ثلث ثمار المدينة لقبيلة غطفان يوم الأحزاب دفعاً لشرورهم، علماً بأن أمثال هؤلاء يُدفعون بالسيف لا (بالرشوة الاضطرارية)، لكن الموقف حينئذ لم يكن يحتمل ذلك، لولا رفض الأنصار لذلك بعد استشارتهم.
- وَمِمَّا ينبغي التأكيد عليه والانتباه له؛ أن دخولنا إلى عالم الضرورات عن غير حاجة (لأجل كماليات) أو بلا فقه وعن هوى نفس؛ لا يرفع عنا الاثم ويبقينا في دائرة الحرج والاضطرار، وهذا ما حصل اليوم في علاقاتنا مع أعدائنا، ومعاملاتنا المختلفة.

- وَمِمَّا لا تجوز فيه إباحة المحظورات لأجل مزاعم الضرورة في زماننا:
1. حضور الأعراس والاحتفالات الماجنة ارضاءً للأهل والأصحاب (إلا إذا كان حضوراً عابراً بقصد نهي الناس وإرشادهم والإنكار عليهم).
2. شراء مسكن أو سيارة أو أخذ تمويل للاستثمار كل ذلك بالقروض الربوية.
3. المشاركة في مجالس التشريع للمنكر والباطل والظلم (إلا إذا كان القصد التذكير والإرشاد والإنكار، وخشية ملء تلك المجالس بالمتواطئين على الفساد (والله يعلم المفسد من المصلح)).
4. السكوت عن الحق، أو الترويج لأفكار الخنوع والخضوع للباطل، من على منابر التوعية المختلفة، بحجة المحافظة على تلك المنابر (وهل بقي لتلك المنابر قيمة تستوجب المحافظة عليها؛ إن سكت أصحابها عن حق أو نطقوا بالباطل).
5. العمل في الوظائف المشبوهة في طبيعتها أو دخلها، بحجة قلة الوظائف (إلا من أغلقت أبواب الحلال كلها في وجهه؛ فلا مانع، مع بقاء الحرص على إيجاد بديل حلال).
6. ممارسة التدخين والمخدرات وغيرها من المحرمات بحجة ضيق النفس وإرادة التسري والتخفيف من الضغوط (إلا ما أجازه الطبيب الثقة من المسكنات)، روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما جعل الله شفاءً في رجس).
7. استخدام وسائل خسيسة للوصول إلى غايات نبيلة، لأن الغاية لا تبرر الوسيلة، إلا عند الضرورة القصوى كالحاجة الملحة للكذب لإصلاح ذات البين، في حال انعدام الوسائل المشروعة.
8. الخيانة بصورها (السياسية والاجتماعية والاقتصادية)، سواءً أكان مرتكبها حاكماً أو محكوماً، لا تجوز كالتعامل مع العدو وتسهيل مهمته في احتلال واختراق بلادنا.
9. الإقامة المؤثرة سلباً على الأهل والعيال، في أي بيئة وبلد، بقصد طلب الرزق، وما نفع الأرزاق إذا ضاع الدين والاخلاق .. (ألم تكن أرض الله واسعة).
10. الغش في الامتحانات بداعي طلب النجاح، وما قيمة وبركة النجاح وما بعده من تخرج وتوظيف إذا سولت لنا أنفسنا جواز الغش للضرورة وغيرها. 
11. سفر المرأة للضرورة بلا محرم (إلا إن عُدم أو تعذر المحرم ووجدت صحبة نساء آمنة كما يرى بعض الفقهاء).

- وختاماً:
فقد شرع الإسلام للضرورة أحكاماً وفقهاً خاصاً، وذلك تخفيفاً على أمة الإسلام التي لم يجعل الله تعالى عليها في الدين من حرج، ولَم يكلفها فوق وسعها، وحتى لا تكون الضرورة مدخلاً شيطانياً لاختراق وتمييع وتحريف الدين .. ولاشك أن في الصبر عن المحارم والشبهات، لاسيما عند توفر داعي الضرورة والحاجة، والامتناع عن المحظورات في الوظائف والمعاملات؛ كل ذلك جهاد وهو يكسب المرء نوراً في قلبه ورضاً في نفسه، يجد فيه عوضاً عما فاته (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) .. ومن التوهم اعتقاد تحصيل الحل لمشكلاتنا بتوسيع دوائر التعاطي مع الحرام؛ لأن تلك الدوائر هي السم والداء، وإن وضعناها في زجاجة دواء.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة