فاتح الشام أبوبكر الصدِّيق رضي الله عنه في ذكرى رحيله

الجمعة 02 مارس 2018 12:16 م بتوقيت القدس المحتلة

فاتح الشام أبوبكر الصدِّيق رضي الله عنه في ذكرى رحيله

مخلص برزق

(22 جمادى الآخرة 13 هـ)

حان وقت رحيله، في وقت كانت الجيوش التي بعثها رضي الله عنه إلى الشام تدكُّ حصون الروم وتقتلعها اقتلاعاً، وتُجهز على الألوف من جنود هرقل في معركة اليرموك الفاصلة التي حُسِمت في شهر جمادى الآخرة 13هـ، وهو الذي كان قد بدأ خلافته بإنفاذ بعث أسامة إلى الشام تنفيذاً لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم الذي عقد لواء ذلك الجيش، وأتبع ذلك بتجييش الجيوش وإرسالها للقضاء على الردة في الجزيرة العربية، ثم لتُناطح كسرى وتكسره وتبارز قيصر وتُقصِّره، إنه الذي بادر بإرسال أربعة جيوش لفتح الشام، وخُتمت ولايته –رضي الله عنه- بانتصار مدوٍّ أدخل الشام المبارك تحت حكم الدولة الإسلامية، فكان بحق فاتح الشام بجدارة وإن كان الذي أتمَّه من بعده خلَفُهُ في الحكم عمر الفاروق رضي الله عنه.

لم يكن ارتباط الصِّدِّيق بالشام وبيت المقدس والمسجد الأقصى على وجه الخصوص ارتباطاً عابراً، فهو الذي حاز وسام الصدِّيقية عند عودة النبي صلى الله عليه وسلم من رحلة الإسراء والمعراج وإقراره بكل ما جاء به حبيبه صلى الله عليه وسلم، ولا عجب فقد وصل في حسن الاتباع إلى المدى الذي جعله يثق بما تراه عين النبي أكثر من ثقته بما تراه عينه.

حاز أبوبكر رضي الله عنه ذلك التكريم من الله يوم الإسراء تكريماً منه تبارك وتعالى لنبيِّه من خلال إكرام أحب الناس إليه وأصدقهم مودَّة وصحبة، حتى ما عاد يقال أبوبكر إلا وأُتبع بالصدِّيق، وفي ذلك إيحاءات لا تخفى فما صاحب "الصادق" صلى الله عليه وسلم إلا صدِّيق، وابنته التي هي زوج النبي الأثيرة عنده صدِّيقة أثبت صدقها الله عزَّ وجلَّ قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. وهي بدورها أثبتت لنا لحظة تقلد أبيها وسام الصِّدِّيقية في الحديث الذي روته، عن عائشة أم المؤمنين قالت: (لمَّا أُسرِيَ بالنبيِّ إلى المسجدِ الأقصى، أصبح يتحدَّث الناسُ بذلك، فارتدَّ ناسٌ ممن كانوا آمنوا به وصدَّقوه، وسَعَوْا بذلك إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبِك يزعم أنه أُسرِيَ به الليلةَ إلى بيت المقدس؟ قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدَق. قالوا: أوَ تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ وجاء قبل أن يُصبِح؟ قال: نعم، إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غدوه أو روحه، فلذلك سُمِّي أبوبكٍر الصِّديق). "السلسلة الصحيحة"

إنّه الذي خلَّدت الآيات صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم في سورة التوبة "ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" (التوبة:40). وخلَّد القرآن وصفه بالصدق كما أورد بعض المفسرين في تأويل قوله تعالى في سورة الزمر: "والذي جاء بالصِّدق وصدَّق به أولئك هم المتقون. لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين" (الزمر: 33-34 ) بأن الذي جاء بالصِّدق محمّد صلى الله عليه وسلم والذي "صدَّق به" أبوبكر الصدِّيق رضي الله عنه.

كان ذلك التكريم للصدِّيق رضي الله عنه جزءاً من تكريم الله لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين اصطفاهم واختارهم ليكونوا بطانته وحزبه وأنصاره فحقَّ فيهم قوله صلى الله عليه وسلم: "خيرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذين يَلُونَهُمْ" (صحيح البخاري).

أما توقيت التكريم فقد جاء ضمن احتفاليةٍ عظيمةٍ شهدتها الأرض والسماء جرت فيها طقوس التكريم الأسمى والأغلى حيث كرَّم الله سبحانه وتعالى نبيَّه وصَفِيَّه صلى الله عليه وسلم في أعظم الأزمنة والأمكنة، حاز فيها المسجد الأقصى شرفاً عظيماً وقدراً وفيراً حين خصَّه الله تعالى بجعله منصة التكريم الرباني لإمام المرسلين وخاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين، بتنصيبه إماماً لكل الأنبياء والمرسلين في صلاة لا أجمل منها ولا أروع في رحابه المباركة، وجعله سلماً لارتقائه في معراجه إلى السماوات العلا وما بعدها.. إلى سدرة المنتهى وإلى حيث سمع صريف الأقلام..

أجواء التكريم المقدسية هذه طالت كلّ مسلم موحِّد، فكل تكريم للحبيب صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام هو تكريم لأتباعه وأحبابه وأمَّته الذين أكرمهم الله ابتداءً بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فأثبت ذلك في كتابه الكريم بقوله: "لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكِّيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" سورة آل عمران: 164.

وفي أجواءِ احتفاليةِ التكريم الربَّاني الذي احتفت به ملائكة الرحمن، حصلت أمَّتنا على الهدية الأغلى بين الأمم، وأتانا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من عروجه المقدسي بأعظم تكريم لنا جميعاً، إنه ذلك التكريم الدائم المتجدد الذي لا ينقطع، تكريمٌ نشعر به ونحظى بأنواره السَّنيَّة حين نقرع باب ملك الملوك بتكبيرة الإحرام والشروع بمناجاته والركوع والسجود والقنوت في صلاةٍ اصطفاها الله بهيئاتها لأمّة حبيبه صلى الله عليه وسلم، تلك الصلاة التي حازت على أبهى صورة لها شكلاً وعدداً وهيئةً ومضموناً ليلة الإسراء والمعراج.

وكما أنها كانت من آخر ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته، فكذلك فعل الصِّدِّيق رصي الله عنه فقد جاء في وصيَّته للفاروق عمر رضي الله عنه وهو يعهد إليه بالخلافة في آخر أيام حياته قوله له: "اتَّق الله يا عمر واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبل بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة".

كان ذلك في شهر جمادى الآخر حين حان وقت الرحيل إلى الرفيق الأعلى، وكان مما حدثت عنه ابنته عائشة رضي الله عنها قولها: (أول ما بُدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل فحُمَّ خمسة عشر يوماً لايخرج إلى صلاة وكان يأمر عمر بالصلاة وكانوا يعودونه) حتى إذا كان يوم الإثنين الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة: إن أبا بكر قال لها: في أيّ يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: في يوم الإثنين، قال: إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، قال: ففيم كفنتموه؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية، ليس فيها قميص، ولاعمامة، فقال أبوبكر: انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران، أو مشق، فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين، فقيل له: قد رزق الله وأحسن، نكفنك في جديد. قال: إن الحي هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه من الميت، إنما الميت إلى الصديد وإلى البلى. وأوصى أن يدفن بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل من يحظى بشرف السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند زيارته المسجد النبوي يثني بالسلام على صاحبيه أبي بكر وعمر رضى الله عنهما، كما كانا لصيقين به في حياته وموضع ثقته واستشارته، فلا عجب أن يجاوراه بعد مماته، وهو ما توقعه لهما كل من عايشهما وأحبهما من الصحابة الكرام، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وضع عمر بن الخطاب على سريرِه (أي نعشه). فتكنَّفه الناسُ يدعون ويُثنون ويُصلُّون عليه. قبل أن يُرفَعَ. وأنا فيهم. قال فلم يَرُعْني إلا برجلٍ قد أخذ بمَنكِبيَّ من ورائِي. فالتفتُّ إليه فإذا هو عليٌّ. فترحَّم على عمرَ وقال: ما خلَّفتُ أحدًا أحبَّ إليَّ، أن ألقى اللهَ بمثلِ عملِه، منك. وايمُ اللهِ! إن كنتُ لأظنُّ أنْ يجعلَك اللهُ مع صاحبَيك. وذاك أني كنتُ أكثرُ أسمعُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ "جئتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ. ودخلت أنا وأبو بكرٍ وعمرُ. وخرجتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ". فإن كنتُ لَأرجو، أو لأظنُّ، أن يجعلَك اللهُ معهما. (صحيح مسلم)

وقد توفي رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين سنة.. مجمع على ذلك في الروايات كلها، استوفى سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان آخر ما تكلم به الصِّدِّيق في هذه الدنيا قوله تعالى على لسان يوسف الصِّدِّيق عليه السلام: (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) يوسف: 101.

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج