رسالة المنبر "تصحيح المفاهيم"

الجمعة 09 مارس 2018 12:16 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "تصحيح المفاهيم"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- يعد المفهوم الشارح الموضح لأي فكرة أو قيمة أو تعبير من أخطر وأهم ما ينبغي الاعتناء به، لأنه يعبر بوضوح عن مضمون ومعنى الكلمات والتعابير، وبالتالي يمكننا تحديد ما إذا كانت هذه الكلمة؛ سلبية أو إيجابية، نافعة أو ضارة، آمنة أو خطيرة، واسعة أو ضيقة، على ضوء مفهومها ودلالتها ومعناها الحقيقي.
- يلعب السياق العام دوراً خطيراً وأساسياً في تحديد المفاهيم وبيان معاني الكلمات، لاسيما في لغتنا العربية، تلك اللغة الذكية الغنية بالمصطلحات والمترادفات.
- من صور العناية بالمفاهيم ما جاء من النهي عن مصطلح متداول يُقصد به الإساءة، واستبداله بمصطلح آخر جديد وله دلالة واضحة ولا إساءة من ورائه، وإن لم يكن جديداً بمعنى الغرابة على قاموس اللغة العربية، فقد قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104(، قال الإمام البغوي في التفسير: "وذلك أن المسلمين كانوا يقولون راعنا يا رسول الله ، من المراعاة، أي أرعنا سمعك، أي فرغ سمعك لكلامنا، يقال: أرعى إلى الشيء، ورعاه ، وراعاه، أي أصغى إليه واستمعه، وكانت هذه اللفظة (شيئاً) قبيحا بلغة اليهود، وقيل: كان معناها عندهم: اسمع لا سمعت .. وقيل: هي من الرعونة، إذا أرادوا أن يحمقوا إنساناً قالوا له: راعنا بمعنى يا أحمق! فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم: كنا نسبُّ محمداً سراً، فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود : لئن سمعتها من أحدكم يقولها لرسول صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى الآية.

- يحرص الأعداء على إدخال مصطلحات غريبة على قاموسنا الجميل، كما يحرصون على إدخال مفاهيم ومعانٍ شاذة على أطهر المصطلحات في قاموسنا، وذلك في محاولة منهم لتشويه تلك المصطلحات وضرب فكرتها والتخويف منها، ومن تلك المصطلحات التي عبثوا في مفاهيمها ومعانيها:
1. مفهوم مصطلح الجهاد وربطه بالإرهاب.
2. مفهوم مصطلح الشهادة وربطه بالانتحار.
3. مفهوم مصطلح الالتزام وربطه بالتخلف والرجعية.
4. مفهوم مصطلح الحرية وربطه بالانفلات.
5. مفهوم مصطلح (العدالة) بين الجميع، وربطه (بالمساواة) بين غير المتساويين.
6. مفهوم مصطلح الشورى المنضبطة وربطه بالديمقراطية المنفلتة.

- في إطار العناية بالمفاهيم كان لشريعتنا السمحة ثلاثة محاور وجوانب على ضوئها يلحظ كل متابع مدى اهتمام هذه الشريعة الخاتمة بهذا الأمر المهم، وهذه الجوانب والمحاور هي:
1. توضيح المفاهيم لمصطلحات موجودة.
2. توسيع المفاهيم للمصطلحات السائدة.
3. قلب المفاهيم للمصطلحات السائدة.

 أولاً: نماذج لتوضيح المفاهيم: بالقدر الذي اعتنت فيه الشريعة بتوسيع المفاهيم، فقد اعتنت ببيانها وتوضيحها كذلك، ومن ذلك:

1. مفهوم الدين: فهو يعني التركيب المكون من العقيدة والعبادة والسلوك، الذي جاء به الوحي الكريم، لكنه جاء في الحديث مربوطاً بشيء محدد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" رواه مسلم، باعتبار أن المرء ينصح نفسه بالصلاح الذاتي، وينصح غيره بالإصلاح لهم ودعوتهم وتذكيرهم بالله تعالى. 

2. مفهوم التوبة: فهي العودة إلى الله تعالى عند قوتنا وقدرتنا على ارتكاب المعاصي، لا عندما تتعطل القدرة والقوة، قال تعالى: "إنما التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18: النساء).

3. مفهوم الغيبة: فهي ذكر الناس في غَيبتهم بما يكرهون، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه" رواه مسلم.

4. مفهوم الهرج: وهو من علامات القيامة الصغرى لاسيما حين يكثر، فعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ" البخاري.

 ثانياً: نماذج لتوسيع المفاهيم السائدة، وإضفاء لمسة عميقة عليها، فمن الكلمات التي أضيف لها مفهوم واسع يزيد على المفهوم المتبادر:
1. مفهوم مصطلح الإفلاس: فالمفلس هو من لا درهم له ولا متاع كما هو معلوم، وهو وفق المنهج النبوي أوسع من ذلك بكثير، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما المفلِسُ؟ قالوا: المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ، فقال: إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه، ثمَّ طُرِح في النَّارِ" رواه مسلم.

2. مفهوم مصطلح البخل: فالبخيل هو الشحيح بما يملك، وهو بحسب المنهج النبوي يستوعب ما هو أوسع من ذلك، فقد أخرج الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البخيل من ذكرتُ عنده فلم يُصلِّ عليَّ".

3. مفهوم مصطلح الشدة والقوة: فالقوي الشديد هو الذي لا يكسره أحد، ولكنه وفق المنهج النبوي؛ الكاظم لغيظه القادر على السيطرة على عواطفه، فهو ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" متفق عليه.

4. مفهوم مصطلح الربا: فقد كان مصطلحاً شائعاً، وجاء الإسلام وأضاف له معنى جديداً دون أن يبطل المعنى الشائع، فقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: "أتَدرونَ ما أربى الرِّبا عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: إنَّ أربى الرِّبا عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ استِحلالُ عِرضِ امرئٍ مسلمٍ، ثم قرَأ: "والذينَ يُؤذُونَ المؤمِنِينَ والمُؤمِناتِ بغَيرِ مَا اكتَسَبوا ..." رواه مسلم.

5. مفهوم البر، أو الطاعة والعبادة: فهو بالإضافة إلى كونه يعني الصلاة الخاشعة فإنه كذلك بشكل أتم وأوسع حيث يعني العقيدة والعبادة والسلوك، قال الله تعالى: "لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (177: البقرة).

6. مفهوم الإسلام: فهو يعني الاستسلام والخضوع التام لله تعالى والمتمثل بأداء أركان الإسلام المعروفة، لكنه أيضاً يعني كفُّ الأذى عن الناس، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" البخاري.

7. مفهوم الهجرة: فهو يعني مفارقة الأهل والأحباب، لكنه أيضاً يعني مفارقة الذنوب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ".. والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" البخاري.

8. مفهوم الإيمان: فهو الاعتقاد الجازم بوجود وقدرة الخالق سبحانه، لكنه أيضاً يشمل جوانب التعبد الكريم والسلوك الحسن، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَتَدْرون ما الإيمانُ باللهِ ؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلمُ ! قال : شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ (جوانب اعتقادية)، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رمضانَ (جوانب تعبدية)، وأن تُعْطُوا الخُمْسَ مِن المَغْنَمِ (جانب سلوكي)" رواه أبو داود وهو صحيح.

9. مفهوم الكفر: فهو يعني إنكار الخالق سبحانه وتعالى، لكنه أيضاً يعني مطلق إنكار الجميل، فقد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُرِيتُ النَّارَ، فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ" البخاري.

10. مفهوم الفسق: فهو يعني الخروج عن الطاعة، لكنه أيضاً يعني الشتيمة والأذى لكل إنسان، فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" البخاري.

11. مفهوم إضاعة الأمانة: فهو يعني عدم أداء الحقوق إلى أهلها، لكنه أيضاً يعني القبول والرضا بالمستبد الظالم، أو انتخاب وترشيح من ليس بقوي ولا أمين؛ للمواقع والمناصب المختلفة، فقد قال النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ" البخاري.

12. مفهوم النجاسة: فالمتبادر أنها عكس الطهارة، بما يصيب الانسان من تلوث مادي، وهي كذلك تعني التلوث وعدم الطهارة المعنوية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "كنت جُنباً فكرهتُ أن أجالسك، وأنا على غير طهارة، فقال صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، إن المسلم لا ينجُس" البخاري

13. مفهوم الصدقة: فهي بعض ما ينفقه المرء من ماله ابتغاء مرضات الله، لكنها تعني أيضاً جوانب سلوكية أخرى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل سُلَامَى من الناس عليه صدقةٌ، كل يومٍ تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقةٌ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقةٌ، والكلمة الطيبة صدقةٌ، وبكل خطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، وتميط الأذى عن الطريق صدقةٌ" رواه البخاري ومسلم.

14. مفهوم الرباط: فهو يعني لزوم الثغور الساخنة بنيَّة الإعداد والحراسة، لكنه يعني أيضاً؛ لزوم طاعة الله تعالى حتى نلقاه، وانتظار الطاعة بعد الطاعة، قد روى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط" وفي رواية: فذالكم الرباط مرتين".

- ثالثاً: نماذج لقلب وعكس المفاهيم السائدة: ومن تصحيح المفاهيم ما عكست به الشريعة المفهوم السائد، وقلبت المعنى المتبادَر ومن ذلك:
1. مفهوم الأهل: فهم الأقربون بالنسب والدم، لكن في كتاب الله تعالى ما ينفي صلة المؤمن بالكافر ولو كان والده، حتى أنه في الميراث لا يتوارث أهل دينين، ومن أبرز الأمثلة على عكس المفهوم السائد للأهل، قوله تعالى: "وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) هود.

2. مفهوم الحياة: فالمتبادر إلى الذهن أن القتل وفاةٌ وموتٌ، والله تعالى يستثني الموت في سبيله على الرغم من أنه نوع قتل يفني الروح ويعدم الأنفاس، إلا أنه أضفى على الموت في سبيله صفة الحياة حين قال سبحانه: "وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ (154) البقرة، وقال تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170: آل عمران).

3. مفهوم الانتحار، والإلقاء بالنفس إلى التهلكة، فالمتبادر إلى الذهن أن الجهاد والعمليات الاستشهادية انتحار، وفي سبب نزول قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) البقرة: 195، ما يؤكد عكس المعنى المتبادر، حيث إن الأمة التي تترك الجهاد والإعداد وتشتغل بالدنيا تلقي بنفسها إلى التهلكة، من جهة رصد العدو لها ثم استهدافها واستنزافها كما هو حال أمتنا اليوم، فقد قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: إنما نزلت هذه الآية فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره، حتى فشا الاسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهم، فنزلت الآية فينا، فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد" رواه أبو داود والنسائي والترمذي.

- ومما تجدر الاشارة إليه أن هنالك مفاهيم لمصطلحات كانت متداولة وإن لم يكن لها تعريف محدد في ذاك الزمان، فجاء الفقهاء فيما بعد بتوضيح لها على ضوء فهمهم لطبيعة استخدامها في ذاك الزمان، ومن تلك المصطلحات:

1. الدولة المسلمة أو الخلافة الراشدة: وقد حصل نزاع في تحديد مفهومها، والذي أميل إليه أنها: الإطار السياسي الجامع، والمؤطَّر بإطار الشريعة الكاملة، والذي يقوم عليه الأقوياء الأمناء ممن ترتضيهم الأمة من رجالها وحاشيتهم الكريمة، ويخضع لأحكامه الحاكم والمحكوم على حدٍّ سواء.

2. البدعة: فقد جاء فيها حديثان كريمان، لكن دون تفصيل وبيان محدِّد لمفهومها، الأول هو: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ) رواه البخاري، والثاني: (خير الحديث كتاب الله، وخير الهَديِ هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم، وزاد البزار بسند حسن: (وكل ضلالة في النار)، وبالنظر إلى التشديد في عقوبتها لدرجة تصل إلى أن تكون من الكبائر، فإنني أرى وبالرجوع إلى الحديث الأول بأن البدعة هي: كل جديد مخالفٍ لما في القرآن والسنة الصحيحة، أما الجديد الموافق فهو سُنة حسنة (ومن سنَّ في الإسلام سنة فله أجرها وأجر من عمل بها)، وإن فهم البعض بالسُّنة الحسنة ما كان من أعمال نحيي بها السنن المهجورة ونظهرها، وأما الجديد المخالف فهو مما ليس عليه أمر الشريعة السمحة فهو المبتدَع المنكر؛ كالطواف حول القبور مثلاً، أما ذكر الله تعالى باستخدام السُبحة، ورفع الأذان باستخدام مكبرات الصوت، ودرس يوم الجمعة، ومصافحة الأخ لإخوانه بعد الصلاة، فما هي من البدع، بل من السنن الحسنة الكريمة بإذن الله تعالى. 

- حرص أعداء الأمة على نشر مصطلحات ذات عناوين براقة جاذبة لكنها تحمل مفاهيم ومضامين خبيثة، ومن هذه المصطلحات:

1. مصطلح العلمانية: فهو مصطلح براق جاذب في شكله لكنه يحوي خبثاً عميقاً، فالعلمانية تعني: فصل الدين عن الحياة، وحشر الدين في نطاق محدود.
2. العولمة: فهي تعني: تحويل العالم إلى قرية صغيرة تحتكم إلى ثقافة وتقاليد ونمط حياة النظام القوى التي تحكم العالمي الجديد، من خلال ربط أركان هذا العالم عبر قنوات التواصل المختلفة.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة