اصبروا وصابروا

الثلاثاء 13 مارس 2018 07:38 م بتوقيت القدس المحتلة

اصبروا وصابروا

محمد صادق أمين

يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا
قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - آل عمران: 200
هذه هي الآية الأخيرة من سورة آل عمران المدنية، السورة التي تتحدث عن المواجهة بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل، 
 وتربى أصحاب الحق "تربية جهادية" عظيمة، وتوقفهم على طريق الجهاد المُبارك المبرور، ليسيروا عليه سيراً جهادياً بصيراً. 
وقد تحدث النصف الأول من السورة عن " المواجهة النظرية" بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل، وناقش أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأبطل ما هم عليه من باطل، وقدم الأدلة والبراهين على الحق، ودعاهم إلى الدخول في الإسلام، على أنه الدين الوحيد المقبول عند الله. 

وتحدث النصف الثاني من السورة عن "المواجهة العسكرية" بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل في ميدان المعركة، وذلك في حديثه عن غزوة "أحد"، وعرضه مشاهد من أرض المعركة، وتقديمه الدروس والعبر، والدلالات والعظات، مما جرى في تلك الغزوة العظيمة. 
لأجل ذلك كله كانت الخاتمة المناسبة لهذه السورة الجهادية متناسقة مع موضوعها، ومحققة لغايتها، فجاءت "تكليفاً" ربانياً مباشراً للمؤمنين، بالصبر والمُصابرة والمُرابطة، وتقوى الله في ذلك، لينالوا الفلاح والنصر والفوز . 

وإن من البديهيات التي يعلمها كل مسلم، والتي تلقاها من الكتاب والسنة أن المواجهة بين الحق والباطل مستمرة، وأن الصراع بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل لا يتوقف، وإذا أراد أصحاب الحق إيقافه، والصلح مع أصحاب الباطل، وعقد "السلام" معهم، فإنهم لا يوافقون على ذلك، إلا لفترة محدودة قصيرة، يُحققون فيها أهدافهم، ويحشدون فيها قواتهم، ثم ينقضون عهودهم ويعودون لقتال أصحاب الحق من جديد. 

وأوضح مثال على هذه البدهية القرآنية القاطعة، ما يجري الآن بين أهل فلسطين وبين اليهود المحتلين الغزاة، فقد ظن فريق من أهل فلسطين أن اليهود صادقون في الصلح والسلام مع أهل فلسطين، فتوقفوا عن قتالهم وطرحوا السلام جانباً، ورفعوا غصن الزيتون، وأطلقوا حمامة السلام، وأمضوا مع اليهود حوالي عشرين عاماً في مفاوضات "عبثية" لم يعطهم اليهود فيها شيئاً، ولن يعطوهم حتى لو فاوضوهم مئات السنين!! 

وكذلك ماحل في العراق ووضعوااتفاقية بين المحتل وبين اشخاص نصبهم المحتل ليكونوا عوضا عنه بتطبيق كل ما يريده المحتل من ظلم وقتل وتدمير لهذا البلد وابنائه الشرفاء فوقع المأجورين على قوانين الظلم واالاجحاف وسرق الثروات وتقاسمها مع العملاء والمحتلين فهم لن يتركوا البلد إلا بعد أن وقعت اتفاقية الأذعان . 
فهكذا الأعداء لا يوقفون عدوانهم على المسلمين، ولا مًحاربة دينهم، ولا الطمع في أوطانهم وخيراتهم، فإن الحل هو أن "يفقه" المسلمون حقيقة الصراع والمواجهة معهم، وأن يُجاهدوهم جهاداً ربانياً بصيراً، بصبر ومصابرة ومرابطة، وتقوى الله، وإخلاص له سبحانه.

افتتحت الآية الخاتمة من سورة آل عمران تكليف المجاهدين بالجهاد بندائهم بالصفة المُحببة إلى قلوبهم، فقالت: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ..)  وهذا النداء المُحبب يهدف إلى "إيقاظ" قلوبهم وكيانهم، ليستعدوا لتلقي الأمر الإلهي، والتكليف الرباني بقلوب يقظة، ونفوس مستعدة. 

أمر الله المؤمنين المُجاهدين، الواقفين في ميدان الجهاد بأربعة أوامر: 

1- اصْبِرُواْ : والصبر هو : حبس النفس على ما تكره، والبقاء في الموقع والثبات على الطريق، وتقوية العزيمة والإرادة، وتحمل المشقات والمصاعب وآلام الجهاد، و"توطين" النفس على ذلك، حتى تلقى الله.. وهؤلاء المُجاهدون الأبرار يتزودون بزاد الصبر الضروري للجهاد من القرآن والسنة وسيرة إمام المُجاهدين محمد  صلى الله عليه وسلم ، ومن إيمانهم بالله، وذكرهم له، واستعانتهم به.
وخير تمثيل لأهمية الصبر للمُجاهد قول الشاعر: صابَرَ الصبر، فاستغاث به الصبرُ مقال الصبورُ: يا صبرُ صبراً 

2- وَصَابِرُواْ: الألف في "صابروا" للمُفاعلة والمُشاركة، وهذه خطوة تالية للخطوة السابقة " الصبر". فالصبر ذاتي لعزيمة المُجاهد الصابر، أما المُصابرة فهي للعدو. إن العدو صابر على مواجهة المسلمين. ولا بد للمسلمين أن "يُصابروا" أعدائهم، وأن يواجهوا صبرهم على هذه المواجهة بأضعافه ولا يجوز أن يكون صبر الأعداء أكبر وأعظم من صبر المسلمين، إن لم يكن صبر المُسلمين أشد وأعظم فلن يفلحوا في جهادهم ومواجهتهم، وفي مباراة "عض الأصابع" يفوز الذي يتحمل ألم العض ولا يصرخ ولا يستسلم!!

3- وَرَابِطُواْ: الألف في "رابطوا" للمُفاعلة والمُشاركة أيضاً، المُرابطة من الربط، والربط معنوي وليس مادياً، بمعنى أن المُجاهد الصابر المُصابر لا يربط حبلاً برجله ثم يربطه بصخرة في ميدان المعركة، وإنما "ينوي" أن يبقى مُجاهداً في الميدان، رافعاً للواء الحق، لا يتوقف عنه، ولا يتركه، ولا ينصرف عن طريق الجهاد والمواجهة إلى مُتع الدنيا وشهواتها.

4- وَاتَّقُواْ اللّهَ : تقوى الله وإحسان طاعته، وترك معصيته، ودقة مراقبته، وحيوية ذكره والأنس به، هي الحالة العامة التي يعيشها المُجاهد الصابر المرابط.. فهو يُمهد لجهاده بالإيمان، وهو يعيش في جهاده بتقوى الله، وهو بين إيمانه بالله وتقواه لله: صابر مصابر مرابط: فإن فعل هذا كان مفلحاً فائزاً عند الله. 


وقد برهنت التجارب ولنا أمثلة كثيرة على أن الحق دائمًا أقوى من كل عتاد الحرب، وأن كلمة الحق أعلى صوتًا من كل الأبواق.

ولكن الحق في حاجة إلى من يطالب به ويدعو إليه ويقف من أجله بإصرار وعزيمة. والمؤمن الصادق يعلم أن الجلد والصبر وشدة العزم هي طريقه إلى الله؛ فالصبر على الانصياع لأوامر الله والابتعاد عن معصيته والصبر على الشدائد والبلاء ثم المصابرة على جهاد النفس وإعلاء كلمة الحق هو مفتاح الفوز في الدنيا والآخرة؛ وفقًا لوعده عز وجل "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا".
والثبات على الحق يحتاج إلى الجهد والمثابرة فهو لا يناله إلا أصحاب القلوب الجسورة وأصحاب الرسالات والمباديء في كل عصر. وليس أعظم مثالاً من الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأخيار الذين ثبتوا على دينهم وعضوا عليه بالنواجذ بالرغم مما تكبدوه في سبيل ذلك من مشقة وكدح وألم. والثبات على الحق من أعظم النعم التي يمن الله بها المؤمن؛ فقد كان دعاء نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".

وبالرغم من مشقة الثبات على الحق، فإن التاريخ القديم والمعاصر يبرهن على أن إيمان الفرد بالقضية التي يدافع عنها وعدالتها هي معمار الثبات عليها والإيمان بالله واللجوء إليه والتوكل عليه هو حجر الأساس.
وقد أكد الله تعالى في كتابه الحكيم على ضرورة تمسك المؤمن بالصبر والمصابرة في دروب حياته ليصل إلى مرتبة الصابرين وينفع نفسه وأمته؛ فيقول عز وجل في سورة آل عمران: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين"، فبدون الصبر والثبات تضيع الحقوق وتصمت الأفواه وتندحر العزائم .

والأمر الإلهي للمؤمنين جليًا واضحًا في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون". فالطريق إلى النجاح في شتى مناحي الحياة يبدأ بالصبر على المعوقات والمصابرة على مواجهة هذه المعوقات وجهادها جهادًا دائبًا دون كلل أو ملل ثم الاستمرار في العمل الجاد دون تراخٍ أو فتور، وهو ما يسميه أساتذة علم التنمية البشرية بـ (التخطيط للنجاح).

وفي تاريخنا الإسلامي ما لا حصر له من نماذج الصبر والثبات بدء من المراحل الأولى للدعوة مرورًا بالغزوات والفتوحات الكبرى، ولعل الروح التي تنبض حاليًا في عالمنا الإسلامي المعاصر من تجارب ترفض القهر والاستسلام والخنوع وتعلي من قيمة الصبر والمصابرة والثبات لهي بريق ضوء يلمع بالأمل في فجر جديد

يا أحبابنا المُجاهدون المرابطون المخلصون في كل ساحات الشرف والكرامة والاحرار : أعدائكم المُحتلون المغتصبون لن يعطوكم شيئاً، فهم يواجهونكم بصبر ومصابرة بدون توقف، وعليكم أن تجاهدوهم بصبر ومصابرة ومرابطة أضعاف ما عندهم، وتزيدوا عليهم بتقوى عظيمة لله، وأنتم في النهاية المُفلحون الفائزون المنصورون، وهم الخاسرون المطرودون بإذن الله  وهذا ما وعدنا المولى جل وعلا به ولن يخلف الله وعده .

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } النور55

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة