رسالة المنبر " أنا مختلف"

الجمعة 23 مارس 2018 12:31 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر " أنا مختلف"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- أنا مختلف .. أنا مختلف .. هذا ما يقوله الشاب وهو يحاول إثبات وجوده وجدارته .. ولكنه مجرد زعم يحتاج إلى برهان عملي؛ يثبت تميزاً في جانب من جوانب الحياة.
- خلق الله تعالى الخلق مختلفين في صورهم وأشكالهم ولغاتهم وألوانهم وأحجامهم وأوزانهم وغيرها، وهذا اختلاف تنوع لا اختلاف تفاضل (إلا في حدود تفضيله لبعض مخلوقاته على بعض) أضفى على الكون جمالاً وبهاءً.
- كما خلق الله سبحانه البشر تحديداً مختلفين اختلاف تكامل (ليتخذ بعضكم بعضاً سُخريَّاً).
- الناس كلهم متشابهون في وجود نقاط القوة والضعف فيهم لكنهم مختلفون متباينون في درجات هذا الوجود للضعف والقوة فيهم، فكلنا من نقاط ضعفنا شحُّ النفس، ومن نقاط قوتنا التعقل والفهم، ولكننا مختلفون في حجم شُح نفوسنا، وفِي فهومنا وحجم استخدامنا لعقولنا.
- وبما أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا الاختلاف وسواه وقدَّره فإنه لا يجوز لأحد أن يتعالى أو يتكبر على أحد، ولا أن يحسد الآخرين على صورتهم وهيئتهم، لأن أحداً لم يكن له أي دور في خلق نفسه، ومن هنا يقول سبحانه: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (النساء: 32).
- مثلما أن في الاختلاف جانب رباني خالص لا خيار فيه للمخلوقات، فإن فيه جوانب مكتسبة تتحقق للمخلوقات البشرية تحديداً (بإرادة الله) وذلك بما كسبت أيديهم؛ من خير يحقق لهم الاختلاف الإيجابي (التميز)، أو شر يحقق لهم الاختلاف السلبي (الشاذ).

- من صور الاختلاف الإيجابي المكتسب (التميز):
1. اختيار الإنسان لطريق ومنهج وصحبة الحق والخير والصواب والسنة، في وسط بيئة الباطل والشر والخطأ والبدعة.
2. اختلاف زوايا تفكير الإنسان عند الأزمات والمحكات، باختياره لنمط التفكير الإيجابي في وسط الإحباط والتراجع والنكوص والتفكير السلبي، فالناس ترى المِحنة وهو يرى المنحة، والناس ترى الحرج وهو يرى الفرج.
3. اختلاف القيم والطباع والأخلاق لإنسان ينحاز إلى الصدق والأمانة في سوق الكذب والغش والاحتكار والربا، وهذا ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن سائر من في سوق زمانه.
4. اختلاف في ردود الأفعال عند دواعي الاستفزاز يُسجَّل لإنسان يكظم غيظه ويحسن معالجة الموقف، كما تميز يعقوب ويوسف عليهما السلام بكظم غيظهما، على الرغم من أنهما ملكا حق الانفجار في وجوه المستفزين.
5. اختلاف في درجات التحصيل العلمي أو العملي يُحسَب لإنسان واصل ليله بنهاره وهو يدرس ويتدرب ويجرب ويحاور حتى بلغ العُلى من الدرجات، متفوقاً بها على عموم الأقران.
6. اختلاف في القدرة على التحمل عند المسير وتقدم الصفوف، قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً) رواه البخاري.

- ومن صور الاختلاف السلبي المكتسب (الشاذ):
1. النكوص والتراجع في زمن التقدم والإقبال، ولا أدل على ذلك من صورة المخلفين عن تبوك، ولا أقصد هنا من كان متخلفاً بعذر، ولا حتى من جاء معتذراً وعوقب، بل أولئك المنافقين (وهم قرابة المئة من أصل ٣٠ ألفاً شاركوا في الغزوة) الذين كذبوا على أنفسهم، ووكل النبي صلى الله عليه وسلم نواياهم إلى الله.
2. العناد والتكبر وعدم الإصغاء إلى لغة المنطق والعقل، والمزاودة حتى على رفاق الدرب الواحد، فهذا أبو جهل يخالف عقلاء قومه (من المشركين) ويصرّ على ركوب رأسه ويتزعم جيش المشركين في بدر؛ ليكون حتفه فيها قبل أن يشبع غروره. 
3. هناك من يبحث عن الاختلاف لذات الاختلاف ولو كان اختلاف شذوذ، لا اختلاف تميّز، وهؤلاء يقال فيهم: خالِفْ تُعرف، فتراه يمشي بعكس اتجاه السير الصحيح، ويرتدي ألواناً فاقعة جداً، ويبحث عن ترتيب مختلف لحلق رأسه أو لحيته.
4. هناك من يطرح رأياً مختلفاً فإن وجد من يوافقه بحثَ عن رأي مختلف آخر بصرف النظر عن صوابه وخطئه، وإنما بقصد المخالفة والظهور بمظهر مختلفٍ دائماً، وهذا نمط متعب من البشر.
5. ما نراه من إلحاد وسفور وسقوط في أوساط الطيبين يعد مخالفة وشذوذاً، وإن كان صاحبها يحسب أنها اختلاف تنوع محمود، كحال سقوط ابن نوح عليه السلام وخروج عن منظومة الناجين بإيمانهم.

- كثيرون هم الذين يتوهمون أنهم متميزون مختلفون استثنائيون، وهم في الحقيقة عاديون في كل شيء، لكن يبدو أنهم لا يَرَوْن في المشهد إلا أنفسهم، وهذا بحدّ ذاته مرض، قد يشي بتخلفهم لا بتميزهم.
- الخروج عن النمطية في التفكير والأداء واجب، لاسيما ضمن الجماعة والمجتمع والفريق الواحد، ولكنه الخروج الإيجابي باقتراح النافع والمفيد بما يشبه اقتراح سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق قبيل غزوة الأحزاب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تكونوا إمعة، تقولون؛ إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا) رواه الترمذي وفيه ضعف.
- لا يعد اختلافاً ولا تميزاً مجرد انتسابك لعشيرة كذا وقبيلة كذا، فقد قرر الحبيب صلى الله عليه وسلم مبدأ العدالة في تقديم الأتقى عند حديثه عن المساواة في أصل الخِلْقة، حين قال: (أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغت؟ اللهم فاشهد) رواه مسلم.
- اعترض مشركو مكة على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أتى بأمر مختلف (مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) (المؤمنون: 24)، ولكنهم لم يحاكموا ما جاء به إلى لغة العقل والمنطق ولا إلى الموروث من تاريخ الأنبياء السابقين، وحكموا على كل مختلف بالخطأ، على الرغم من أن عبادة الأوثان كانت بدعة مختلقة تخالف حالة التوحيد التي سادت مكة فترة طويلة من الزمن، لكنهم لأجل ضغوطٍ أو أهواء قبلوها واستساغوها!!.
- اعترض بعض الملحدين على أهل الإيمان قائلاً: أنتم كلكم مطبوعون بنسخة (كربون) واحدة .. وكأنه بما يحمل في رأسه من كفر وعناد جاء بما لم يأت به الملحدون الأوائل، وما علم أنه يجترُّ أفكاراً عتيقة عافها أصحابها .. ثم ماذا يعيب أهل الحق إن تواتر الإيمان واليقين فيهم عبر الأجيال طالما أنه الحق؟!.
- كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يحرص على تميز أصحابه، ففي الحديث أنه قال لهم: (إنكم قادمون غداً على إخوانكم؛ فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا (كالشامة) في الناس ..) (إسناده حسن).
- كلما حرص المرء على التميز والاختلاف الإيجابي في الدنيا، جاء يوم القيامة بصورة مختلفة متميزة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) متفق عليه.
- إذا كنّا متشابهين في المقدمات فلا شك بأننا لن نختلف في النتائج، لأن سنن الله تعالى لا تحابي أحداً، فلا يجوز أن نخالف أمر ربنا، وأن نختلف فيما بيننا (كمقدمات)، ثم نعتقد بأننا سننجو من الخيبة والفشل (كنتيجة)، بزعمنا أن لدينا وضعٌ مختلف، وما حصل مع الصحابة الكرام يوم أُحُد أكبر درس لنا كلنا، فينبغي أن يتعلم الأفراد والجماعات، الحكام والمحكومون، من أخطاء وجرائم غيرهم، والجزاء من جنس العمل، ولن تصفو لباغ بواطله، ولا ريشة على رأس أحد (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله).
- الدعاة والعلماء كُثر؛ فكن مختلفاً (مميزاً) في أسلوبك ومنطقك، لتبليغ رسالة الخير، ولا تكن مختلفاً (شاذاً) في عرض الشاذ من الآراء لتلفت الأنظار إليك.
- كن معتزاً بدينك وعقيدتك، لاسيما إن كنتَ في غربة عن أهلك ووطنك، فلا ذوبان ولا تمييع .. ولا تخرج كذلك عن أعراف القوم ما لم يكن في أدائها حراماً، لتكون قريباً منهم ويسهل عليك عرض فكرك وعلمك ودعوتك فيهم.
- كن مختلفاً حذراً من سلوك دهاليز وموضات الآخرين، لاسيما اليهود والنصارى، فقد حذّرنا من ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم؛ حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب؛ لدخلتموه)، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: (فمن)) متفق عليه، ودعانا لمخالفتهم والتميز عنهم في صيام تاسوعاء وعاشوراء، وفِي الصلاة في النعال وغيرها، فضلاً عن تميزنا في التوحيد، وأخلاق وأحكام القرآن المجيد. 
- وعلى الرغم من ضرورة الاختلاف والتميز إلا أن التواضع مطلوب وواجب، فلا تكن متعالياً أو طالباً لهيئة تجعلك مختلفاً عن أهلك وأصحابك وأنت بينهم، ولنا في الحبيب أسوة حسنة؛ فعند البخاري قال: (بينما نحن جلوسٌ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في المسجدِ، دخل رجلٌ على جَمَلٍ، فأناخه في المسجدِ ثم عَقَلَهُ، ثم قال لهم: ((أَيُّكم مُحَمَّدٌ؟)) والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مُتَّكِئٌ بين ظَهْرَانِيهِم، فقلنا: هذا الرجلُ الأبيضُ المُتَّكِئُ ...)، في مشهدٍ فخيمٍ يدلك على انغماس الحبيب بين أصحابه دون أدنى تكلفٍ ولا تمييز، يجعل الغريب لا يعرفه للوهلة الأولى.
- لا تزال الفرصة قائمة لصناعة الاختلاف الإيجابي والتميز في زماننا؛ فهل من مشمِّرٍ في ترك بصمة وصناعة تميز يسجَّلُ له في باب إصلاح المجتمعات، وإغاثة الملهوف، ونصرة المسرى والأسرى، وردّ الاعتبار لأمتنا وأوطاننا، وتجديد أمر الأمة على رأس قرْننا الجديد، أم سيبقى الروتين والجمود سيد الموقف (لا سمح الله). 
- وصف المجرمون عالَمنا العربي والإسلامي بأنه عالَم متخلف، فهنيئاً لمن قدم من نفسه (لا من تاريخ آبائه وأجداده العظماء فحسب) نموذجاً مختلفاً في جودة الفكر أو الصناعة أو الزراعة أو شتى صور المعارف ومجالات صناعة الحياة.
- المجاهدون الصادقون على بصيرة، والشهداء في ميادين ملاقاة المعتدين؛ كل أولئك مختلفون عنا نحن القاعدون .. مختلفون في زاوية نظرهم للحياة الدنيا، وفِي عمق يقينهم بوعد الله لهم في الآخرة، وفِي همتهم ومبادراتهم وسرعة انطلاقهم من عالم الحرقة إلى ميادين الحركة .. ومن مؤشرات اختلافهم؛ ذلك النور المضاف لأجرهم وثوابهم، قال تعالى: (وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) (الحديد: 19)، فلا حرمنا الله من أجرهم ونورهم، ولا ضيّع الله لهم تعباً.

- وختاماً:
- التميز والاختلاف الإيجابي شيء جميل ومطلوب، لكن له ثمن كبير؛ يدفعه المرء في صورة مثابرة عند صعود هرم المتميزين، كما يدفعه في صورة ثبات عند وصوله إلى قمة الهرم، دون اعتبار لحسدالحاسدين وحقد الحاقدين، ولا يدفعك عجزك عن تحقيق اختلاف وتميز في الخير بأن تكون رأساً معتبراً فيه، أن تذهب في الاتجاه المعاكس لتكون مختلفاً شاذاً قبيحاً موغلاً في المنكر والحرام، ورأساً عنيداً فيه، لأنه (إن كان ولا بد) فخَيْرٌ لك أن تكون ذيلاً في الحق (مؤقتاً)، من أن تكون رأساً في الباطل (دائماً).

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة