رسالة المنبر "استراتيجيات الإدارة النبوية"

الخميس 05 أبريل 2018 09:29 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "استراتيجيات الإدارة النبوية"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- بتتبع مجالات الإنجاز العظيم الذي حققه النبي صلى الله عليه وسلم بتوفيقٍ وتأييد من الله تعالى له، يلفت انتباهنا الأساليب التي ألهم الله تعالى بها النبي صلى الله عليه وسلم لإدارة تلك الحقبة، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجاز بأقل قدر ممكن من الكُلف والأوقات.
- لدى دراستنا لمناهج واستراتيجيات وخطط الإدارة النبوية يجذبنا الجانب البشري في شخصية رسولنا الكريم، وهنا لابد من الاستدراك على أنفسنا قليلاً ففي الوقت الذي هو إنسان وبشر، فهو كذلك نبي معصوم وموحى له من ربه، وقد أخطأ العقاد وغيره ممن تناولوا (عبقرية محمد) بمعزل عن الوحي، وصدق الله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110).

- مارس النبي صلى الله عليه وسلم وظائف الإدارة كلها وهي: 
التخطيط: وإن كان يعتمد في جانبٍ من خططه على الوحي، إلا أنه كان يأخذ بالأسباب ويعتمد على معلومات تأتيه من عيونه التي يبثها في كل مكان، وقد مارس التخطيط المرحلي والاستراتيجي، ولو من خلال نظرات وكلمات يطلقها تظهر وجهته ورؤيته (فتحت الشام، فتحت اليمن، فتحت روما).
التنظيم: حيث كان يحسن توزيع المهام باختيار الرجل المناسب للمهمة التي تناسبه (قم يا حُذيفة فأتنا بخبر القوم) (لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ... )، كما كان يحسن استثمار الموارد كلها في تحقيق الغايات.
التنفيذ والتوظيف: حيث كان يقوم بالمهمات بنفسه أحياناً، وأحياناً كان يفوض من ينفذ الأمر عنه، ولَم يكن يفصل بين النظرية والتطبيق في إدارته للحياة، (لتأخذوا عني مناسككم).
 المتابعة والمراقبة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ينسى متابعة من يكلفهم بالمهام، بل كان يسأل عنهم، ويراقبهم، ويكشف له الوحي بعض أحوالهم، وكان يفرح لإنجازهم (سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة عن تأخره عن جيش مؤتة، وقد كلفه أن يكون أحد قادتها ..).
التقويم والتوجيهفقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكافئ من ينجز المهمة مكافأة مادية أو معنوية، وكان يحاسب أو يعاقب المقصرين (قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أنيس بعد تأكده من نجاحه في مهمة كلفه إياها: أفلح الوجه .. ثم أهداه عصاً تكون بينهما علامة يوم القيامة .. ومحاسبة النبي صلى الله عليه وسلم للمخلفين عن تبوك).

- من أنواع الإدارة التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلم:
1. إدارة الذات: (التحنث في غار حراء نموذجاً).
2. إدارة الفريق: (توزيع مهام الدعوة والدولة على أصحابه نموذجاً).
3. إدارة مصادر المعرفة: (حسن تلقي القرآن وتبليغه نموذجاً).
4. إدارة الوقت: (حسن الموازنة بين أوقات يعطيها لنفسه ولربه ولأهله ولأصحابه، وأوقات للبناء وأخرى للعطاء نموذجاً).
5. الإدارة بالإنجاز: (تجاوز بعض التفاصيل والتركيز على نتائج الأعمال، حيث قبل ممن صلى العصر في الطريق وممن صلاها في بني قريظة نموذجاً).
6. إدارة الموارد المالية والبشرية: (مشاهد توزيع الغنائم في كل غزوة بصورة تختلف عن الأخرى فيما يخضع لصلاحياته (الخمس) نموذجاً).
7. إدارة الطاقات والنخب: (فهو يكلف عمرو بن العاص رضي الله عنه بقيادة جيش غزوة ذات السلاسل بعد سنة من إسلامه، ويجعل علياً أميراً على المدينة عند ذهابه لتبوك نموذجاً).
8. إدارة المشاعر والعواطف والأحاسيس: (فها هو يتأثر لبكاء زوجة جعفر رضي الله عنها فيقول لها: العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة).
9. إدارة التنظيم السري: (كتمانه صلى الله عليه وسلم لأمر الرسالة والدين في السنوات الأولى حتى عن المهتدين الجدد، نموذجاً).
10. إدارة الجماعة الكبيرة: (إدارة جيش تبوك وتنظيم موسم حجة الوداع نموذجاً).
11. إدارة الدعوة: (ترتيب مراحلها وخطواتها لاسيما في العهد المكي نموذجاً).
12. إدارة الدولة: (ترتيب متطلباتها الداخلية والخارجية في مختلف المجالات الحياتية، في العهد المدني نموذجاً).
13. إدارة الأخبار والمعلومات: (السعي للحصول على المعلومات عن الخصوم عن طريق الوحي أو العيون، وترتيب الخطوة المناسبة على ضوئها، غزوة الأحزاب ومعرفة قدوم الجيش لاحتلال المدينة وحفر الخندق نموذجاً).
14. إدارة الأزمات: (الخطوات التي سلكها صلى الله عليه وسلم في إدارة حادثة الإفك نموذجاً).
15. الإدارة بالأزمات: (مطاردة عير قريش وجعلهم يتخذون قرار المواجهة غير المدروس في بدر نموذجاً).
16. إدارة الفرص: (استثمار فرصة نقض قريش لصلح الحديبية والمباشرة بتجهيز جيش لفتح مكة، وإتمام ذلك الخير بشكل سريع نموذجاً).
17. إدارة التكليف والتشريع: (البث المباشر من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه مما جاء به الوحي، والسعي لتطبيقه وتبليغه، والتدرج ومراعاة حال المستفتي قبل إعطائه الجواب نموذجاً).
18. إدارة التنوع والاختلاف: (حتى نظراته صلى الله عليه وسلم لأعدائه بعد قوله تعالى: (ليسوا سواء) كانت متنوعة، وقد استفاد من التنوع في إثراء المجتمع، فسلمان فارسي، وبلال حبشي، وصهيب رومي، ومهاجرون وأنصار .. نموذجاً).
19. إدارة الاستقطاب: (كان الحبيب صلى الله عليه وسلم حريصاً على التنويع في عرض دعوته، حكيماً في أسلوبه ومنطقه، يحسن التعامل مع من يأتيه راغباً، ويذهب لمن تأخر عنه طالباً).
20. إدارة المستقبل: (في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن فتن وعلامات الساعة، وتوجيه أصحابه بعض التوجيهات للتعامل معها نموذجاً).
21. إدارة توريث الخبرات وسداد الثغرات: (في تركيزه على الجيل الثاني والثالث، والدعاء لهم بحمل العلم، ثم تكليفهم ببعض المسؤوليات؛ كتكليف أسامة برئاسة جيوش فتح الشام نموذجاً).
22. إدارة الفتوى والتعليم: (في الحوارات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجريها مع أصحابه، وفِي تفاعلهم مع أسئلته، وتفاعله مع أسئلتهم، ومراعاة الفروق الفردية عند إجابتهم نموذجاً).
23. إدارة المعارك والغزوات: (في حسن مشورته، وتوزيع قادته، وتنظيم صفوف جيشه، ومتابعة المعلومات عن أعدائه، واستغاثته بربه نموذجاً).
24. إدارة الأفعال وردود الأفعال: (في ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم لأداء عمرة الحديبية نموذج على إدارة الفعل، وفِي حسن تعامله مع منعِ قريش له من دخول مكة وموافقته على بنود صلح الحديبية نموذج على إدارة ردود الفعل).
25. إدارة الخفض والتصعيد: (في تصعيد النبي صلى الله عليه وسلم لعقوبة بني قريظة الذين هددوا أمن المدينة يوم الخندق، وخفضه لعقوبة يهود خَيْبَر بإقرارهم في أرضهم ومشاطرتهم فيها بعد إلغاء قرار إجلائهم عنها نموذجاً) .
26. إدارة المواقف الملتبسة: (في إدارة خديجة رضي الله عنها لمشهد بدء الوحي واستيعابها للنبي صلى الله عليه وسلم عند نزوله من الغار خائفاً نموذجاً، ومثله موقف النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة الإفك).
27. إدارة الشخصيات البغيضة (المنافقين): (في القدرة العالية على استيعابهم وعدم التأثر باستفزازهم؛ لاسيما زعيمهم المستفز عبد الله بن أبي بن سلول في مشاهد عديدة آذى فيها النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً).
28. إدارة الاحزان والأفراح: فقد كان معتدلاً في حزنه وفرحه متوازناً لا يقعده حزن عن الاستمرار (حزنه على شهداء أحد) ولا يطغيه فرح بالتجاوز (فرحه لفتح مكة).
29. إدارة الأرشفة والتوثيق: فقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على حفظ القرآن والسنة في الصدور والسطور وإن كان قد نهى أول الأمر عن تدوين السنة كي لا تختلط بالقرآن العظيم، ولولا شعور الصحابة بأن حفظ القرآن والسنة على واجب وضرورة بل عبادة وطاعة ما تكلفوا عناء ذلك الخير.

- من أبرز المعينات على نجاح وتفوق المدرسة النبوية في الإدارة:
1. اشتراك جانب الوحي إلى جانب الإدارة البشرية.
2. الشورى التي كانت صفة ملازمة له وتكليفاً واجباً عليه.
3. نوعية الجيل الأول ممن اختارهم الله تعالى ليكونوا إلى جانبه كالقرص الصلب في حمل الرسالة وحمايتها.
4. حسن الاستفادة من تجارب الأنبياء السابقين مع أقوامهم.
5. القدرة على تجاوز التحديات واستثمار الفرص، بل توفيق الله له في استثمار التحديات وصناعة الفرص.
6. الصبر الكبير والثبات واليقين والتفاؤل عدم اليأس والعجز والكسل.
7. الشجاعة بلا تهور، والحكمة بلا تردد.
8. الاستفادة من المنعطفات والأخطاء وعدم السماح بتكرارها.
9. التواضع الشديد ونسبة الفضل إلى الله العظيم عند كل إنجاز.

- من أبرز المعيقات في طريق الإدارة النبوية:
1. التحدي الخارجي والذي يكمن في عداوة اليهود والمشركين لبعثته، وحسدهم له وحقدهم عليه.
2. التحدي الداخلي والذي يكمن في:
- وجود المنافقين والمخذلين.
- وجود نسبة من الضعف البشري حتى في أصحابه الكبار.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة