غزة تنتحر .. !!

الخميس 17 مايو 2018 01:25 م بتوقيت القدس المحتلة

غزة تنتحر .. !!

د. محمد سعيد بكر

- منذ أن بدأت الانتفاضة الأولى .. وبمجرد إعلان انطلاق المقاومة الإسلامية للمحتلين الغاصبين في فلسطين، ونحن نسمع أسطوانة فتاوى فقهية وأخرى فكرية تقول بحرمة الوقوف في وجه العدو المدجج بأحدث أنواع السلاح، لما في هذا الوقوف من انتحار وقتل للنفس، لاسيما وأن صدورنا العارية وأسلحتنا الخفيفة لا يمكنها أن تؤثر في هذا العدو المدعوم بالرأي والمال والحماية العالمية.
وبالتالي ..
فكل عملية استشهادية فردية انتحار!!
وكل من يقف أمام الدبابة ويرمي بالحجارة والمولوتوف ثم يُقتل فهو منتحر!!
والمسيرات السلمية ضد الجدار العازل وغيره والتي يتعرض لها الناس للاختناق فيموت بعضهم انتحار!!
وثبات المسلم في بيته الذي يريد أن يهدمه العدو على رأسه انتحار!!
والحروب الثلاثة التي خاضتها المقاومة في غزة ضد اليهود انتحار!!
والذين يموتون أثناء تصنيع الأسلحة أو حفر الأنفاق منتحرون!!
ومسيرات العودة التي تخرج من غزة ويموت فيها الناس انتحار!!
ومجرد بقاء المقدسي والفلسطيني عموماً في بيته إلى جوار المستوطنات المسلح أطفالها ونساؤها وشيوخها انتحار!!

- أسئلتنا المشروعة ..
وهنا نسأل من يطلق هذه الأحكام، ويهدر بفتاواه تلك جهود واجتهادات المرابطين الثابتين على أرضهم والحاضنين المقدسات بقلوبهم؛ إذا كانت هذه الأعمال كلها انتحار بسبب عدم تكافؤ القوى وقلة ذات اليد .. فما هو الجهاد والاستشهاد والتضحية والشموخ والثبات في قاموسك؟!
وهل أولئك الذين تعرضوا للإيذاء والقتل منذ اليوم الأول للجهر بالدعوة في مكة منتحرون؟
وهل تحدي قريش باعتراض تجارتها من خلال سرايا الجهاد انتحار؟!
وهل كانت بدر الكبرى وأحد مع انعدام توازن القوى انتحار؟!
وهل تلك العمليات الخاصة التي وجهها النبي صلى الله عليه وسلم لتنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات مجرمة محددة بعينها انتحار؟!
وهل فكرة غزوة مؤتة وتبوك ضد جحافل الروم الجرارة انتحار؟!

وهل إرسال الرسائل إلى الملوك لدعوتهم للاسلام وما في ذلك من خطورة انتحار؟!
وهل ثبات الصحابة يوم الخندق وعدم استسلامهم أو تسليمهم للمدينة على الرغم من شدة خوفهم انتحار؟!
وهل إرسال الصحابة إلى الحبشة عند قوم متعصبون لديانتهم انتحار؟!
وهل فكرة ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم للطائف وما تعرض فيها من أَذى انتحار؟!
وهل فكرة ذهاب النبي صلى الله الله وسلم إلى مكة لأداء العمرة مع أصحابه قبيل صلح الحديبية انتحار؟!
وهل بقاء النبي صلى الله عليه وسلم ثابتاً في أرض حنين بعد الكمين الذي نصب لجيشه فيها، وهروب كثير من أصحابه عنه، وموت بعضهم حوله انتحار؟!
وهل بقاء بعض الصحابة على تلة الرماة حتى الموت يوم أحد، وثبات آخرين في أرض المعركة بعد شيوع خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم حتى استشهادهم كأنس بن النضر رضي الله عنه انتحار؟!
وهل ما حصل للصحابة يوم الرجيع وبئر معونة من ثبات حتى الموت انتحار؟!
وهل ثبات سمية وياسر رضي الله عنهما في وجه المشركين حتى الموت انتحار؟!
وهل مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليهود المدينة على الرغم من مكرهم ومحاولات اغتيالهم له انتحار؟!

- ثم قولوا لي بالله عليكم، إذا كانت صور المقاومة المتنوعة والمبتكرة في فلسطين انتحار؛ فهل في بقائنا في بيوتنا نتابع أخبار اغتصاب اليهود لأعراضنا ومقدساتنا، وأسرهم لشبابنا د وحرقهم وخنقهم لأهلنا، وتمددهم في بناء المستوطنات على أرضنا، وإعلانهم المشؤوم بشأن القدس .. هل متابعتنا لذلك كله في بثٍّ حي ومباشر دون أن نحرك ساكناً .. هل كل هذا يرضي ربنا .. وهل في ذلك ما يجلب الحياة والسرور والهناء لنا .. 
 أم أنه هو الموت والانتحار البطيء .. ؟!

ولو أن في القعود وعدم الحراك ولزوم البيوت وعدم المواجهة بصورها وأشكالها ما يدفع شر الأشرار ويخفف عنا أذاهم؛ لقلنا بوجوب البقاء في البيوت دون حراك.

ولو أن في البقاء في البيوت ما يعفينا من المسؤولية أمام ربنا؛ لقلنا بحرمة تعريض النفس لأخطار المواجهة.

ولكن هيهات هيهات .. فالواجب كبير والإمكانات قليلة .. ومن الله العون والمدد .. واستمرار البذل والتضحية وابتكار أساليب متنوعة للمقاومة؛ كل ذلك يعرقل مخططات الأعداء، ويعطي فرصة أكبر للأمة كي تصحو من غفوتها.

 باختصار .. غزة لا تنتحر بل تتقدم وتنتصر .. وتقلب الطاولة على العدو وأعوانه ليندحر .. وأما القاعد والمخلَّف والمتردد والجبان فهو الميت المنتحر.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة