رسالة المنبر "وكان سعيكم مشكوراً"

الجمعة 18 مايو 2018 09:07 ص بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر "وكان سعيكم مشكوراً"

المحاور:
- الشكر قيمة عالية تدل على اعتراف الشاكر بفضل وجميل المشكور.
- ولأن أمة الإسلام أمة شاكرة سُميت بأمة الحمد، وكانت سورة الحمد (الفاتحة) عنوان القرآن وبوابة الصلاة .. وسمي نبيها الخاتم (محمد) لأنه عنوان الحمد الأكبر لربه من بين البشر، ولا غرابة أن يكون جوابه لعائشة رضي الله عنه حين أشفقت عليه من كثرة قيامه لليل: (أفلا أكون عبداً شكوراً).
- ربى الإسلام أتباعه على شكر كل معروف، وكره لهم انتظار الشكر من أي أحد على ما يبذلونه من معروف، لأنهم ينتظرون جزاء معروفهم من ربهم الذي لا يضيع لهم عملاً ولا ينسى لهم تعباً (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) (الانسان: 9).
- عندما خلقنا الله تعالى مخيرين في اختيار أبواب السعي وسُبل الحياة، بيّن لنا سبحانه هذه السبل ونتائجها .. ثم أعطى ثواباً عظيماً لمن ترك سُبل الغواية وسلك سُبل الهداية، وهذا من باب شكر الله صاحب الفضل والنعمة لعبده الشاكر له على نعمائه (إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) (الانسان: 22).
- لأن أحداً لن يستطيع شكر نعم الله تعالى عليه، ولا حتى مجرد إحصاءها (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل: 18) فإن تقصيرنا في عبادة الشكر يتطلب منا استغفاراً كثيراً، واستحضاراً مستمراً لعظيم نعمة الله تعالى علينا .. والغفلة بلاءٌ قد تجعل الإنسان ينسب الفضل لنفسه وجهده وذكائه .. نعوذ بالله من الخذلان.
- إن كفرانَ العشير ونكرانَ الجميل صفات قبيحة يبتلى بها المرء .. وهي التي تتسبب في الكثير من مشكلاتنا الاجتماعية وغيرها .. ولو أننا ننسب الفضل لأهله، ونمدح قبل أن نقدح لانتهت كثير من مشكلاتنا، لكننا ننسى الجميل ونتذكر القبح.
- وكما ينكر البعض فضل أصحاب الفضل كالدعاة والعلماء والآباء والأمهات وغيرهم، تجد آخرين ينسبون فضلاً لغير أهل الفضل كأن ينسبوه للفاسدين الظالمين، بل ويبالغون في نسبة الفضل إليهم على أمور لم يفعلوها، كالذي يشكر لصاً على إعطائه دينار واحد بعد أن سرق منه مئة دينار، وهذا شكل من أشكال النفاق القبيح، وقد عتب القرآن على الذي يقبل مدحاً وشكراً لعمل لم يقم به (.. وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران: 188).
- لا يعادل الشاكرين في فضل شكرهم لله تعالى إلا الصابرين في فضل صبرهم على ابتلائه، والمؤمن يتقلب بين صفة الشكر والصبر في أحواله كلها .. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ، وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمن، إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ، فكانتْ خَيرًا لهُ " رواهُ مُسْلِمٌ.
- الشكر سعيٌ وعملٌ وبذلٌ للمال والوقت والجهد في سبيل المنعم سبحانه .. وليس مجرد كلمات نقولها عند كل شربة ماء أو لقمة طعام أو كسوة ثياب .. (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13).. والله تعالى يحب الشاكرين له بلسان حالهم ومقالهم.
- الشكر عنوان الزيادة .. وتركه عنوان المسخ والنقصان (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (ابراهيم: 7).
- الشاكر لربه مُختار مجتبىً مصطفىً .. فهنيئاً لمن أجرى الله تعالى الشكر على قلبه ولسانه (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (النحل: 121).
- يطلب المسلم العون من الله تعالى على شكره في كل حين (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
- رمضان شهر الشكر بامتياز .. وتمكين قيمة الشكر مقصد من مقاصد الصيام .. فنحن نمتنع في نهار رمضان عن مباحات كنّا نتناولها قبل رمضان، استجابة لأمر الله تعالى .. وعندها نستشعر قيمة تلك المباحات التي من طول ألفتنا لها لم نعد نتحقق من شكر الله عليها .. حتى إذا صمنا عنها في النهار .. ثم عاودنا التعاطي معها بعد المغرب استشعرنا قيمتها فحمدنا ربنا كثيراً عليها .. وهذا يعني أن رمضان يقطع ألفتنا لنعم الله علينا، لنعيد ترتيب علاقتنا معها من جديد (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة: 185).
- عند كل نعمة يطلب المسلم المحب الصادق من رب العزة الانتشار في أرض الله ليشكر الله سبحانه، قال تعالى: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل: 19).

- مثلما أن هنالك سعي مشكور فإن هنالك سعي مذموم، ومن صور السعي المحمود المشكور في الدنيا والآخرة:
1. السعي في قضاء حوائج الآخرين، لاسيما إن كانوا فقراء أو محتاجين، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ).
2. السعي في طلب العلم وتعليمه.
3. السعي إلى المساجد.
4. السعي في الإصلاح والدعوة والتغيير.
5. السعي في طلب الرزق الحلال.
6. السعي في سداد ثغور المسلم والجهاد في سبيل الله.
7. السعي في البر والصلة.
8. السعي في بناء الأوطان ورفعة شأن الأمة.
9. السعي في كل ما من شأنه تحقيق غايات وجودنا في الحياة من إعمارٍ للأرض وتعبيد النفس والآخرين لله رب العالمين.

- فإن كان الإنسان حريصاً على أن يكون سعيه خالصاً لوجه الله تعالى فإن الله تعالى يشكر له خطواته تلك بعد أن ألهمه إليها وأعانه عليها، ومن معالم وثور شكر الله تعالى للعبد:
1. توفيقه له في اختيار المسارات الأنفع له في حياته.
2. تيسيره له وتسهيل دروبه.
3. صرف الأذى عنه وحمايته وحفظه.
4. تخفيف المكتوب له في القدر واللطف به.
5. مباركة زمانه بحيث ينجز من الأعمال الكثير في الوقت القليل.
6. مضاعفة ثوابه.
7. فتح قلوب العباد له ومنحه القبول بين الناس.
8. منحه الرضا والمغفرة والجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك في الطريق، فأخَّره، فشكر الله له فغفر له) متفق عليه .. هذا لأنه أزال ما يؤذي المسلمين من طريقهم .. فكيف بمن يضعون العراقيل والأشواك المادية والمعنوية في طريق الناس؟!!.

- وختاماً: لأن الدنيا دار فناء فإن العاقل ينهج فيها منهج الشاكرين .. ليستقبل من الله تعالى البركات والخيرات والمسرات .. وقد يبتلى العبد الشاكر بمصاب في نفسه أو ماله أو ولده .. فيتساءل في نفسه سؤالاً خفياً: ما الذي يجري لي؟ .. هل من خلل في علاقتي بالله؟ .. ما حكمة هذا البلاء؟ .. هل رب العزة ساخط عليَّ؟ .. ولا يملك لأسئلته هذه جواباً .. غير أنه يرضى عن الله الذي يمنح ويمنع .. ويعطي ويأخذ .. ويثق بحكمته سبحانه .. ويؤمن بأن مواصلة الشكر على النعمة القائمة، مع تحقيق الصبر على المصاب الجديد؛ يحفظ النعمة ويرفع النقمة، بل إنه لشدة يقينه بحكمة ربه يرى حتى في المصيبة والمحنة، منحة؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان يقول: سجني خلوة وإبعادي سياحة وقتلي شهادة .. وعند استيعابنا لتلك المعاني: يذهب الظمأ .. وتبتلُّ العروق .. ويثبت الأجر إن شاء الله.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة