طلائع الإعجاز الغيبي في طوالع سورة الإسراء

الخميس 26 يوليو 2018 08:07 ص بتوقيت القدس المحتلة

طلائع الإعجاز الغيبي في طوالع سورة الإسراء

د. جمال أبو حسان

أستاذ مشارك في التفسير وعلوم القرآن في كلية الشريعة بجامعة الزرقاء الأهلية بالأردن

ملخص

يعنى هذا البحث بدراسة نمط من أنماط الإعجاز التاريخي (الغيبي) في القرآن الكريم، ويبين موقع هذا النمط من وجوه الإعجاز الأخرى في القران الكريم، وأقوال العلماء إثباتا ونفيا.

ثم يقوم البحث في جوهره على تفسير الآيات من (4-7) من أول سورة الإسراء، حيث يقوم التفسير على مجموعة من الأسئلة يراها الباحث ضرورية لفهم الآيات.

وقد خلص الباحث بعد إيراد تلك الأسئلة والإجابة عنها، ومعرفة أقوال العلماء في تفاصيل تفسير تلك الآيات: إلى أن هذه الآيات تتحدث في مضمونها عن واقع يعايشه الناس اليوم، وليست خبرا تاريخيا عن أمم ماضية. وقد بين الباحث هذه الحقيقة بالأدلة والبراهين العلمية ومناقشة آراء الخصوم.

 

abstract

 

This research takes care of studying a kind of hidden (or unseen) historical I'jaaz (miraculous nature) in the Noble Qur'aan. The presence of this kind of I'jaaz is built on other types of I'jaaz in the Noble Qur'aan، and the opinions of the 'Ulama about it، by them proving it or negating it.

Then، the research looks at the Tafseer (interpretation) of verses 4 - 7 from the beginning of Surah Al-Israa، through this Tafseer interpreting various questions that the one doing the research finds necessary to understand the verses.

After this، the researcher comes to a conclusion from these questions and their answers، and by knowing the opinions of the 'Ulama in detailed interpretation of these verses. He then arrives at the point that these verses، in their content، are talking about a reality that people live today، and that it is not historical information about past nations. Thus، the researcher has clarified this truth with proof and scientific evidence، and by debating the opinions of those who differ in their views.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الذي أنزل الكتاب الكريم نوراً وهدى للعالمين، وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين وإمام الأولياء المتقين، سيد ولد عدنان، وسبيل النجاة الوحيد لبني الإنسان، أما بعد:

 فإن الله تعالى قد أنزل هذا القرآن دستوراً وهداية للناس وبين سبحانه في هذا الكتاب كل ما يخص أمر الإنسان مما يقربه إلى ربه، ويحسن له حياته مصداقاً لقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) 89: النحل، وقوله سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) 9:الإسراء.

أدرك المسلمون هذه الحقيقة ووعوها حق الوعي، فكانوا مثلاً للإنسانية في الخير والهداية والرشاد، وكان المفسرون في كل قرن من قرون الإسلام يفسرون القرآن الكريم بحسب ما عندهم من معطيات في الحياة، وما لدى المفسر من مكنون العلم. وبذا يتفاوت كل مفسر عن الآخر بحسب هذه المعطيات.

وإنما يكون المفسر بارعاً إذا استطاع أن يعالج المشكلات التي عاصرها من خلال القرآن، وأوجد للناس منهاجاً قرآنيا ميسراً يستطيعون من خلاله تعديل سلوكيات حياتهم وحياة الناس في مجتمعهم، إتباعاً لهدي القرآن الكريم، وتطبيقاً لسنة رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم.

والتعاون هذا أمر محمود إذ قد أطلعنا على ثقافات ومعطيات مختلفة ومتعددة، كان منها مفاتيح كثيرة لتعديل سلوكيات مختلفة ومتعددة عبر العصور مما جعل المفسرين يصيرون قدوات ونماذج لمن جاء بعدهم، وهكذا سرى أمر التفسير في نشر هداية القرآن الكريم – الذي لا تنقضي عجائبه  ولا يخلق على كثرة الرد – عبر القرون، وهذا لا يعني أن التفسير وقف عند حد، أو ثبت عند زمن لا يتعداه، بل هو متجدد تجدد عطاء القرآن الكريم، الذي جعله الله تعالى دستوراً للناس، كل الناس، في كل زمان وكل مكان.

وفي هذا البحث الذي أقدمه أنموذج للدرس المعاصر في تفسير القرآن الكريم يدل دلالة واضحة على تجدد عطاء القرآن في كل حين، وقد توخيت في هذا الأنموذج ما يكون مبيناً لحل مشكلة من المشكلات المعاصرة التي يكابد الناس شرها مكابدة شديدة، وأظهرت من خلال هذا إعجاز القرآن التاريخي الذي برز من خلال الآيات المدروسة في هذا البحث، مما يقطع بتجدد وجوه إعجاز القرآن عبر العصور، ويبين أن آيات الله تعالى لا تنقضي عند حد. ولما كان جوهر هذا البحث هو إثبات أمر الإعجاز في آيات الإسراء فقد اقتضت طبيعة هذا البحث أن يكون في تمهيد قدمت فيه بعض ما يتعلق بسورة الإسراء، ثم عدة مباحث هي:

المبحث الأول: في معنى الإعجاز التاريخي(الغيبي) وأهميته، وموقعه من بين وجوه الإعجاز الأخرى، وموقف العلماء من القول بهذا الوجه.

المبحث الثاني  :- تحقيق معاني مفردات الآيات موضوع  البحث وبيان الخلاصة في معناها.

المبحث الثالث:- تحقيق وجه الإعجاز من نص تلك الآيات .

المبحث الرابع:- وقفه أخيرة مع تفسير الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي لهذه الآيات ثم الخاتمة وفيها خلاصة البحث وتوصياته.

والله تعالى أسال أن يجعل هذا البحث خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفعنا ويرفعنا به في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.

تمهيد:-

سورة الإسراء سورة مكية خالصة، ولا عبرة ببعض الأقوال التي تستثني منها بعض الآيات على أنها نزلت بالمدينة، إذ كل ذلك ليس عليه دليل صحيح يستند إليه وإنما هو اجتهاد قاد إليه النظر في أن بعض الأحكام التي نزلت فيها لا تناسب الفترة المكية، وهذا عند التحقيق غير مسلم [1]

 وقد نزلت هذه السورة بعد حادثة الإسراء والمعراج والأصح أنه قبل الهجرة بنحو سنة ونصف، وبناءاً عليه تكون السورة نازلة في حدود سنة اثنتي عشرة بعد البعثة [2]

وقد تباينت أقوال العلماء في الغرض المسوق له هذه السورة، والمحور الذي تتمحور حوله، فقد ذكر ابن عاشور لها أهدافاً عدة بسطها في تفسيره.[3] وذهب البقاعي في تفسيره إلى أن المقصود بها الإقبال على الله وحده، وخلع كل ما سواه، لأنه وحده المالك لتفاصيل الأمور وتفضيل بعض الخلق على بعض [4].

وذكر الصعيدي أن للسورة أغراضاً ثلاثة هي:

أولاً:- إثبات حادثة الإسراء، وقد كان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فاستدعى هذا بيان فضل هذا المسجد، وذكر بعض أخبار أهله.

ثانياً:- الموازنة بين كتابي المسجدين: القرآن والتوراة، وقد استدعى هذا ذكر بعض مما أتى به القرآن من الحكم والموعظة.

ثالثاً:- بيان حكمة الإسراء من اختبار الناس به[5].

هذه بعض الأقوال فيما يخص محور هذه السورة، والذي أراه أن هذه السورة إن كان نزولها في زمن كثرت فيه جماعة المسلمين بمكة، وأخذ التشريع المتعلق بمعاملات جماعتهم يتطرق إلى نفوسهم [6] فإن لها موضوعاً آخر يتمثل في بيان ارتباط السورة بأحد أسمائها وهو( بني إسرائيل) فقد ورد هذا الاسم منسوباً إلى هذه السورة الكريمة في أحاديث شريفة منها حديث البخاري عن ابن مسعود  رضي الله عنه أنه قال:( بني إسرائيل والكهف ومريم إنهن العتاق الأول وهن من تلادي) [7]

 ومراد ابن مسعود كما في فتح الباري: إنهن من أول ما تعلم من القرآن وأن لهن فضلاً لما فيهن من القصص وأخبار الأنبياء والأمم [8]

وموضوعها كما يظهر أو أحد موضوعاتها البارزة مما لم يذكره من سبق أنها جاءت محذرة جماعه المسلمين من عدو قادم. كي يبدءوا حساب ما يتعلق بهذه العداوة من أول الطريق، فيكون القرآن الكريم  قد نبه الجماعة المؤمنة من أول نشأتها إلى هذا العدو، الذي سيكون له شأن في حياتهم الدينية والاجتماعية والله  تعالى أعلم.

على أن القرآن لم يترك الجماعة المسلمة دون بيان سبيل الخروج من هذا الأمر الذي سيدهمهم في المستقبل، إنه- السبيل- ( القرآن الكريم  ) الذي من استمسك به رشد ومن تركه خاب وخسر، ولأمر ما ولعله الذي أقصده ورد ذكر القرآن الكريم في هذه السورة الكريمة مرات لم يذكر مثلها في أي سورة من سور القرآن الكريم كلها؛ إذ قد ذكر فيها إحدى عشرة مرة من بداية السورة إلى نهايتها [9]

وهذه لفته حري بها أن تكون موضع نظر الباحثين والمتأملين، ولعلنا نرجع إليها في ختام هذه البحث  بمشيئة الله تعالى.

المبحث الأول:- في معنى الإعجاز (الغيبي) وأهميته وموقعه من بين وجوه الإعجاز. الأخرى وموقف العلماء منه.

من وجوه الإعجاز للقرآن التي ذكرها العلماء: الإعجاز بما فيه من أنباء الغيب، ويقصدون كل ما كان غائباً عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يشهد حوادث واقعاته، ولم يحضر وقتها ولم يكن على علم بتفصيلاتها، فيدخل في الغيب بهذا المفهوم كل ما ورد في القرآن عن بداية نشأة الكون، وما وقع منذ خلق آدم عليه السلام، إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظيمات الأمور ومهمات السير،وكذلك يشمل كل ما غاب عن النبي الله صلى الله عليه وسلم في وقته من الحوادث التي كانت تحدث ويخبر عنها بطريق الوحي. كإخبار الله تعالى له بما يكيده اليهود والمنافقون، ويشمل أيضاً ما تضمنه من الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان [10]

وقد يبدو من أول وهلة أن جزءاً من هذه الموضوعات عبارة عن جوانب تاريخية يتناقلها الناس بعضهم عن بعض فما هو وجه إدخالها في مباحث الإعجاز؟

إن هذا القول حق لا مرية فيه، فيما يتعلق بأخبار التاريخ، ولكن شتان ما بين هذا وما بين أمر القرآن الكريم، فحوادث التاريخ ليست وقفاً على أحد من الناس دون أحد، فقد يتناقل أجيال من الناس حادثة معينة، أو خبرا له شأن أو قصة عجيبة أو حادثة ذات أثر، ولكن الذي جاء في كتاب الله تعالى ليس من هذا القبيل؛ فأخبار الأمم في القرآن الكريم جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله، وهو أمي باتفاق محبيه ومبغضيه،وأوليائه وأعدائه، وأصحابه وخصومه، لم يقرأ كتب الأولين، ولم يجلس لمعلم يقص عليه قصصه. قال تعالى (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ) العنكبوت: 48-49.

ثم إن الأخبار التي جاءت في كتاب الله تعالى، وجاء بها القرآن الكريم، كان بعضها حديثاً عن أهل الكتاب. وبعضها عن غيرهم.

أما أخباره عن أهل الكتاب فكان منها ما لم يعرفه أهل الكتاب أنفسهم، وكان منها ما عرفوه ولكن على غير الحقيقة، فجاء القرآن الكريم ليصحح لهم هذه المعرفة ويبين لهم وجه الحق ويدلهم على الصواب.

وأما ما كان حديثاً عن غير أهل الكتاب فكان بعضه عن العرب الأولين، وبعضه الآخر عن غيرهم، وهذا أو ذاك كان كثير منه جديداً على العرب، لم يستمعوا إليه إلا من القرآن الكريم، وكان بعضه الآخر مما كانوا يعرفونه معرفة غير سليمة، فجاء كتاب الله تعالى يجلي لنا الحق في هذه الأخبار كلها. قال تعالى بعد بيان قصة نوح عليه السلام في سورة هود (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) هود:49.

المتأمل في قصص القرآن الكريم، والمتدبر لآياته يدرك أن ما جاء به القرآن الكريم مجملاً تارة ومفصلاً تارة، لا يمكن أن يكون إلا من خبر السماء فكان حرياً أن عد وجها من وجوه الإعجاز. على أن ما جاء في القرآن الكريم وبخاصة أخبار الأنبياء عليهم السلام كان من أعظم الأدلة على صدق الوحي وصدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن فيه ما يشين هذه الصفوة المختارة مما لا يليق بمكانتهم. قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يوسف: 111[11]

وتبدو قيمة هذا المبحث أنه منبع لا ينفد، ظل يلهم الإنسان المكلف بأن يتدبر القرآن، ويزيل الغشاء عن البصيرة، وأن يتأمل ماذا حدث في الأزمان الغابرة، وماذا يحدث له وأمامه، ثم هو يجد الإشارات والدلالات في قرب أو بعد موجودة في القرآن. والإنسان هو مركز دائرة الغيب، ما بعد عن إدراكه فهو غيب له، وما بعد عن إدراك آبائه، فهو غيب لهم دونه إن كان قد اكتشف سره، إذن فشؤون الكون بعظائمه ودقائقه، كلها غيب  بالنسبة للإنسان، وشؤون النفس البشرية وخلجاتها ونزاعاتها كلها غيب له أيضاً.

ومن ثم أخبرنا القرآن عن قوم عاد وقوم لوط وغيرهم ، فكان هذا غيباً مضى، معجزا من القرآن، وأخبرنا عن أحداث لم يتوقعها العرب حينها. ثم حدثت بعد أن ذكرها القران بوقت قليل ، فكان غيباً في المستقبل القريب وهو معجز، ومنه ما كان غيبا في المستقبل البعيد،  مثل حكاية القرآن عن اليهود أنهم إن كانوا صادقين بكونهم أولياء الله تعالى فليتمنوا الموت ثم قال: (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) الجمعة:7، فما تمناه منهم أحد. وعلى مدى العصور والأجيال تنكشف للناس غيوب عديدة في أنفسهم، وفي عالمهم وفي واقعهم، ويقرأون القرآن فيجدون إشارات ودلائل فيدركون بعمق مدى قصورهم أمام ملكوت الله تعالى، ومدى صحة قوله عز من قائل (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) الأنعام:38، ومدى إعجاز القرآن لما فيه من أسرار عجيبة لا تنفد، وهي معجزة لأنها لا تنفد، ومعجزة أيضاً لأنها لا تنكشف للإنسان إلا بعد لأي، وعلى فترة من الزمن. بل إن هذه الغيوب التي تنكشف للإنسان كلما ازداد تأملا في القرآن لتأكد له أنه حين يستضيء بهدي القرآن الكريم تنسجم له  السعادة التي ينشدها[12]

ولا ريب أن الإعجاز الغيبي بما له من هذه المنزلة فإنه يتبوّأ من وجوه الإعجاز منزلة سامقة،  بل ولربما تفوق على بعض الوجوه التي لا يزال الجدل يحتدم حولها، ولذلك ترى جمهرة كبيرة من العلماء قد احتفلوا بهذا الوجه، وأخذوا في بيان تفاصيله وأقسامه وإقامة الشواهد عليه، وإن المتأمل في آيات التحدي الخمس المطلوب الإتيان فيها بمثل القرآن الكريم أو بعضه، تقتضي التحدي للإتيان بشيء يماثل أو يشابه هذا الكتاب العظيم في أخباره الغيبية، كما تقتضي التحدي في المماثلة أو المشابهة لنظم وأسلوب وبلاغة كلام رب العالمين لعموم اللفظ الوارد في هذا السياق. قال تعالى:( قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) الإسراء: 88، ويقول سبحانه وتعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ) الطور 33-34.

ويقول جل من قائل: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) هود: 13، ويقول سبحانه (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) يونس:38، ويقول الرحمن الرحيم سبحانه: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) البقرة 23-24.[13]

والمتأمل في إطلاق المثلية المطلوبة يدرك منها أنها مثلية غير مقيدة ولا محدودة، بل هي عامة في كل القرآن وكل القضايا، التي منها ما يتعلق بالتاريخ والغيب.

ولهذه وغيره تعددت أقوال العلماء الذي أثبتوا هذا النوع وجهاً من وجوه الإعجاز القرآني [14]وأما الذين أنكروا هذا الوجه من وجوه الإعجاز فهم قلة قليلة جداً عبرا لتاريخ   الإسلامي، وسبب إنكارهم لهذا الوجه يعود إلى أنه ليس عاماً في كل القرآن الكريم،  وإنما هو خاص بالآيات التي فيها هذا الجانب، وإنما الإعجاز في كل القرآن الكريم [15]وقد ذكر العلوي في الطراز وجهاً آخر إضافة إلى ما سبق من وجوه إنكار هذا الوجه قائلاً: وأما ثانيا فلأن ما قالوه يكون أعظم عذراً للعرب  في عدم قدرتهم على معارضته، فكان من حقهم أن يقولوا: إنا متمكنون من معارضة القرآن، ولكنه اشتمل على ما لا يمكننا معرفته من الأمور الغيبية، فلما لم يقولوا ذلك دل على بطلان هذه المقالة[16].

هذا ما قاله المتقدمون غير أننا رأينا الأستاذ محمود شاكر رحمه الله ينحى منحىً آخر في تقرير رفضه لمثل هذا الجانب وجهاً من وجوه الإعجاز فيقول:" ولا مناص لمتكلم في إعجاز القرآن، من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلاً ظاهراً لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما: أولاهما:-  أن " إعجاز القرآن" كما يدل عليه لفظه وتاريخه،  هو دليل النبي صلى الله عليه وسلم على صدق نبوته، وعلى أنه رسول من الله يوحى إليه هذا القرآن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف إعجاز القرآن من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه العرب، وأن التحدي الذي تضمنته آيات التحدي، إنما هو بلفظ القرآن ونظمه وبيانه، لابشيء خارج عن ذلك. فما هو بتحد بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه  بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان.

ثانيهما:- أن إثبات  دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله، كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله تعالى، لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز، ولا أظن أن قائلاً يستطيع أن يقول: إن التوراة والإنجيل والزبور كتب معجزة بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن من أجل أنها كتب منزلة من عند الله". [17]وتابعه على مثل هذا القول الدكتور عبد الرءوف مخلوف وقال وهو يناقش الباقلاني في إثبات هذا الأمر وجهاً من وجوه الإعجاز:" والذي أراه أن كون الإنباء بالغيوب وجهاً في إعجاز القرآن مسألة مر بها كثير من العلماء والنقاد دون وقوف عندها، حتى لكأنها حقيقة مسلمة يثبت من جهتها للقرآن ذاته إعجاز، والتحقيق أن إخبار القرآن بالغيوب التي وقعت بعد نزوله يقوم دليلاً على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي بخبر السماء، وبالتالي يكون القرآن حجته على قومه في دعواه الرسالة، وأنه يبلغ عن الله تعالى حقا وصدقاً، لكن صدق الخبر في رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وقيام الحجة بالقرآن وبصدقه فيما ينبئ به على الرسالة لا يستلزم أن يكون القرآن معجزاً من الناحية الفنية، أعني البلاغة والفصاحة والنظم والتأليف، ومن ثم لا يكون الإنباء بالغيوب دليلاً نتمسك به، أو يقوم حجة حين نتحدث عن القرآن الكريم وإعجازه إذ للمعارض أن يقول: نحن نسلم بأن القرآن أخبر عن الغيوب المستقبلية وتحقق ما نبأ به، وذلك كله يدل على صدق الرسول، ولكن لا مانع والأمر على هذا من أن يكون أسلوبه وعبارته ونظمه وتأليفه مما يتمكن البشر من مثله، ولا يتمنع عليهم نظيره، ومجرد تضمن القرآن لأنباء المستقبل لا يستتبع فنيته، ويؤيد ذلك أن رسلاً من قبل نبينا عليه وعليهم السلام حدثوا أقوامهم بأمور مستقبلية وصدقت أحاديثهم وتحقق ما أخبروا به ولم يدع أحد منهم لكتابه الإعجاز، ولا تحدي به، ومن أمثلة ذلك ما حكى لنا  القرآن الكريم على لسان موسى عليه السلام حين قال لقومه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) الأعراف: 128، وصدق ما وعدوا به وحكى ذلك القرآن حين قال: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) الأعراف: 136 [18] وقد أشار ابن عاشور في تفسيره إلى هذا الرأي وعد القول بهذا الوجه من إعجاز القرآن الكريم في تفسيره، متابعة منه لمن عده كذلك من الأسلاف،  اعتدادا منه بأنه من دلائل كون القرآن منزلاً من عند الله تعالى. وإن كان ذلك ليس له مزيد تعلق بنظم القرآن ودلالة فصاحته وبلاغته على المعاني العليا، ولا هو كثير في القرآن [19]ولكنه قال في موضع سابق من التفسير ما نصه:" وقد عد كثير من العلماء من وجوه إعجاز القرآن ما يعد جهة رابعة هي ما انطوى عليه من الإخبار عن المغيبات مما دل على أنه منزل من علام الغيوب. وقد يدخل في هذه الجهة ما عده عياض في الشفاء وجها رابعا من وجوه إعجاز القرآن وهو ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أخبار أهل الكتاب. فهذا معجز للعرب الأميين خاصة وليس معجزا لأهل الكتاب، وخاص ثبوت إعجازه بأهل الإنصاف من الناظرين في نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله، وليس معجزا للمكابرين فقد قالوا: إنما يعلمه بشر.. ثم قال: وهو _ أي القرآن _ معجز من الجهة الرابعة لأهل عصر نزوله إعجازا تفصيليا. ومعجز لمن يجيء بعدهم ممن يبلغه ذلك بسبب تواتر نقل القرآن. وتعين صرف الآيات المشتملة على هذا الإخبار إلى ما أريد منها" [20]

هذه هي حجج من يرفض القول بهذا النوع من الإعجاز. والذي أراه أن القضية مبناها على ثنائية لا تصح: فإما أن يكون الإعجاز بيانياً أو غيره، ومبناها على الفصل بين الإعجاز البياني وسائر الوجوه الأخرى، وهنا مكمن الخطأ، فليس هناك تعارض بين الإعجاز البياني وسائر الوجوه المعتبرة، ويمكن القول بأن الإعجاز التاريخي أو الغيبي هو في ضمن الإعجاز البياني الذي من بيانه أخبار الغيب والتشريع وسائر الحكم والعلل الأخرى، فبيان القرآن مشتمل على الغيب وعلى غير الغيب  وما ذهب إليه محمود شاكر  وتابعه عليه غيره، مبناه على أن الإعجاز الغيبي كل منفصل عن الإعجاز البياني وهذا لا يصح.

وأما وجه الإعجاز في الإخبار بالغيب فهو ما ذكره القاضي عبد الجبار وغيره إذ قال ما حاصله : إن العادة لم تجر بإخبار مخبر عن أمور غيبية مستقبلية ستقع ويأتي وقوعها متطابقاً تماماً مع الخبر عنها، وفي كل تفاصيله، لا يتخلف من ذلك شيء، إن هذا هو الإعجاز، وهو أيضاً دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.[21]

قال الدكتور عبد الغني بركة:" ووجه دلالة الإخبار بالغيب على الإعجاز أن الإخبار بالغيب وتحقق هذه الغيوب كما أخبر بها تماماً ليس في طاقة الإنسان، لأن غاية ما يستطيعه العقل البشري في هذا هو أن ينقل عن غيره أو يقيس غائبا على شاهد، وكل ما كان بعيدا عن هذه الدائرة فهو مما لا يمكن لعقل الإنسان أن يناله بحال... ولما كان القرآن زاخرا بأخبار كثيرة عن الغيوب التي لا علم للرسول عليه السلام بها، ولا سبيل لمثله أن يعلمها بوسائله البشرية، دل ذلك دلالة بينة على أن هذا القرآن المشتمل على تلك الغيوب لا يعقل أن يكون نابعاً من نفس محمد عليه السلام، بل هو كلام علام الغيوب وبالتالي فإن البشر مهما حاولوا فهم عاجزون عن الإتيان  بمثله". [22]

وقد أشار النورسي إلى شيء حسن في هذا الباب قائلاً: " إن في القصص لعبرا ثم إني نظراً إلى أن (وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) الأنعام: 59، ومستنداً إلى أن التنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه، كذلك يعلمك بإشاراته ورموزه، لأفهم من إشارات أستاذية إعجاز القرآن الكريم في قصص الأنبياء ومعجزاتهم التشويق والتشجيع للبشر على التوسل للوصول إلى أشباهها. كأن القرآن بتلك القصص يضع إصبعه على الخطوط الأساسية ونظائر نتائج نهايات مساعي البشر للترقي في الاستقبال الذي يبنى على مؤسسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل. وكأن القرآن يمسح ظهر البشر بيد التشويق والتشجيع قائلاً له: اسع واجتهد في الوسائل التي توصلك إلى بعض تلك الخوارق ".[23]

وميزة هذا الوجه من وجوه الإعجاز أنه يملك روح البشر وعقله وقلبه، بحيث يتقرر في نفوسهم هيمنة القرآن القاطعة، وحجته الدامغة بما سطر من حقائق وكشف عنها، ولا شك أن القرآن الكريم بإيراده أخبار الغيب يكون قد حلق في آفاق النفس وأجواء العقل والقلب بجناحيه: جناح الغيب وجناح الشهادة، وهذان الجناحان هما السبيل الوحيد إلى استقرار الإنسان، وبسبب حضور عالم الغيب في نفسه تتوازن حياته في مختلف جوانبها، لذلك كان الإيمان بالغيب هو المنقذ الأعظم للإنسان من لوثات المادية وانحرافاتها، وانظر كم جنت البشرية على نفسها حين حكمت على الغيب في حياتها بالإعدام. وانظر كيف عجزت العلوم الإنسانية عن معالجة هموم الإنسان حين فقدت ركيزتها وهي الوحي والدين والغيب. فحضور الجانب الغيبي في العلم والمعرفة يضع حلولاً جذرية لتصورات الإنسان ومشاكله.[24]

وختاماً: فإن الإعجاز البياني وما نشأ عنه نتيجته أن هذا القرآن ليس من عند أحد سوى الله تعالى، وأنه لا يقدر على هذا إلا الله. والأخبار بالغيب تدل دلالة واضحة على أن القرآن الكريم ليس من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي من عند الله تعالى. وبناء عليه يتحد الإعجاز البياني والإعجاز الغيبي في الوصول إلى النتيجة نفسها . لأجل هذا حسن عد الأخبار بالغيوب وجهاً من وجوه الإعجاز. والله أعلم.

المبحث الثاني:- تحقيق معاني مفردات الآيات وبيان خلاصة معناها.

قال الله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ).الإسراء:4-6

هذا المبحث هو لب هذا البحث وقوامه، وحتى يتحقق للباحث تحقيق المطلوب منه فإنه لا بد له من الإجابة على كثير من الأسئلة التي لا بد منها حتى تنجلي الحقيقة التاريخية المستقبلية المراد إظهارها من هذه الآيات الكريمة وهذه الأسئلة هي على التوالي:

أولاً:- ما معنى قضينا إلى بني إسرائيل؟ ومن هم المعنيون بهذا القضاء؟

ثانياً: ما المراد بالكتاب في الآية الأولى؟

ثالثاً:- ما معنى إسناد اللام للفعل المضارع ( لتفسدن )؟ وما المراد بالأرض؟

رابعاً: ما معنى كون الإفساد مرتين؟

خامساً ":- ما المراد بالعلو الكبير؟

سادساً: ما المراد بأولاهما؟.

سابعاً:- من هم العباد المعنيون في الآية الأولى؟ ومن أين جاءهم البأس الشديد؟

ثامناً:- ما المراد بـ (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ)؟ وما هي الديار؟.

تاسعاً:- ما المراد بالوعد المفعول؟.

عاشراً: ما معنى الكرّة؟ وكيف ردت لبني إسرائيل؟ وأين كانت؟

حادي عشر:- ما المراد بقوله تعالى ( وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً).

ثاني عشر: ما المراد ب ـ (وَعْدُ الآخِرَةِ ).

ثالث عشر:- ما المراد بـ (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) وما معنى دخول اللام على الفعل؟ وما المراد بضمير الفاعل؟.

رابع عشر: ما المراد بالمسجد؟ ومتى دخله المشار إليهم؟.

خامس عشر: ما المراد بـ(وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً)؟.

يعتقد الباحث أن الإجابة عن هذه الأسئلة جميعها تبرز بشكل لا خفاء فيه  المطلوب الوصول إليه، وتهيئ له الطريق.

 وإلى الإجابات التي نسأل الله تعالى أن يفتح بها علينا وعلى جميع المسلمين.

السؤال الأول:- القضاء إلى بني إسرائيل ما معناه.

نقل صاحب اللسان عن الزهري أنه قال: القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء[25] وتمامه، وكل ما أحكم عمله، أو أتم، أو ختم، أو أدّي أداء، أو أوجب، أو أعلم، أو أنفذ، أو أمضي، فقد قضي [26]

وقال الراغب: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ... ) فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحياً جزماً [27] فكلامه رحمه الله تعالى معناه أن الله تعالى أوحى إلى بني إسرائيل في الكتاب وأعلمهم بأنهم سيفعلون كذا وكذا. وهذا والله أعلم هو الوجه في تفسير هذه اللفظة في هذا الموضع من القرآن الكريم،  فإن تعدية الفعل ( قضى )  بإلى مفضية إلى الإيصال والإبلاغ، وهذا هو المعنى المناسب والله أعلم.

وأما المعنيون بهذا الإعلام  فهم بنو إسرائيل، وقد ذهبت جمهرة من المفسرين إلى أن المراد بهم بنو إسرائيل في زمان موسى عليه السلام ومن يأتي بعدهم، بناء على أن المراد بالكتاب في هذه الآية هو اللوح المحفوظ أو التوراة، وسيأتي بعد قليل ما في هذا التفسير من المؤاخذات، والذي يظهر لي أن هذا التفسير ليس صحيحاً، ولا ينبغي له أن يكون، لأن هذه الآيات لا تتحدث عن تاريخ بني إسرائيل القديم،إذ لا يتعلق به غرض للسامعين في ذلك الوقت، وماذا عسى أن يستفيد المسلمون في زمان النبوة من هذه المعلومة إذا كانت محض تاريخ لا علاقة لهم به، وسيأتي بيان هذا، وقد جوز الشوكاني هذا القول على ضعف.

السؤال الثاني:- ما المراد بالكتاب المشار إليه في هذه الآية الكريمة.

ذهب عدد كبير من  علماء التفسير قديماً وحديثاً في تفسير هذه الكلمة إلى أن المراد بها التوراة،  وممن ذهب هذا المذهب الإمام الطبري، [28] وابن كثير، [29] وأبو حيان،[30] والشوكاني،[31] وابن الجوزي، [32] والبيضاوي، [33] والنسفي،[34] والبرسوي،[35] وابن عجيبة، [36] وطنطاوي[37]. هذه بعض أقوال القائلين بهذا القول وهذه مظانها.

ولم يذكر واحد من هؤلاء أي دليل يستند إليه في أن المراد هو هذا، وذهب فريق آخر من المفسرين إلى أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. فإما كان هذا الرأي مباشرة أو يذكرونه عقب القول الأول المشار إليه أعلاه، على أنه من محتملات التفسير، وممن ذهب إلى هذا أو تجويز كونه اللوح المحفوظ : القرطبي، [38] والبغوي، [39] وجوزه الشوكاني،[40] والألوسي على وجه[41].

وهذان الوجهان هما أشهر وجوه القول في هذه اللفظة في هذا المحل، وإن كان بعض المفسرين ذهب إلى أن المراد بالكتاب جنس الكتاب [42] بمعنى أنه غير محدد، وهذا رأي لا حاجة لنا بالتوقف عنده إذ ذكره كثير ممن ذكرنا أقوالهم في الرأي الأول على أنه مما جوزوه في آخر محتملات التفسير، مما يعني ضعفه.

ومع هذا وذاك فأصحاب القول الثاني أيضاً لم يذكروا دليلاً واحداً يستندون إليه في أن المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ أو جنس الكتب، والذي يظهر لي أن سبب القول بهذا أو ذاك هو فهم الآيات الكريمة على أنها تحكي تاريخاً ماضياً من تاريخ بني إسرائيل. وليست تحكي تاريخاً مستقبلياً، ولذلك ذكروا هذين القولين، إذ المقام بناء على هذا التفسير لا يسمح بغير هذا. والذي أميل إليه بناءً على ما تقدم في المقدمات التي حكيت فيها موضوع السورة ومحورها. أن هذه الآيات ابتداءً لا تحكي تاريخ بني إسرائيل الماضي. إذ لا ينبني على ذكر هذا التاريخ أي موعظة أو فائدة جديدة تضاف إلى مجموع ما أخبر الله تعالى عنه من فساد بني إسرائيل وعبثهم، وأية حكمة في أن يذكر هذا التاريخ بالذات في السورة التي خصت نبينا عليه وآله الصلاة والسلام بمعجزة الإسراء، والذي أرجحه أن المراد بالكتاب هنا هو القرآن الكريم الذي بين أيدينا، وإن لم أر أحداً ذكر هذا القول مرجحا إياه. لكنني أرجحه لأن سياق الآيات أولا يرجحه لأنه مما يتحدث عن علاقة بني إسرائيل مع أمة الإسلام، وليس مع الأمم الماضية. هذا أولاً وأما ثانياً فإن لفظه ( الكتاب ) مجردة من القيود كما هي هنا لم ترد في كتاب الله تعالى إلا وصفا للقرآن الكريم. وهي عادته، فلماذا تتحول هذه العادة في هذا المكان بالذات وأي معنى يوجبه ذكر ( الكتاب ) بالإظهار دون الإضمار إذا كان المراد به التوراة، وقد سبق ذكره في آية ماضية فلماذا لم يقل ( وقضينا إلى بني إسرائيل فيه ) على اعتبار أنه مذكور سابقاً؟ وأي معنى لتخصيص المراد باللوح المحفوظ والتنصيص عليه هنا، مع أن هذا الإفساد وغيره من أحوال الأمم فرادى وجماعات كله مسطور في اللوح المحفوظ؟

على أنني أميل إلى أن جملة ( وقضينا ) هي جملة استئنافية، مراد بها توجيه النظر إلى ما سيحدث من بني إسرائيل مع أمة الإسلام، فهي خبر جديد ليس كالأخبار السابقة والله أعلم.

السؤال الثالث:- في بيان اللام الداخلة على الفعل المضارع ( لتفسدن ) وفي معنى الأرض.

أما هذه اللام فهي لام القسم وتقدير الكلام والله لتفسدن، وهذا القسم مؤكد لمتعلق القضاء[43] وإذا كانت اللام للقسم كما ذهب إلى هذا جميع المفسرين الذين مررنا ببعض أقوالهم سابقا، وكان المحكي عنه تاريخا ماضيا من تاريخ بني إسرائيل وقد تحقق، فإن وعد الله لا يتخلف، فعلام القسم على شيء قد حدث وانتهى، وعلمه الناس، فلأي معنى يخبر الله تعالى عنه في هذا الكتاب الذي هو آخر الكتب، على أنه سيكون، وقد كان بالفعل؟ كل هذا يستدعي إعادة النظر في التفسير السابق لهذه الآيات الكريمة.

وأما المراد بالأرض فقد اختلف المفسرون في تعيين المراد منها فمن ذاهب إلى أنها أرض مصر، ومنهم من ذهب إلى أنها أرض الشام وبيت المقدس، ومنهم من جعل الأرض عامة مطلقة، أو هي بيت المقدس[44].

والذي يظهر لي أن اللفظة عامة، وليس هناك ما يخصصها فالأولى حملها على ما هي عليه من العموم والإطلاق فيكون المراد أن  إفساد هؤلاء قد ملأ الأرض، ولا تكاد توجد دولة من دول العالم إلا وقد دهمهم من فساد اليهود ما دهمهم والله المستعان.

السؤال الرابع: - ما معنى كون الإفساد مرتين.

 ذهب جمهور المفسرين المتقدمين منهم والمتأخرين إلى أن هاتين الإفسادتين قد وقعتا من تاريخ بني إسرائيل المتقدم قبل الإسلام، واختلفوا في تعيين هاتين المرتين اختلافاً لا يحمل على الجزم بأي شيء مما ذكروه؛ لأنه لا دليل عليه. فمن المفسرين من جعل المرتين في قتل نبي في كل مرة، ويجعلون هذا في خصوص قتل زكريا عليه السلام أولا وقتل يحيى عليه السلام  ثانياً، وهذا الرأي ذكره الطبري وعزاه لجمهور المفسرين[45] ومنهم من لم يحدد فعلاً بعينه، ولا مقصوداً برأسه، وإنما ذهب إلى أن هذا جزء من فسادهم الماضي. وينقل أغلب هؤلاء المفسرين تلك الأقوال عن الطبري[46] وقد ذهب سيد قطب إلى أن هاتين المرتين سلسلة من سلاسل الفساد المستمر عندهم، من تاريخهم الأول إلى يومنا الحاضر[47].

وبعد أن كتبت ما كتبت وقع في يدي كتاب المرحوم الشيخ سعيد حوا الأساس في التفسير فإذا هو يجوز ما قطعت به ورجحته من أن المراد بالكتاب القرآن، وأن الإفسادتين هما ما حصل من اليهود بعد البعثة إلى اليوم الحاضر لكنه جوز هذا الوجه، ولم يرجحه، ولكنه أشار إلى أن الرأي الذي ذكره أولا متساوق مع رأي الجمهور، والذي قدمه أخيراً بسبب أنه لم يجد في التاريخ قوماً بأعيانهم قد سلطوا على اليهود مرتين في حال اجتماع العلو والفساد [48]وهو رأي وجيه لو تابعه المؤلف ورجحه. لكن الكمال لله وحده، وهذا هو رأيه في الوجه الثاني: قال ويمكن أن نفهم المسألة فهماً آخر بأن نعتبر الإفسادة الأولى هي محاولاتهم الوقوف في وجه الدعوة الإسلامية، وتسليط الله تعالى المسلمين عليهم وعلى ديارهم حول المدينة. والإفسادة الثانية هي الإفسادة الحالية، ويكون المسلمون الذين غلبوهم أول مرة هم الذين سيغلبونهم المرة الثانية[49] إذ اجتمع لهم العبودية لله، والبأس الشديد. فيكون معنى الآيات (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ) أي في القرآن (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ) أي لتطغنّ طغياناً كبيراً (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) أي الإفسادة الأولى (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا) هم الصحابة (أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ) أي سيطروا عليها سيطرة تامة (وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً) بعد مئات السنيين (رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) على المسلمين بأن جعلنا لكم الغلبة عليهم (وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) كما هو الآن فهم أغنياء ويستطيعون استنفار العالم ضدنا (إِنْ أَحْسَنتُمْ) بالدخول في الإسلام ومتابعة محمد صلى الله عليه وسلم (أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ) برفض الإسلام (فَلَهَا ) فنفع أعمالكم عائد إليكم (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) أي فإذا جاء وعد الإفسادة الآخرة ليسوء المسلمون وجوهكم (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ) أي الأقصى مستردينه منكم (كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) كما أخذوه الأخذة الأولى يوم فتح القدس عمر (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً) وليهلكوا في علوهم إهلاكا (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) بأن يجعلكم مسلمين (وَإِنْ عُدْتُمْ) إلى الإفساد في الأرض (عُدْنَا) إلى التسليط عليكم كما سيفعل الله تعالى يوم يأتون مع جند الدجال (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ) أي سجنا. وفي هذا ما يقوي هذا الاتجاه في الفهم؛ لأن الآية تشير إلى أنهم كافرون، ولا نحكم بكفرهم إلا بعد رفضهم رسالة المسيح عليه السلام، ثم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فالإفسادتان متأخرتان على بعثة المسيح. وهذا الاتجاه يقوي أن تركيب (عِبَاداً لَنَا) يشعر بأنهم مسلمون فهم العباد الحقيقيون لله (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) تشعر بأنهم المسلمون، فهم أصحاب المسجد، وهم وإن لم يأخذوه من اليهود مباشرة فقد أخذوه ودخلوه المرة الأولى فاتحين[50].

وقد قوى الشيخ هذا التفسير بما نقله عن التوراة حيث قال: نجد في الإصحاح التاسع والعشرين وهو أحد الإصحاحات الثلاثة التي تحدثت عن العقاب الذي هدد الله به بني إسرائيل إذا انحرفوا نجد هذه العبارة: (واستأصلهم الرب من أرضهم بغضب وسخط وغيظ عظيم. وألقاهم إلى أرض أخرى كما في هذا اليوم..) وهذه النسخة بعد السبي البابلي... وجاء في السفر الثامن والعشرين: (يجلب الرب عليك أمة من بعيد من أقصاء الأرض كما يطير النسر. أمة لا تفهم لسانها أمة جافية الوجه، لا تهاب الشيخ ولا تحن الى الولد ) فهذا يشبه قوله تعالى (عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)!!...[51].

وأنا أرى أن هذا الاستشهاد بالتوراة باطل، وليس بين الآيات وما ذكر أدنى صلة فهل العباد الموصوفون في القرآن هم من جفاة الوجوه عديمي الرحمة؟! إن هذا مما اخطأ فيه الشيخ، ومن قبله ابن عاشور رحمة الله عليهما وعلى أموات المسلمين أجمعين، وبرغم وضوح هذا التفسير من الشيخ، إلا أن فيه أشياء غير مرضية سيأتي التنبيه عليها، لكن لا على خصوصها، عنده بل وعند غيره كذلك.

قلت: والمتأمل في سياق الآيات على وفق ما بيناه يقطع بأن المراد بالمرتين مرتان تخصان الأمة الإسلامية الخاتمة، وإلا فما معنى التنصيص على اثنين، وقد أفسد بنو إسرائيل عشرات المرات. أوليس قتل الأنبياء من أعظم الجرائم بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتله نبي أو قتل نبيا ) [52]

وقد قتل بنو إسرائيل عدة أنبياء لله تعالى كما هو منصوص عليه في القرآن الكريم من مثل قوله (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) البقرة:61، وغيرها.

وقد حاول اليهود جاهدين قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وتآمروا على ذلك، وكان هذا أعظم الفساد منهم. وقد أعقب هذا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجهم من جزيرة العرب، فأخرجهم الصحابة رضي الله عنهم في زمان عمر رضي الله عنه. وهذه هي الإفسادة الأولى بلا ريب. والإفسادة الثانية هي ما حصل في فلسطين في سنة 1948 م  إلى اليوم بعد أن ضعفت شوكت المسلمين، وتقهقروا عن عقيدتهم ودينهم، فسلط الله عليهم تأديبا لهم هذه الشراذم من اليهود يسومونهم سوء العذاب، وماذا يلاقي أهلنا في فلسطين، وماذا يلاقي المسلمون في سائر الأرض من هؤلاء المتسلطين؟ إن الجواب على هذا السؤال لا يخفى على ذي عينين، فمعايشة الناس لهذه الأحداث وتألمهم بها أكبر شاهد على ما نقول والله المستعان.

السؤال الخامس: ما المراد بالعلو الكبير؟

لنعلم أن الله تعالى لم يصف بني إسرائيل بهذا الوصف إلا في هذا المكان الذي ذكر فيه طرفا مما سيجري لهم مع أمة الإسلام. وإن في وصف الله تعالى لأحوالهم بهذا الوصف لمن أكبر الأدلة على إعجاز القرآن، إذ إن بني إسرائيل لم تكن لهم هذه الأحوال إلا في فلسطين، بعد أن استولوا عليها من المسلمين بمساعدة أعداء الله تعالى في الأرض. وهل يستطيع أحد أن ينكر هذا العلو الكبير، الذي بموجبه يتدخلون في أحوال أمم الأرض جميعا، ويحاولون أن يجعلوا كل شيء يجري على مرادهم. لئن لم يكن هذا هو العلو، فما أدري ما هو؟ ولا أظن أن غيري يدري به!

السؤال السادس:المراد بأولاهما 

قد تبين فيما سبق أن المفسرين أجمعين على أن المراد بهذه اللفظة هو أولى الإفسادتين المقررتين في قوله تعالى (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) ولم يخالف في هذا أحد فيما أعلم ممن نقلنا آراءهم في ثنايا هذا البحث في الصفحات المشار إليها في الهوامش.

السؤال السابع: من هم العباد المعنيون؟ ومن أين جاءهم البأس الشديد؟

تفسير هذه اللفظة يختلف باختلاف الأقوال، وليست لنا عبرة بمن جعل تفسير الآيات إخبارا عن الأمم الماضية قبل الإسلام؛ لأن هذا لا دليل عليه أولا، ولأنه لا يتحقق به غرض لأمة الإسلام، ولأن المشار إليهم كما ذكر المفسرون لم يعرفوا بتدينهم بدين حق، فكيف ساغ أن يوصفوا بـ (عِبَاداً لَنَا) بهذه العبودية وهذا التكريم، ولأن الله تعالى إذا عاقب الظالم بظالم أشد فلا يعني أن هذا الظالم من عباد الله المقربين، إنما هذا الشيء من قدر الله تعالى في تأديب الظالمين المفسدين.

وبناء على هذا فإن الذي نميل إليه وفق ما قررنا في فهم الآيات وسياقها أن هؤلاء المبعوثين هم من شرفهم الله تعالى بالعبادة والطاعة، ونسبهم إليه تعالى، ولم يعرف في تاريخ الإسلام من هم أحرياء بهذا الوصف أكثر من الصحابة الذين (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة:22، وأما البأس الشديد فإنما جاءهم من تمسكهم بهذا الدين ودفاعهم عنه، إذ حولهم الإسلام إلى إبطال أشاوس بعد أن تلاعبت بهم الأهواء. وحسبنا في بيان ذلك ما قال الله تعالى عنهم (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) الفتح:29، فهذه الشدة وهذا البأس هو من صنائع الإسلام فيهم. وهم أحرى الناس وأولاهم بمعرفة طبائع اليهود لا سيما وقد نزل فيهم القرآن صارخا يناديهم قائلا (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) المائدة:82،أفترى من ينزل عليهم القرآن بمثل هذا الكلام كيف يكون تعاملهم مع هؤلاء الأعداء؟

السؤال الثامن: المراد بـ (جاسوا خلال الديار)

 إن تعريف الديار يقتضي أنها ديار مألوفة ومعروفة للعباد. وقد كانت مسرحا لليهود قبل أن يخرجهم العباد منها وما هذا إلا في جزيرة العرب، المدينة وما حولها، وهذا الذي كان، فقد كان من آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما ) [53].

وهكذا كان، والمتأمل للمعارك التي كانت بين المسلمين واليهود في المدينة وما حولها، يعرف معنى جاسوا خلال الديار. فلقد تغلغل المسلمون وسط ديار اليهود ومنازلهم وساموا وجوههم الخزي والعار بحمد الله تعالى.

وفي مفردات الراغب: (جاسوا خلال الديار ) توسطوها وترددوا بينها[54].

السؤال التاسع: ما معنى الوعد المفعول.

الوعد المفعول: أي محتم الفعل، [55]أو بمعنى لا يتخلف [56]، وهذا معناه أن ما أخبر الله تعالى به من إفساد بني إسرائيل وتسليط العباد عليهم وعد محتوم لا يتخلف فهو من علمه سبحانه الذي لا تخفى عليه خافية.

السؤال العاشر: في معنى الكرة وكيفية ردها لبني إسرائيل وأين كانت؟

ذهب جمهور المفسرين إلى أن معنى الكرة هو الدولة والغلبة[57]، والمقصود من الدولة في كتب التفسير المرة من التداول، ومعناها صيرورة الغلبة من المسلمين إليهم. ولا أرى أن هذا المعنى هو المراد هنا، بل المراد الدولة بما نفهمه نحن من الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي لمجموعة من الناس تحت نظام واحد، وليس المقصود صيرورة بني إسرائيل من حال المغلوبية إلى حال الغلبة. إذ الأشياء التي ذكرها الله تعالى فيما بعد، لا تناسب هذا المعنى ولا ترجحه كما سنعلم بعد قليل، وهذه الحالة لم تحدث لبني إسرائيل منذ جاء الإسلام إلا في فلسطين، وإلا فإن لبني إسرائيل دولا عديدة في تاريخهم قبل الإسلام، وليس هذا هو المقصود كما بيناه، فلم يعرف تاريخ الإسلام والمسلمين دولة لبني إسرائيل إلا في فلسطين. وهو ما نراه ماثلا أمام أعيننا اليوم. {هل تدل كلمة كرة على دولة بالمعنى الذي ذهبتَ إليه؟}

ولقد كانت الدولة للخلافة الاسلامية قرونا عدة بالمعنى المفهوم المعاصر للدولة ذات السيادة، حتى ترك المسلمون دينهم وتنكبوا الصراط المستقيم،عند هذا نزع الله تعالى منهم هذه الدولة وأعادها إلى بني إسرائيل، وفي تعريف (الكرة) مايشعر بأنها كرة معلومة معهودة وليست مجرد انتصار.

 السؤال الحادي عشر:المعنى المراد من (وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً)

تتحدث هذه الآية عما سيؤول إليه حال بني إسرائيل مع رد الكرة إليهم، وفيها أن الله تعالى سيمد اليهود بالأموال الطائلة. أوليس هذا حاصلا فعلا وأن ميزانية الدولة العبرية بفلسطين ربما جاوزت ميزانية مجموعة دول عربية بأكملها، مع قلة عدد سكانها قياساً بسكان البلدان العربية.

أليس هذا هو التحقيق الحقيقي لمعنى هذه الآية. وتتحدث الآية أن الله تعالى سيمدهم بالبنين، وليس المراد بالبنين مجرد الأبناء المنسوبين لآبائهم، وإنما المراد كذلك من يقوم مقام الأبناء في الخدمة. أوليس العالم اليوم كله في خدمة دولة اليهود، أليس هذا هو تحقيق معنى هذه الآية الكريمة، ثم تتحدث الآية عن أن الله تعالى سيجعل اليهود أكثر نفيرا، بمعنى أنهم سيكونون أكثر الناس نفيراً وضجيجاً وجلبة، أوليس هذا حاصلا اليوم، ألم تروا أنه إذا مات يهودي على أيدي المجاهدين في فلسطين أقام اليهود الدنيا ولم يقعدوها لأجل هذا. وما حصل في مشكلة أسر الجندي اليهودي قبل مدة يؤكد هذا المعنى تمام التأكيد. وينظر إلى إعلام الدولة اليهودية ماذا يصنع في العالم.

 وإذا تأملنا هذه الأشياء وهي المال،- المؤيدين والمؤازرين - الإعلام لم نجدها قد توفرت لليهود إلا في دولتهم في فلسطين، قال الشيخ عبد المعز عبد الستار: أمدهم الله تعالى بعد هذه المدة الطويلة بثلاث ما أمدّوا بمثلها في تاريخهم:

  1. بأموال تتدفق عليهم من أقطار الأرض على ما أرادوا من صعبه أو سهله.

  2. بنين مهاجرين ومقاتلين ينتخبون لحماسهم وصلاحيتهم لبناء دولتهم

  3. وجعلناكم أكثر نفيرا: ولم تكن اليهود في يوم ما أكثر نفيرا وناصرا منهم اليوم، ولم يتمتع اليهود في تاريخهم، ولا أمة في الأرض غيرهم، بمثل ما يتمتعون به من كثرة الناصر والنافر لنجدتهم، إذا غضبوا غضبت لهم أمريكا وانجلترا وفرنسا وأمم الغرب جميعاً، وإن دعوا أجابهم الظالمون وتنادوا لنصرتهم، لقد اتفق المشرق والمغرب – ولم يتفق يوماً – على إنشاء إسرائيل وتقسيم فلسطين، وسكتوا -ولم يسكتوا يوماً- على مأساة اللاجئين والمنكوبين والمتشردين [58]

ولو أننا قرأنا ما كتبه ستيفن وولت وجون ميرشايمر الأستاذان البارعان في العلوم السياسية حول اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية لوجدنا عجباً. إذ يقرر الكاتبان بكل صراحة ووضوح وبالأرقام حقائق حول تغلغل اللوبي داخل أجهزة الدولة الأمريكية لتصبح هذه الدولة كما يريدها اليهود تماماً [59]

إن قراءة التاريخ والواقع كلاهما يشهد بهذا ويعززه، وما بقي إلا الاعتقاد بقرب هذا التفسير من الحقيقة التي نعايشها، حتى نتمكن من العمل سوياً للخروج من مأزق قادم.

السؤال الثاني عشر: ما المراد بوعد الآخرة.

         أطبق من نقلنا أقوالهم في المواضع المشار إليها سابقاً أن المراد بوعد الآخرة أي موعد الإفسادة الثانية[60] وهذا التفسير يقطع الطريق على جماعة من المخذلين الذين رأوا أن وعد الآخرة هو وعد يوم القيامة، مما يترتب عليه بقاء اليهود في فلسطين إلى قرب قيام الساعة الحقيقي، وهذا أيضاً معناه تقاعس الناس عن الجهاد لأنهم يرون هذا قدراً مقضياً وحتماً لازماً لن يزول. والجهاد لن يجدي شيئاً أمام قضاء الله تعالى وقدره[61] مع أن هناك أحاديث صحيحة وصريحة مؤداها أن الخلافة الإسلامية ستكون في القدس، فأي معنى لهذه البشارة إذا بقي اليهود على صدورنا إلى قيام الساعة[62]

السؤال الثالث عشر: ما معنى ( ليسوءوا وجوهكم ) وما معنى دخول اللام على الفعل؟وإلام يعود ضمير الفاعل؟

كانت وجوه اليهود بعد أن دالت لهم الغلبة، وظهرت فيهم القوة والمنعة، وجوهاً يعلوها البشر والفرح، وهذا حال الغالبين في كل زمان، وما أن يجيء الوقت الموعود – وما نراه إلا قريبا بإذن الله – حتى يرتكس حالهم وتصبح وجوههم مخزية مرذولة، وإنما عبر عن هذه القضية بالوجوه ؛ لأن الوجه أعز ما في الإنسان ، فإذا أهين ما هو أعز ظهرت المساءة على الباقي[63] وهذا المعنى يفضي إلى أن اليهود سيتلقون الهزيمة بقسوة بالغة، تبدو آثارها على وجوههم. جعل الله ذلك قريباً.

         وهذه اللام لام القسم وهي داخلة على الفعل نظير قوله تعالى (لَتُفْسِدُنَّ ) فالمؤكد هناك مؤكد هنا، والمقرر هناك مقرر هنا، وهذا وعد الله تعالى الذي لا يتخلف. {لام القسم لا تكون مكسورة أبدا، ولا ينتصب بعدها الفعل المضارع}

         وأما الواو في (لِيَسُوءُوا ) فهي ضمير الفاعل الذي سيحقق الله تعالى المساءة لوجوه بني إسرائيل على يديه. وهذا الضمير عائد بلا شك على الفاعلين الأولين المقرر الحديث عنهم في قوله تعالى (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا)؛ لأن الضمير لا بد أن يكون له مرجع وليس له من مرجع في هذه الآية إلا ما تقدم، وبهذا يبطل قول من يقول بأن الأولين غير الآخرين، ويقرر هذا في أمم قد مضت من التاريخ، وبناءً على هذا فإن الذين سيحطمون الحلم اليهودي هم عباد الله المؤمنون الذين بعث الله تعالى أجدادهم على اليهود فقهروهم وأخرجوهم من جزيرة العرب، وليسوا سوى الفئة المؤمنة المصدقة بوحدانية الله تعالى وبرسالة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة المباركة. والله أعلم.

السؤال الرابع عشر: ما المراد بالمسجد؟

 هو المسجد الأقصى بلا ريب، ولا أعلم لهذا مخالفاً من المفسرين ولا غيرهم، وقد دخله المسلمون أول مرة فاتحين منتصرين أيام الخليفة عمر بن الخطاب لما تسلم المفاتيح من كبير النصارى في ذلك الوقت.

وقد يقال ما علاقة اليهود بهذا؟ الجواب لا علاقة لهم بهذه الجزئية؛ لأن الله تعالى وعد المسلمين أن يدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، فالتشبيه لهيئة الدخول ولا علاقة له بالمدخول عليهم، والمعنى أن المسلمين سيدخلون المسجد الأقصى فاتحين كما دخلوه أول مرة فاتحين. {القرآن يتحدث عن بني إسرائيل وليس عن اليهود، وكثير من النصارى من بني إسرائيل}

السؤال الخامس عشر: ما معنى يتبروا؟.

التتبير: هو التكسير والإذهاب كما في اللسان ( تبر )، وهذا اللفظ يدل على التدمير المادي الذي سيحصل لما بناه اليهود متفاخرين به، يظهرون باطلهم وما كانوا يعتقدون أنه حصون يمتنعون بها. ولكن الله سيجعل هذه الحصون مما تساءُ به وجوههم، يوم يرونها تحطم بفؤوس المؤمنين وسواعدهم. ولا يملك لها اليهود شيئاً، إنها سنة الله تعالى في التداول. نعم سيحطم المسلمون ما بناه اليهود تحطيماً ويزيلوه؛ لأنه بنيان خبيث، وسيقوم المسلمون ببنائه على تقوى الله تعالى، وعلى هدي من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي هذه اللفظة ما يفيد أن كل معلم مهما كان صغيراً ويدل على اليهود سيزول بأيدي السواعد المؤمنة. ستطهر فلسطين من كل ما له علاقة باليهود بإذن الله، وهذا التحطيم المادي ليس للعمران وحده، وإنما لكل الأتباع والأذناب الذين تملكوا في هذه الدنيا بسبب مهادنتهم لليهود وانطوائهم تحت سياستهم، سيكون مآلهم التحطيم بأمر الله؛ لأن اللفظ عام يسع ما أعلاه اليهود وبنوه، بدءاً من العمران وانتهاء بالنفوس. والله أعلم.

وهكذا بحول الله تعالى يظهر التفسير الواضح لهذه الآيات، وأن جزءاً مهما يعني زماننا الذي نعيش فيه مما يفتح لنا باب الأمل في مقارعة الباطل، وأن جولة الحق قادمة، وصولة الباطل زائلة لا محالة، قريباً بإذن الله تعالى.

وبعد فإن هذا التفسير لم يكن وليد أفكاري وحدي، ولكن سبق إلى القول بخلاصة ما تقدم وببعض التفاصيل من الذين اطلعت على كتبهم اثنان: أولهما ولعله أول من قال بهذا القول على الإطلاق من المعاصرين إذ نشر مقالة بمجلة الأزهر عدد 28 ص 689 نقلها الدكتور الطنطاوي في كتابه عن بني إسرائيل، ورد عليها، والثاني: هو الأستاذ الدكتور فضل عباس في كتابه المنهاج نفحات من الإسراء والمعراج.

ولعل كثيرا من المعاصرين يقول بهذا، ممن لم أطلع على آرائهم ؛ لأنه – هذا التفسير- يلامس الواقع ملامسة حقيقية.

وإذا كان غيري قد قال بهذا فما الجديد؟ الجديد هو أني سأربط هذا بوضوح ببحث الإعجاز، وأنني قد جمعت أطراف الأمر من جميع جوانبه التي أدركتها، وكان حديث الآخرين غير مفصل، ولكل وجهه. والله أعلم.

المبحث الثالث: تحقيق وجه الإعجاز مما مضى

قد بان عندي بما لا مجال للشك فيه أن هذه الآية معجزة تاريخية غيبية، إذ لم يتحقق ما ورد فيها على النحو المذكور سوى ما نشاهده الآن، وما ذهب إليه المفسرون الأقدمون كله لا يحقق تفسير هذه الآيات فيما أعتقد. فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم على دراية بهذا التاريخ الغيبي لليهود. لا شك بأن هذا من أدل الأدلة على صدق الرسالة، ولكن وجه الإعجاز القرآني فيما اعتقد كامن في نظر القرآن في ذلك الوقت الذي نزل فيه إلى تلك الفئة القليلة من اليهود الذين كانوا في الحقيقة لا يعدون شيئاً أمام سيل المجتمع العربي في ذلك الوقت، لقد كانوا في شبه انفراد عن المجتمع وقضاياه، فهي إذاً طائفة تكاد تدفن في مطاوي التاريخ، فأن يأتي القرآن فينفض عنها الغبار، ويعلن أن التاريخ القادم ستديره هذه الفئة المرذولة من الناس حسب أهوائها وشهواتها، إن هذا لعمر الحق هو الإعجاز، لا سيما إذا تأملنا ما ذكره الأستاذ عادل زعيتر الذي ترجم  كتاب غوستاف لوبون المؤرخ المشهور إلى العربية يقول الأستاذ فيما وصل إليه لوبون عن اليهود: " انتهى – أي الدكتور غوستاف لوبون – إلى أنه لم يكن للقوم فنون ولا علوم ولا صناعة ولا أي شيء تقوم به حضارة، وهم لم يأتوا بأية مساعدة مهما صغرت في شيد المعارف البشرية، وأنهم لم يجاوزوا قط مرحلة الأمم شبه المتوحشة التي ليس لها تاريخ..) ويقول أيضا: انتهى إلى أن تاريخهم الكئيب لم يكن قصة لضروب المنكرات،  فمن حديث الأسارى الذين كانوا ينشرون بالمنشار احياء.. أو الذين كانوا يشوون في الأفران.. فإلى سكان المدن الذين كانوا يذبحون من غير تفريق بين الرجال والنساء والشياب والولدان... انتهى إلى أن تأثير القوم في الحضارة صفر... وأنهم لم يستحقوا بأي وجه أن يعدوا من الأمم المتمدنة... انتهى إلى أن القوم قد ظلوا في عهد ملكهم، بدويين أفاقين مغيرين سفاكين مندفعين في الخصام الوحشي، فإذا ما بلغ الجهد منهم ركنوا الى خيال رخيص، تائهة أبصارهم في الفضاء، كسالى خالين من الفكر كأنعامهم التي يحرسونها...انتهى إلي أن (فلسطين)أرض الميعاد لم تكن غير بيئة مختلقة لهم، فالبادية كانت وطنهم الحقيقي...انتهى إلى أنك لا تجد شعبا عطّل من الذوق الفني كما عطل القوم... انتهى إلى أن لا أثر للرحمة في وحشية القوم، فكان الذبح المنظم يعقب كل فتح مهما قل، وكان الأهالي الأصليون يوقفون فيحكم عليهم بالقتل دفعة واحدة، فيبادون باسم (يهوه)من غير نظر إلى الجنس ولا إلى السن، وكان التحريق والسلب يلازمان سفك الدماء[64] {أتنكر ملك داود عليه الصلاة والسلام وما أعطاه الله وعلّمه؟ أتنكر ملك سليمان عليه الصلاة والسلام وما سخر الله له؟ اتق الله يا أخي}

إذن كان هذا الشعب منبوذا غير مرغوب فيه، مطوي في بطون التاريخ فأن يلتفت القرآن إلى هذه الطائفة من بين طوائف الأرض، ويخبر عما سيحصل منها، وهي في تلك الحالة، ويتحقق كل الذي أخبر به القرآن فهذا لعمر الحق هو الإعجاز .

المبحث الرابع: وقفه مع الدكتور محمد سيد طنطاوي

كتب الدكتور في الستينات من القرن الماضي كتابا بعنوان (بنو إسرائيل في القرآن) وهو رسالته للدكتوراه وطبع الطبعة الأولى سنة 1969م، وفي وسط الجزء الثاني ناقش الدكتور مقالة كتبها الشيخ عبد المعز عبد الستار ونشرها في مجلة الأزهر. وخلاصة تلك المقالة: هو أن صاحبها يرى ما يراه بعض المعاصرين اليوم من تفسير لهذه الآيات والتي بمقتضاها تبين أن الفساد المقصود في هذه الآيات والمعزو إلى بني إسرائيل،إنما هو فساد يحدث منهم بعد الرسالة المحمدية، وليس قبلها. وأن الأخيرة منهما هي ما نراه اليوم بأعيننا. فلنتأمل أولا مقدار ما أوتيه ذلك الرجل من ذهن ثاقب وهو يتكلم هذا الكلام، ويكون تصديقه اليوم كأنه مفصّل على واقع معين يرى بالعين المجردة. وقد رفض الدكتور الطنطاوي هذا الرأي وجنح إلى ترجيح ما ذهب إليه جمهور المفسرين _ على خلاف بينهم _ من أن هاتين الإفسادتين كانتا من تاريخ بني إسرائيل الماضي قبل الإسلام. وقد أخذ الدكتور يناقش صاحب المقالة ضمن محاور على النحو الآتي: (وسأذكر منها ما له صلة مباشرة بالموضوع ويؤثر في التفسير )

أولا: إن أول طعن وجهه الدكتور الطنطاوي للشيخ عبد المعز في مقاله هو أنه يرى أن المراد من الكتاب هو القرآن الكريم. وبرغم أن الشيخ الطنطاوي لم يصرح بهذا القول،إلا أن مفهوم كلامه يفضي إلى هذا، وقد رد الشيخ الطنطاوي هذا القول لأسباب مجملة فيما يلي:

إن هذا الفهم لا يمكن أن ينساق إلى ذهن من يقرأ الآيات بتدبر؛ لأن الله تعالى يقول              (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) الإسراء:2 ثم يقول سبحانه (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ) الإسراء:4 فالكتاب في الآية التالية يقصد به عين الكتاب في الآية الأولى وهو التوراة.. وقد أجمع المفسرون على هذا الرأي، وقليل منهم مال إلى تجويز أن يكون المراد اللوح المحفوظ، فإذا بطل هذا القول - يقول الطنطاوي- نكون قد هدمنا الأساس الذي بني عليه ذلك التفسير!!!أما حكاية الإجماع التي استند إليها الدكتور الطنطاوي، فلا وجه لها ؛ لأنه ليس هناك إجماع،وإذا كانت الدعوى بالإجماع فأين مستند هذا الإجماع؟ وغاية ما يقال: إن كثيرا من المفسرين قالوا بهذا القول، فيقال: إن العبرة ليست بالكثرة، وإنما بالصواب، وأما ما ذهب إليه في رد هذا الوجه من أن من يقرأ بتدبر لا ينصرف ذهنه إلى هذا القول، فليس بلازم أبدا غاية ما يقال: لقد تدبر هو فوصل إلى هذا، وإذا تدبر غيره فلربما يصل إلى غير ما وصل إليه، وقد كان. والسياق ووقائع الأحوال كلها تشهد بصحة هذا التفسير، وإن لم يقل به من المتقدمين أحد. فالمتقدمون كلهم ليسوا بحجة على كتاب الله تعالى، وإنما أمر الله تعالى المسلمين أن يتدبروا القرآن في كل وقت وحين، ولم يأمرهم أن يتوقفوا عند ما قال المتقدمون من أجيال هذه الأمة المباركة.

وأما القول بأن الكتاب في الآية الثانية هو عينه في الآية الأولى فليس بلازم أيضا، وهو مبني على قاعدة غير سليمة. قال بهذا بعض النحاة، وذكرها ابن هشام في المغني تحت باب( في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها) وذكر منها ما يخص هذا الجانب الذي نحن فيه، فقال: قولهم (إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة، أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأول)[65]، وقد طول ابن هشام الرد على هذه القاعدة، وذكر أمثلة كثيرة تدل على بطلانها وعدم صوابها، وتبعه على هذا الدسوقي في شرحه على مغنى اللبيب فطول الرد كثيرا على بطلان هذه القاعدة.[66]

وهذه القاعدة مع بطلانها إلا أنها مفروضة فيما إذا اتحد السياق. والسياق الذي معنا ليس متحدا، فإن جملة (وقضينا ) جملة استئنافية، وليست عطفا على ما سبق، ويتبين من خلال ما سبق أن ما ذهب إليه الشيخ عبد المعز مقبول، وأن ما اعترض به الدكتور الطنطاوي غير مسلم.

   ثانيا: قال الشيخ الطنطاوي: قال فضيلته _ أي الشيخ عبد المعز _:( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا.. ) الإسراء:5 لا تنطبق هذه المرة تمام الانطباق إلا على الدور الذي قاموا به على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما عاقبهم الله تعالى به، وسلط عليهم فيه... الخ

ونحن لا نوافقه فيما ذهب إليه للأسباب التالية:

1- الذي عليه المفسرون أن المراد بالأرض في قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) الإسراء:4 هي أرض الشام، التي كان يسكنها اليهود وقت نزول التوراة، وليس المراد بها أرض الجزيرة العربية، كما ذهب فضيلته ؛ لأنها لم تكن سكنا لهم عند نزول التوراة.

2- لا ننكر أنه حصل منهم إفساد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ما قاموا به دون ما قاموا به من إفساد قبل ذلك، بدليل ما سجله القرآن عليهم من رذائل شنيعة منها قتلهم الأنبياء. وبناء عليه كان إفسادهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أشد وأفحش منه بعد البعثة النبوية.

3- إفسادهم في الأرض في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كان يأخذ طابع النفاق والمخادعة وعدم المجاهرة به خوفاً من المسلمين، أما إفسادهم قبل ذلك فكان يأخذ طابع الظلم الصريح، والعصيان الواضح، والطغيان المتعمد. وهذا يدل على أن المقصود بإفسادهم في الأرض مرتين ما كان منهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم!!!

4- الآية الكريمة تقول: (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً) الإسراء:4  وهذا العلو الكبير الذي وصفتهم به الآية الكريمة لا ينطبق على حالهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه؛ لأن اليهود في هذه الفترة كانوا يمثلون جزءاً من المنتشرين في الأرض، وبلغ بهم ضعف الحال أن بعضهم انضم إلى طائفة الخزرج، وبعضهم إلى طائفة الأوس، فإذا ما حصل قتال بين الطائفتين تقاتل اليهود مع كليهما، وصار بعضهم يقتل بعضاً، وهذا معناه أن هذا الفساد كان قبل النبوة.

5- ما أصابهم من عقوبات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أصحابه جزاء تمردهم شيء هين بالنسبة لما أصابهم من عقوبات قبل ذلك، على أيدي البابليين والرومان وغيرهم. فقد كانت العقوبات التي أصابتهم خاصة بالجزء في جزيرة العرب، وأما ما قبل ذلك فكانت عامة في اليهود.

ثالثاً: جزم فضيلته بأن المعاقبين لليهود في المرة الأولى لا تنطبق أوصافهم إلا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم الذين يستحقون شرف هذه النسبة... وهم الذين لم يكلفهم  تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار، أما أتباع بختنصر فقد ذكروا أنه قتل على دم زكريا وحده سبعين ألفاً...، فهو اجتياح لا جوس ). 

ونحن نخالف فضيلته في ذلك لأمور أهمها:

  1. أن الناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم عباد الله تعالى والذين سلطهم الله على بني إسرائيل لإذلالهم بعد فسادهم الأول هم عباده مع كفرهم، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) الزمر:16، ففي هذه الآية نسب الله تعالى العباد إلى نفسه بصيغة العموم التي تشمل مؤمنهم وكافرهم.

  2. يقول فضيلته – أي الشيخ عبد المعز – ( وهم الذين لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار ) ولم يبين لنا معنى الجوس عنده، إلا أن الذي يفهم من كلامه أن الجوس – في رأيه – معناه التردد بين الدور والمساكن بدون قتال يذكر. وهذا التفسير للجوس في رأينا يأباه السياق في الآيات، ومخالف للمشهور عن أئمة التفسير واللغة.

أما أنه يأباه سياق الآيات؛ فلأن الآية تذكر أن فساداً كبيراً، وطغياناً عظيماً، يقع من بني إسرائيل في المرة الأولى من مرتي إفسادهم، وأنهم بعد ذلك يؤدبون على إفسادهم بأن يبعث الله عليهم عباداً له أقوياء، وقد بين الله تعالى مهمة هؤلاء العباد فقال:       (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ) الإسراء:5، فترددوا بين مساكنكم يا بني إسرائيل لقتلكم ولسلب أموالكم ولتخريب دياركم. وهذا ينطبق على ما نزل باليهود من عقوبات عامة مدمرة قبل الإسلام على يد البابليين والرومان وغيرهم 0 ولا ينطبق على العقوبات التي أنزلها المسلمون بهم في العهد النبوي؛ لأنها عقوبات كانت تتسم بالعدالة، إذ لم تتناول إلا من يستحقها منهم 0

وأما أنه مخالف للمشهور عن أئمة التفسير واللغة في معنى الجوس فإليك الدليل: ثم ذكر عن الطبري والزمخشري والرازي والفراء والزجاج وحاصل ما ذكروه أنه التردد بين الديار للتفتيش عمن بقي لم يقتل حتى يقتلوه، ثم قال: ومن هذه النصوص يتبين لنا أن الجوس معناه التردد بين الديار للقتل والإفساد، ثم على فرض التسليم على رأي فضيلته في معنى الجوس لنا أن نسأله: هل المسلمون لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار؟الذي يبدو لنا أن المسلمين كلفهم تأديب اليهود أكثر من ذلك ؛لأنهم بالنسبة لبني قينقاع حاصروهم بضعة عشر يوما، وأجلوهم عن المدينة بعد مفاوضات ومجادلات... وبالنسبة لبني النضير حاصرهم المسلمون وأحرقوا بعض زروعهم. حتى اضطروهم إلى الجلاء عن المدينة... وبالنسبة لبني قريظة حاصرهم المسلمون ثم قتلوهم بعد حكم سعد بن معاذ -رضي الله عنه - فيهم بذلك. وبالنسبة ليهود خيبر حصل بينهم وبين المسلمين قتال عنيف انتهى باستسلام اليهود...فتأديب اليهود قد كلف المسلمين أكثر من جوس الديار بالمعنى الذي يراه فضيلته للجوس.

رابعا: قوله تعالى (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً) الإسراء:7، يفيد أن المسجد يؤخذ من أيدي اليهود عنوه، ومن يأخذه يخربه ويهدمه، وهذه الأوصاف والأعمال تنطبق على البابليين والرومان وغيرهم عندما دخلوا أورشليم قبل الإسلام، حيث دمروها وهدموا هيكلها. أما المسلمون عندما دخلوا المسجد وأخذوه من النصارى. لم يكن لليهود وجود ولم يحصل منهم ما قرره الله تعالى بقوله (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً)

خامسا: تحدث فضيلته – أي الشيخ عبد المعز – تحت عنوان ( رد الكرة ) فقال: قال تعالى عز وجل (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ردت لليهود الكرة علينا بعد ألف وثلاثمائة وسبعين سنة من تأديب الله تعالى لهم، فبعث عليهم عباده المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاسوا خلال الديار ) ونحن لا نوافق فضيلته لأمور منها:

أـ أن قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) يفيد أنه حسنت حالهم وتركوا ما كانوا عليه من فساد وإفساد، حتى رد الله لهم الكرة على عدوهم، وتلك سنة الله في خلقه، ينصر من تاب إليه وأناب، وهذا المعنى الذي تفيده الآية لايمكن أن يوصف به اليهود في عصرنا إذ هم ما زالوا على فسادهم وإفسادهم وكفرهم وطغيانهم، ولكن يمكن أن يوصف به القلة المؤمنة من بني إسرائيل التي أطاعت طالوت وقاتلت معه... وبناء عليه فإن هذا الوصف أكثر انطباقا على بني إسرائيل الذين قاتلوا مع طالوت بعزيمة صادقة وإيمان راسخ وصبر جميل.

ب- ما قاله فضيلته بأن اليهود أمدوا بثلاث ما أمدوا في تاريخهم مثلها: بأموال تتدفق. وبنين مهاجرين إلى آخره ) ينطبق على حالهم في عهد داود وسليمان ؛ لأنهم في ذلك العهد أمدهم الله تعالى بالأموال الكثيرة والبنين الوفيرة، وصاروا أكثر عدداً من أعدائهم، ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن عهد حكم داود وسليمان عليهما السلام لبني إسرائيل هو العهد الذهبي الوحيد لهم طوال تاريخهم... هذا وإن اليهود مهما أمدوا وأعينوا من دول الكفر الكبرى، فهم ليسوا أكثر أبناءً ولا نفيرا منا نحن المسلمين، وليسوا أكثر أموالا منا إذا وازنا بين ما نملكه من ثروات فوق الأرض وتحتها.  ومن قدرة على العمل الذي يجلب المال بحكم كثرة العدد، لو أحسنا التصرف فيما نملك!!

سادساً: يقول فضيلته: وقد قرر سبحانه أنه سيجمعهم ألفافا لنبيدهم فقال: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ) الإسراء:104، ويبدو بوضوح أن فضيلته يفسر ( الآخرة ) في الآية الكريمة بمعنى المرة الآخرة من مرتي إفسادهم. ونحن نرى أن المراد بالآخرة في الآية هو يوم القيامة كما يفيده سياق الآية، وكما قال المفسرون، ثم نقل عن الزمخشري والرازي والقرطبي ما يؤيد ما ذكره.

سابعاً يقول فضيلته في صدر مقاله: ( وأبادر فأطمئن الذين قد يهولهم هذا التخريج، فيرونه مخالفا للمأثور والمعروف من أقوال المفسرين: إلى أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء، وإلى أن المأثور عن بعض الصحابة مضطرب لا تقوم به حجة، وإلى أن الأمر لا يعدو أن يكون تاريخاً أو تأويلاً، لا يقال في مخالفته إنه تحريف للكلم عن مواضعه).

وهذا القول نرد عليه أولاً: بأنه خروج عن ظاهر القرآن، بل عن صريحه الذي لا يمكن للمتأمل أن يفهم غيره...ونرد عليه ثانياً: بأن ذلك لا يساعد عليه التاريخ الصحيح ؛ فقد كان المسجد الأقصى وقت فتح المسلمين له في عهد عمر بأيدي النصارى لا بأيدي اليهود... فإذا ضممنا إلى ذلك أن الآيات تفيد أن رد الكرة لليهود يكون نتيجة صلاح في الدين وإحسان في العمل، وتوبة من الآثام...، كل هذا يدل على أن استيلاء اليهود على فلسطين نتيجة صلاح في أعمالهم وإحسان في تدينهم وعقائدهم،  وأنه استيلاء صاحب الحق على ما هو أولى به من غيره.

قلت: وهذا ظاهر البطلان وواقع اليهود اليوم لا يشهد عليه... ثم ختم الدكتور الطنطاوي رده بقوله: وبعد فإننا وإن كنا قد خالفنا الكاتب في بعض ما اشتمل عليه مقاله، فإننا في الوقت نفسه نعترف بأن المقال قد كتب بروح إسلامية طيبة، وبعاطفة دينية قوية، تدل على إخلاص صاحبه وسلامة يقينه، والله نسأل أن يوفقنا جميعاً للخير والصواب. انتهى كلام الدكتور الطنطاوي[67] وسنناقش فضيلة الدكتور الطنطاوي في هذا المبحث على نار هادئة بإذن الله.

ونبدأ أولاً فنقول: إننا لا نعترض على ما ذهب إليه المفسرون من حيث الاجتهاد، وإنما نعترض أن يكون هو الصواب الذي لا يوجد غيره. ونحن نقدر المفسرين المتقدمين على ما توصلوا إليه، فلا نظن أن أحداً منهم كان يتخيل يوماً أن تزول دولة الإسلام إلى هذا الحد، وأن يصبح المسلمون في واد وأحكام دينهم في واد آخر. لذلك وصلوا في اجتهادهم في تفسير هذه الآيات الى ما هو مذكور عنهم، ولم يزعم أحد منهم فيما أعلم أن ما توصل إليه هو الحق الذي لا يجوز لأحد أن يخالفه، بل قد رأينا أن الآيات الكريمة تسمح مضامينها بالاجتهاد في تفسيرها، حتى يكاد الناس أن يقتربوا من حقيقة ما تريده هذه الآيات، وبناء على هذا فإنني لا أرى أي حرج في تفسير الآيات تفسيراً جديداً يصدقه واقع الناس اليوم. ولا أقول بما أن المتقدمين لم يقولوا به فالواجب رده. هذا مما لا ينبغي، وهو حجر على التفكير والإبداع.

ونرجع الآن للدكتور الطنطاوي. وقد أجبت هناك عما ذكره أولاً في اعتراضه على المقصود بـ(الكتاب) ؛ لأن هذا الاعتراض يمثل في حقيقته جوهر النقد عنده، ولذلك قدمت الجواب عليه هناك.

ثانياً: 1- اعتراضه على معنى (الأرض) وأنها أرض الشام. هذا اعتراض غير لازم؛ فإن كونها الجزيرة العربية محتمل جداً، وما دامت المسألة خالية عن النصوص الملزمة فباب الاجتهاد مفتوح.

2- كون إفساد اليهود قبل النبوة أفحش منه بعدها، هذا اجتهاد تقديري، وهذا يرجح أن المراد بالإفسادتين ليس مما مضى، وإنما هما شيء جديد وهذا لا يسند رأي الدكتور الطنطاوي.

3- أما كون إفسادهم قبل النبوة ظاهراً، ويستدل من هذا الظهور على أن المراد به قبل النبوة، فلا يظهر لي وجه الاستدلال؛ فالقضيتان مختلفتان تمام الاختلاف، ولا أعتقد أن هذا الاستدلال صحيح في نفسه.

  1. وأما العلو الكبير الذي تذكره الآية الكريمة. فليس بالضرورة يصح ما ذهب إليه الدكتور الطنطاوي؛ إذ من المحتمل جداً أن يكون العلو مرافقاً للإفسادة الثانية، بدليل العطف، ولو كان المراد العلو فيهما لأشير إلى هذا بالقول ( ولتعلن فيهما ) هذا من جهة. ومما يرجح أن المراد بالعلو في المرة الثانية: هو ما ذكره الله تعالى فيها من الإمداد بالأموال والبنين، وجعل اليهود أكثر نفيرا، فإن هذه الأشياء هي مقتضيات العلو والدالة عليه، ولم يذكر الله تعالى شيئاً من هذا عند الإفسادة الأولى، فدل على أن العلو مرتبط بالإفسادة الثانية، وبناءً على هذا يسقط اعتراض الدكتور الطنطاوي هنا.

  2. ما استشهد به الدكتور على ما حصل لليهود بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم من العقوبات، قياساً بما سبق قبل بعثته يعد أمراً هيناً، وأنا لا أدري ما علاقة هذا بالموضوع الذي نحن بصدده، وإذا كان اليهود قديماً قد تعرضوا للقتل، فقد حصل هذا زمان البعثة النبوية، وإذا طردوا من ديارهم، فقد حصل هذا أيام عمر رضي الله عنه. فالقضية ليست مرتبطة بالعموم أو الخصوص الذي فهمه الدكتور، وإنما الذي حصل حصل لليهود، بغض النظر عن كمية المتعرضين له.

ثالثاً: أ- اعتراض الدكتور على أن العباد هم الصحابة، لا وجه له؛ ذلك أن كلمة العباد وردت في كتاب الله تعالى على عدة أوجه منها الإطلاق مثل: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) البقرة: 207، فهذه تشمل المؤمنين والكافرين على حد سواء، ومنها المضاف فإما مضاف إلى اسم الجلالة عباد الله، أو إلى الضمير عبادي، والسياق يتحكم في هذه الإضافة، هل هي على العموم أم على الخصوص؟  والآية التي معنا ليست من قبيل المطلقات وإنما المقيدات بدليل (عِبَاداً لَنَا) ولم تقع في القرآن بهذه الصيغة إلا مرة واحدة هي هذه، وهذا يعني أن أصحابها ميزون. ومن أميز من الصحابة ليكونوا المعنيين بمثل هذا الخطاب؟

ب- ما ذكره الدكتور من أن الجوس هو التردد في البلاد لأجل القتل، هو معنى ذكره المفسرون، وليس بلازم، إذ اللازم على تركيب (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ) أن الديار كانت مفتوحة مذللة يدخلها هؤلاء بلا عناء، وقد كان ذلك تماماً، فما الغرابة فيه؟

والمعنى الذي ذكره الدكتور الطنطاوي، لا أدري من أين جاء به أمن الصيغة أم من السياق؟ وإذا تأملنا كليهما لا نجد الأمر كما قال لازماً. وأما كون هذا التفسيرمخالفا للمشهور، فليس المشهور حجة حتى نلزم به الآخرين.

رابعاً هل يفيد قوله تعالى (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) هل يفيد أن المسلمين سيدخلونه عنوة؟ ويأخذونه من اليهود عنوة؟ وكيف ذلك والمسلمون أخذوه من النصارى لا من اليهود؟

قد أسلفت في الحديث عن هذه الجزئية عندما عرضت لها أن المشبه به كيفية الدخول، وأن التشبيه للحالة الجديدة، بمعنى أن المسلمين سيدخلون المسجد مثلما دخلوه أول مرة، وأول مرة دخله المسلمون فاتحين. وليس لهذا علاقة بمن يدخل عليهم المسلمون آلنصارى أم اليهود؟

وأما قوله تعالى (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً) فهذا من لوازم الإفساد الثاني، وليس الأول ويبدو أن الشيخ الدكتور قد خلط بين المرتين. وهذا التتبير سيحصل بحول الله تعالى في الأيام القادمة، وليس مما قد حصل، حتى يعترض عليه به هذا الاعتراض.

خامساً: ما ذكره الدكتور بشأن الكرة لليهود وأن هذا من مستلزمات إحسان الحال، والواقع أن اليهود لم يحسن حالهم. أقول إن صاحب المقال لم يذكر هذا ولا أشار إليه بل ذكر عكسه تماماً. ورد الكرة ليس لصلاح اليهود ولكن لتراخي المسلمين عن دينهم وقرآنهم.

وما ذكره الدكتور من أن الإمداد لبني إسرائيل ينطبق على عهد سليمان وداود عليهما السلام، كلام لسنا بحاجة إليه، ولا علاقة لنا به، وإنما حديثنا عن بني إسرائيل بعد الإسلام، وماذا يهمنا من تاريخهم قبل الإسلام؟ وأما قوله بأن اليهود اليوم مع ما أمدوا به فليسوا أكثر مدداً من المسمين، فهو كلام أظن أن واقع الحال اليوم يأباه، ويشهد بعكسه كل ذي عينين، وإذا كنا لا نملك التصرف ولا حسن التصرف فيما نملك فما الفائدة منه إذن هو كغير الموجود فعلاً. {الآية أشارت إلى أكثر نفيراً، ولم تقل أكثر اموالا وبنين كما ذكر طنطاوي}

سادساً: ما ذكره الدكتور الطنطاوي من أن المراد بالآخرة في قوله تعالى (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً) الإسراء:104 يعني يوم القيامة وفسرها صاحب المقال بالكرة الآخرة من الإفسادتين، وعابه الدكتور الطنطاوي بأنه مخالف للسياق ولما قاله الجمهور، فأما كونه مخالفا للسياق فإن السياق يحتمل هذا المعنى احتمالا بينا، ثم إن صاحب المقال لم ينفرد بهذا الرأي بل جاء عند الألوسي والشوكاني وأبي السعود تفسيرها بالكرة الآخرة[68]. وليس مرادهم إلا ما وقع في قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ)؛لأن هؤلاء المفسرين قد ذكروا هذا الوجه، وذكروا معه الاحتمال الآخر الذي هو يوم القيامة فلا معنى لهذا إلا ما ذهب إليه صاحب المقال. 

سابعاً: كل ما ذكره صاحب المقال من أنه لم يصح من المأثور في تفسير هذه الآيات شيء، وما ورد عن الصحابة كله مضطرب لا يقوم على ساق، هذا كله صحيح وما رد به الطنطاوي خروج عن الموضوع، ولا علاقة له بما ذكره، ويشهد لهذا التفسير الذي ذكره صاحب المقال التدبر في آيات الله تعالى وأما التاريخ فالمشاهد أقوى مما هو موجود في بطون الكتب

هذا هو أهم ما في هذا الكلام، وأنا أرى أن ما ذهب إليه الدكتور الطنطاوي ليس بوجيه ولا يوهن من هذا الرأي الجديد.

والله الموفق.

الخاتمة وأهم النتائج

وبعد فقد من الله تعالى علي إذ أتممت هذا البحث، وإني لأرجو أن أكون قد أضفت به بعض الإضافات العلمية، وذلك بعد أن طوفت في كتب التفسير المختلفة عبر العصور، واستطعت أن أصل إلى أن التفسير الملائم لهذه الآيات موضوع البحث ليس هو ما ذكره المتقدمون، وإنما هو ذلك التفسير الذي يلامس الواقع ويحل مشكلاته. خلصت إلى أن الآيات الكريمة تتحدث في ضمن ما تتحدث عنه عن واقع مشاهد معاش، كلنا قد اكتوى بناره والمطلوب إثر بيان هذا التفسير أن تتحفز منا الهمم اليوم لمعالجة الواقع الأليم الذي نعيشه؛ كي ندفع عن أنفسنا عوادي الظلم والطغيان وإن القرآن لمن أكبر المحفزات للخلاص من هذه المآثم كلها.

وفي ضمن البحث ومن خلاله ظهرت لي بعض النتائج والتوصيات التي أرى من الضروري تسجيلها في هذه الخاتمة:

  1. إن الأعجاز التاريخي بابة من أبواب الإعجاز البياني فليسا بمنفصلين.

  2. لا بد من مواكبة حاجة العصر بضرورة تدريس مواد متعلقة بالإعجاز القرآني في المعاهد والجامعات، تظهر من خلالها عظمة القرآن الكريم وتاليا عظمة هذا الدين.

  3. لا بد من العمل بلجان متخصصة على إخراج بحوث الإعجاز القرآني إلى واقع الناس حتى يطلعوا عليها وان لا تبقى حبيسة الأدراج لا يعرف أحد عنها شيئا، وكذا لا بد من ترجمة هذه البحوث إلى مختلف اللغات غير العربية مساهمة في نشر الإسلام وبيان صدق القرآن.

  4. لا بد من تشكيل لجان من خيرة العلماء المتخصصين لفحص البحوث والكتب المصنفة ضمن إعجاز القرآن قبل عرضها على الناس وترجمتها إلى غير لغة العرب، حتى تتم تنقيتها وبيان ما يصلح منها وما لا يصلح فليس كل ما قيل فيه إعجاز هو كذلك

  5. ضرورة متابعة البحوث المعاصرة وعدم الوقوف الجامد عند ما كتب المتقدمون فقط.

  6. عدم الإنحاء باللائمة على المتقدمين، فقد أدوا واجبهم فيما توصلوا إليه، والمتابعة عندنا.

  7. إن خلاصة تفسير هذه الآيات تقطع بما لا مرية فيه أن زماننا الذي نعايش جزء مما تشتمل عليه في مضامينها.

  8. ضرورة حفز الهمم للخروج بالأمة من المأزق القادم، وذلك بأن يتبوأ العلماء منازلهم الحقة.

هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

والحمد لله رب العالمين

لتحميل نسخة اضغط هنا.

الهوامش

.[1] ابن عاشور، محمد الطاهر،تـ(1393هـ/1973م) التحرير والتنوير، الدار التونسية، ط1، 1984م،ج15ص6.

.[2] السابق نفس المكان.

.[3]  السابق،ج15ص7-9

.[4]البقاعي، إبراهيم بن عمر، تـ(885هـ/1480م) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور،، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ط 3،1992م، ج 11 ص286.

. [5]الصعيدي، عبد المتعال، النظم الفني في القرآن، مكتبة الآداب، القاهرة، ص 176.

.[6]ابن عاشور، التحرير والتنوير،ج15ص6.

. [7]البخاري، محمد بن إسماعيل، تـ(256هـ/870م) صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت، حديث رقم 4708.

.[8] ابن حجر، أحمد بن علي، تـ(852هـ/1449م) فتح الباري في شرح صحيح البخاري،دار الفكر،بيروت،ج8ص388.

.[9] عباس، ا.د فضل حسن، المنهاج نفحات من الإسراء والمعراج،دار البشير،عمان،ط1،1987م،ص35-36،وانظر:عبد الباقي،محمد فؤاد،المعجم المفهرس لألفاظ القرآن،مؤسسة مناهل العرفان،بيروت،ص540-541.

.[10]مسلم، د. مصطفى، مباحث في إعجاز القرآن، دار المسلم، بيروت، ط2، 1996م. ص 279.

.[11] عباس، ا. د فضل حسن، إعجاز القرآن، منشورات جامعة القدس المفتوحة، ط 2، 1997م، ص 316- 317

.[12] سلطان د. منير، إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة،   منشاة المعارف، الإسكندرية ص 208 – 209

.[13]قصاص، د. عبد الرحمن بن جميل، الإعجاز الغيبي القرآني في الماضي والمستقبل الإنساني، بحث غير منشور، مقدم لمؤتمر الإعجاز الذي عقد بجامعة الزرقاء الأهلية سنة 2005 م. ص 6-7

.[14]قد عدد السيد نعيم الحمصي في كتابه أسماء عدة من الأعلام الذين أثبتوا هذا الجانب من وجوه الإعجاز القرآني، ينظر فهرس  كتابه فكرة إعجاز القرآن الكريم منذ البعثة النبوية حتى عصرنا الحاضر ص 480-469

.[15]الزركشي، محمد بن بهادر، تـ(794هـ/1392م) البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة بيروت، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، ج 2 ص 95 وما بعدها

.[16]العلوي، يحيى بن حمزة، تـ(745هـ/1344م) الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، دار الكتب العلمية، بيروت. ج 3 ص 398

.[17] شاكر، محمود، تقديمه لكتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي، دار الفكر، بيروت،ص 17-18

.[18]مخلوف، د عبد الرؤوف، الباقلاني وكتابه إعجاز القرآن دراسة تحليلية نقدية، دار مكتبة الحياة، بيروت، ط 1، 1978م، ص 171.

.[19]ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 1 ص 129.

[20]. ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 1 ص 105

.[21]الهمذاني، القاضي عبد الجبار، تـ( 415 هـ/1025م)، إعجاز القرآن، دار الكتب، مصر، 1960م،    ج 16ص 330-335.

.[22] بركة، د. عبد الغني محمد سعد، الإعجاز القرآني وجوهه وأسراره، مكتبة وهبة، القاهرة،    ط1، 1989م، ص 17.

.[23] النورسي، بديع الزمان سعيد، إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، طبع دار سوزلر – القاهرة،  ط2، بتحقيق إحسان قاسم الصالحي، ص 238.

.[24]الدغامين، د. زياد خليل، إعجاز القرآن وأبعاده الحضارية في فكر النورسي عرض وتحليل، دار النيل، تركيا، ط1، 1998 م، ص 129.

.[25]هكذا هي في النسخة وأظنها انقضاء.

.[26]ابن منظور، محمد بن مكرم، تـ(711هـ/1311م) لسان العرب، عالم الكتب، السعودية،2003م، ج 20 ص 27.

.[27] الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، تـ( 425 هـ/1108م)، مفردات ألفاظ القرآن، دار القلم، دمشق، ط2، 1997 م، بتحقيق صفوان داوودي، ص 674

.[28] الطبري، محمد بن جرير، تـ( 310 هـ/923م)، جامع البيان في تفسير القرآن، دار الحديث، القاهرة، 1987 هـ، ج 15 ص 16.

[29]. ابن كثير، إسماعيل الدمشقي، تـ(774هـ/1373م)، تفسير القرآن العظيم، مجموعة من الباحثين، دار عالم الكتب، السعودية،ط1، 2004م،ج8ص437.

[30] أبو حيان محمد يوسف الأندلسي، تـ( 745 هـ/1344م)، البحر المحيط، مطابع النصر الحديثة، الرياض، ج 6 ص 8.

.[31] الشوكاني، محمد بن علي، تـ( 1250 هـ/1734م)، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، مطبعة مصطفى الحلبي وأولاده، ط 2، 1964 م،ج3 ص 209.

.[32] ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، تـ( 597 هـ/1021)،زاد المسير في علم التفسير، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 2001 م، بتحقيق عبد الرزاق المهدي، ج 3 ص 10.

.[33]البيضاوي، عبد الله بن عمر الشيرازي،تـ(685هـ/1286م) أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مؤسسة شعبان، بيروت، ج 3 ص 196.

.[34]النسفي، عبد الله بن أحمد،تـ(710هـ/1310م) تفسير النسفي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1982، ج 2 ص 307.

.[35] البرسوي، إسماعيل حقي، تـ( 1127 هـ/1715م)، روح البيان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 5 ص 131.

.[36] ابن عجيبة، أحمد بن محمد بن المهدي، تـ( 1224 هـ/1809م)، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 2002 م، تحقيق عمر أحمد الراوي، ج 4 ص 77.

.[37] طنطاوي، الدكتور محمد السيد، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مطبعة السعادة، مصر، 1984م، ج8 ص 26.

.[38] القرطبي، محمد بن أحمد، تـ( 671هـ/1273م)، الجامع لأحكام القرآن، مؤسسة مناهل العرفان، بيروت، ج 10 ص 214.

.[39] البغوي، الحسين بن مسعود، تـ( 516 هـ/1123م)، معالم التنزيل، دار المعرفة، بيروت، تحقيق خالد عبد الرحمن ومروان سوار، ج 3 ص 106.

.[40] الشوكاني، فتح القدير، ج 3 ص 209.

.[41]الألوسي، محمود بن عبد الله،تـ(1270 هـ/1854م)، روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، إدارة الطباعة المنيرية، مصر، ج 15 ص 16.

.[42]السمين الحلبي، أحمد بن يوسف، تـ( 756 هـ/1355م)، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، دار القلم، دمشق  ط1،1991م، بتحقيق الدكتور أحمد الخراط، ج7 ص 312.

.[43]السابق ص 312، وهذه الجواب مذكور في كل الكتب السابقة التي ذكرت منها معنى الكتاب ولم أرلأحد خلافاً في هذا.

.[44]الرازي، فخر الدين محمد بن عمر، تـ( 604 هـ/1208م)، التفسير الكبير، دار الفكر، بيروت، 1990 م.ج 19 ص 156، وانظر على سبيل المثال ابن الجوزي، زاد المسير، ج 3 ص 11، طنطاوي، التفسير الوسيط ج8، ص 26.

.[45] الطبري، جامع البيان، ج 17 ص 365، طبعة شاكر.

.[46]ينظر: الشوكاني، فتح القدير، ج 3 ص 209، وابن الجوزي، زاد المسير، ج 3 ص 10 وما بعدها، القرطبي،الجامع لأحكام القرآن، ج10 ص214  وما بعدها، و ابن  كثير، تفسير القرآن العظيم، وقد ذكر ابن عاشور أن الإفسادتين ذكرتا في كتاب أشعياء وأرمياء، في تفسيره ج 15 ص28 والصحيح أن المذكور فيهما أحوال عامة من الفساد، وليس تخصيصاً بحالتين اثنتين كما هو مذكور في القرآن، ينظر في هذا: الكتاب المقدس، سفر أشعياء وسفر أرمياء، طبعة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ص 992 – 1174 وكذلك الكتاب المقدس طبعة الكاثوليك، العهد العتيق ص 341 – 541 وتحديداً في الإصحاح 26، 28، 30، 5، 10 التي أشار إليها ابن عاشور. ولعل الذي حمل ابن عاشور على هذا القول ما ورد في أشعياء 26.... افتحوا الأبواب لتدخل الأمة البارة الحافظة الأمانة.... ومثل هذا القول لا يصلح تفسيراً لهذه الآية.

.[47] قطب، سيد، في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت، ط10، 1981م، ج8 ص2214.

.[48] حوّى، سعيد،تـ(1409هـ/1989م) الأساس في التفسير، دار السلام، القاهرة، ط1، 1985م، ج6، ص 3040وما بعدها.

.[49] سيأتي أن هذا هو الصواب بدليل مرجع الضمائر في الثانية على ( عباد لنا ) في الأولى.

.[50] سعيد حوا، الأساس في التفسير، ج6ص3040 – 3041.

.[51]السابق ص3042. وخلاصة رأي الشيخ في الإفسادتين أن الأولى كانت بعد السبي البابلي فوقع عليهم العذاب على يد بختنصر، والثانية هي ما يجري الآن، انظر ج6 ص 3044.

.[52] الحديث: أخرجه: ابن حنبل، أحمد،تـ(241هـ/855م)، مسند أحمد، طبعة مؤسسة قرطبة، مصر،ج1ص407.وقال الهيثمي، علي بن أبي بكر،تـ(807هـ/1405م)، في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد،طبعة دار الريان، القاهرة،1407هـ، ج5ص236 قال: في الصحيح بعضه ورواه الطبراني وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجاله ثقات.

.[53]الحديث أخرجه: النيسابوري، مسلم بن الحجاج‘تـ( 261هـ/875م)، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي،ج3ص1388، رقم الحديث1767.

.[54]  الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، ص212.

.[55] الألوسي، روح المعاني، ج15 ص18.

.[56] إطفيش، محمد بن يوسف،تـ(1332هـ/1914م) تيسير التفسير، وزارة التراث العماني، 1987م، ج7 ص144.

.[57]الألوسي، روح المعاني، ج19 ص156، وهذا المعنى موجود في غالب كتب التفسير التي اطلعت عليها.

.[58] طنطاوي، الدكتور محمد سيد، بنو إسرائيل في القرآن والسنة، ط1، 1969م، دار حراء، القاهرة، ج2 ص378 – 379 نقلا عن مقالة للشيخ عبد المعز عبد الستار نشرها في مجلة الأزهر مجلد 28 ص 689 بعنوان ( سورة الإسراء تقص نهاية إسرائيل ) وسيأتي الحديث عن هذه المقالة في آخر البحث.

.[59]دراسة موجودة على أحد مواقع الانترنت تفضح السياسة الأمريكية في هذا الجانب.

.[60]يمكن أن نحيل إلى بعض المراجع القديمة تدليلاً وليس استقراءً: أنظر، الألوسي، روح المعاني، ج15 ص18، إطفيش، تيسير التفسير، ج7 ص442، أبو حيان، البحر المحيط، ج6 ص8 وما بعدها، ابن الجوزي، زاد المسير، ج  3 ص10 وما بعدها.

.[61]قد سمعت هذا من بعض من يخطب في المساجد ويلقي الدروس، ولنتأمل كم هو الخطر الماحق على الأمة من وراء بث مثل هذه الآراء الغريبة.

.[62]فقد روى ابن حوالة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا رأيت الخلافة نزلت بأرض المقدس فقد دنت الزلازل والبلابل...) وهذا الحديث أخرجه: ابن حنبل، أحمد، المسند، ج 5  ص 288، رقم 22540، وهو حديث صحيح، وهذا الحديث واضح في أن الخلافة كائنة لا محالة في القدس مما يؤيد ما ذهبنا إليه أعلاه.

.[63] عباس، الدكتور فضل حسن، المنهاج نفحات من الإسراء والمعراج، دار البشير، عمان، ط 1، 1987، ص 123.

.[64]من تقديم الأستاذ أحمد حامد الشربتي لكتاب العرب واليهود في التاريخ ص44 وانظر: سوسة، أحمد، العرب واليهود في التاريخ، العربي للإعلان والنشر، دمشق، ط6، ص440وما بعدها.

.[65]ابن هشام، جمال الدين الأنصاري عبد الله بن يوسف،تـ(761هـ/1360م) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق الدكتور مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار الكتب الإسلامية، لاهور،ط1، 1979م،ج2ص731-735.

.[66]  الدسوقي، مصطفى محمد عرفه، حاشيته الدسوقي على مغنى اللبيب، مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني، القاهرة، ج2 ص283 وما بعدها.

.[67] طنطاوي، الدكتور محمد سيد، بنو إسرائيل في القرآن،ج2ص381-396، بتصرف شديد

[68]. الألوسي، روح المعاني،ج11ص123، المكتبة الشاملة. الشوكاني، فتح القدير،ج4ص360، المكتبة الشاملة. البيضاوي،أنوار التنزيل،ج3ص 454، المكتبة الشاملة.أبو السعود،إرشاد العقل السليم إلى مزايا القران الكريم،ج4ص230.المكتبة الشاملة.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة