وقفة مع آية بين "اليأس والنصر"

الأربعاء 22 أغسطس 2018 12:50 م بتوقيت القدس المحتلة

وقفة مع آية بين "اليأس والنصر"

د. كامل صلاح

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين ...
إن من طبيعة البشر حب النصر والانتصار على العدو ، سواء كان هذا النصر معنويا أو ماديا ، ولكن هذا النصر قد يعتريه شيء من البطء ، أو عدم التحقق عمليا وواقعيا . فإن ذلك يرجع على الإنسان باليأس والقنوط ، والإحباط والجزع ، والأثر البالغ في نفسه وقلبه .
وإن الناظر إلى آيات القرآن الكريم يجد واضحا جليا أن
القرآن قد ذكر منهج الحياة عموما ، وكيفية التعامل مع الملمات وأحوج الظروف ، وأصعب الحالات ، ومن هذه الملمات اليأس والقنوط من تأخر النصر والنصرة ، والتأييد والتمكين والمكنة ، عند الحاجة الماسة والداعية إليه .
 ومن هذه الآيات قول الله تعالى : ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠] . 
﴿حتى﴾ هَذِهِ الغايَةُ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ يا مُحَمَّدُ إلّا رِجالًا ولَمْ نُعاجِلْ أُمَمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءُوا بِهِ بِالعُقُوبَةِ ، ﴿إذا استيئس﴾ أي يئس ﴿الرسل وظنوا﴾ أي أيقن الرسل ﴿أنهم قد كذِّبوا﴾ بالتشديد تكذيبا لا إيمان بعده ، وبالتخفيف أي ظن الأمم أن الرسل أخلفوا ما وعدوا به من النصر ﴿جاءهم نصرنا فَنُنَجِّي﴾ بنونين مشددا ومخففا ، وبنون مشددا ماض ﴿من نشاء ولا يرد بأسنا﴾ أي عذابنا ﴿عن القوم المجرمين﴾ أي المشركين .
وفي هذه الآية خطاب مضمونه فلا تستعجل -أيها الرسول- النصر على مكذبيك، فإن الرسل قبلك ما كان يأتيهم النصر عاجلا لحكمة نعلمها، حتى إذا يئس الرسل من قومهم، وأيقنوا أن قومهم قد كذبوهم ، ولا أمل في إيمانهم، جاءهم نصرنا وفرجنا لهم عند شدة الكرب، فننجي من نشاء من الرسل وأتباعهم ممن آمنوا بهم ، ولا يُرَدُّ عذابنا عمَّن أجرم وتجرَّأ على الله تعالى، وفي هذا تسلية ومواساة  للنبي ﷺ. 
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومُهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كذَبَوهم، جاءهم النصر على ذلك، فننجّي من نشاء " .
وتمضي هذه السُّنة في العصر الحاضر، وقد تعدَّدت التحدِّيات، وتنوَّعت العوائق، وادْلَهمَّت على الأمة الخطوب، وتكاثَر أعداؤها، فما ترَكوا مجالاً إلاَّ ناصَبوها فيه العداء، وضيَّقوا عليها الخناق ، ووظفوا كل قدراتهم لابعاد الناس عن دينهم وأخلاقهم . 
وقد ذكرت آيات القرآن أن البلاء والمحن، والبأساء والضراء، والشوق إلى النصر والخلاص - كلُّها أمور مرَّ بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، ورسل الله تعالى وأنبياؤه السابقون، وأولياؤه المقرَّبون، قال الله عزَّ وجل مؤكدًا هذه السُّنةَ الربانية: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214].
إذا فيُخْبِر اللهُ تَعَالَى أَنَّ نَصْرَه القوي العزيزُ يَنْزِلُ عَلَى رُسُلِه صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وأتباعهم من أهل الإيمان والحق والصدق ، عِنْدَ ضَيقِ الْحَالِ وَانْتِظَارِ الْفَرَجِ ، والنصر والتأييد يكون مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحْوَجِ الْأَوْقَاتِ إِلَى ذَلِكَ ، فالواجب المتحتم على أهل الحق ودعاته أن ينزعوا اليأس والإحباط والقنوط من قلوبهم ، و أن يعتقدوا جازما أن النصر والغلبة والقوة والتمكين ، والعلو والسمو ، والمكانة والمنزلة العالية الرفيعة ، هي من الخالق والناصر سبحانه جلت قدرته وحده ، وهذا وعده سبحانه لعباده ، ولأهل الإيمان من خلقه ، إن هم نصروا دينه جل وعلا ورسوله وكتابه ،  ويجب على أهل الإيمان والعلم أن يسعوا في نصرة هذا الدِّين بما يطيقوا ، ببذل أسبابه الموصلة إليه ، والسعي في تحققه وتحقيقه ، فالمؤمن لا ييئسُ من نصر وتأييد الله تعالى له ، مهما تأخَّر النصر، بل ينتظر ويترقَّب نصر الله تعالى الذي وعده به مولاه في قوله جل وعلا : ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47] ، وقال سبحانه وتعالى : ﴿ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214] ، وقال سبحانه وتعالى:  ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5 - 6] ، وقال سبحانه وتعالى :  ﴿ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87] ، وقال سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56] ،  فلا ناصر ولا غالب إلا الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة