سلمان العودة والقتلُ تعزيرًا

الأربعاء 05 سبتمبر 2018 02:24 م بتوقيت القدس المحتلة

سلمان العودة والقتلُ تعزيرًا

محمد خير موسى

القتلُ تعزيرًا، هذه هي العقوبة التي طالبت النيابة العامّة السّعوديّة بإيقاعها وتنفيذها بالشّيخ سلمان العودة في محاكمته السريّة عقب أكثر من سنةٍ من اعتقالٍ سريّ لم تُراعَ فيها أدنى صفات التّعامل الإنسانيّ فضلًا عن إجلال ذي الشّيبة المسلم الذي جاوز ثلاثًا وستين عامًا، أو تقدير العالم الدّاعية في بلدٍ ما زالت تخرق أسماعنا بأنّها بلد الشريعة وعنوان الإسلام.

والتعزيرُ هو مصطلحٌ شرعيّ من معانيه في اللّغة التّأديب، ويقصدُ به في الفقه الإسلامي؛ عقوبةٌ غيرُ مقدّرةٍ شرعًا تجبُ حقًّا لله، أو لآدميّ، في كلّ معصيةٍ ليسَ فيها حدٌّ ولا كفّارة.

وقد حرص الإعلام السّعوديّ على الإفراج عن هذه المعلومة التي تفيد مطالبة النيابة العامة بقتل الشيخ سلمان تعزيرًا، في حرصٍ شديدٍ على إلباس ثوب هذه المحاكمة وما سيكون بعدها من محاكمات للدّعاة والعلماء المعتقلين ثوبَ الشّريعة والدّين.

 وهكذا هو المستبدّ على الدّوام يحرص على إلباس ظلمه وطغيانه ثوب الشّريعة، وتزيين باطله بمصطلحات الفقه، وتجميل طغيانه بفتاوى العمائم الرّخيصة.

 وقد بيّن عبد الرّحمن الكواكبي ذلك وهو يفصّل في طبائع الاستبداد إذ يقول: " إنَّه ما من مستبدٍّ سياسيّ إلا ويتَّخذ له صفةً قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذي علاقة مع الله، ولا أقلَّ من أنْ يتَّخذ بطانة من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله، وأقلُّ ما يعينون به الاستبداد، تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضاً، فتتهاتر قوَّة الأمّة ويذهب ريحها، فيخلو الجوّ للاستبداد ليبيض ويُفرِّخ".

وقد حرصَ المستبدُّ في أحواله كلّها على استخدام الدّين لتمرير ظلمه، واعتقالُ الفقه والتّشريع الإسلاميّ ووضعه في زنزانةٍ وأخذ الأقوال منه كرهًا تحت التعذيب.

 فالعمامة التي وقفت أمام سيّد قطب تلقّنه الشّهادتين قبيلَ إعدامه وهو يقولُ لها: أنا أموت لأجل لا إله إلّا الله وأنتَ تأكل بها الفتات على موائد الظالمين.

 والعمائم التي أفتت للسّيسي أن "يضرب في المليان" ويستبيح الدّماء والأعراض باسم الإسلام، وكذلك العمائم التي تعلو أصواتُها تطبيلًا لجرائم لبشّار الأسد كلّها كانت تستحضرُ المصطلحات الشرعيّة والفقهيّة ـ تمامًا كالمحكمة السّعودية ـ لإعانة الظالم وتشريع أحكامه الجائرة.

لماذا تريدُ النّيابةُ السّعوديّةُ قتلَ الشّيخ سلمان تعزيرًا؟!

علاقةُ الشّيخ سلمان العودة بالزنازين السّعوديّة ليست حديثة العهد، وليست حكرًا على العهد الجديد، فقد قضى في السّجن خمسَ سنواتٍ دون محاكمةٍ عقب اعتقاله عام 1994م وخلالها فقد ولده عبد الرّحمن ذا الأعوام الثّمانية؛ فرثاه بقصيدةٍ تعبّر عن مدى رقّة القلب وشفافيّة الرّوح التي يمتلكها الشّيخ، وحجم الألم الذي عاناه بفقدان ابنه دون أن يحظى بوداعه، ويقول في بعضها:

 وداعاً حبيبي لا التقاءَ إلى الحشرِ

وإن كان في قلبي عليك لظى الجمرِ

تحاصرني ذكراكَ يا ساكنَ القبرِ

وتجتاحُ أعماقي وإن كنت في الأسْرِ

تمنَّيتُ ـ لو تغني الأماني ـ نظرةً

إلى جسدٍ ذاوٍ يُغرغَرُ بالسّدرِ

 تمنَّيتُ حتَّى وقفةً عند نعشِه

تردُّ إلى نفسي الذي ضاعَ من صبرِي

تمنَّيتُ ما نالَت ألوفٌ توجَّهت

إلى ربِّها صلّت عليك معَ العصرِ

 تمنَّيتُ كفًّا من ترابٍ أحثُّها

على قبركَ الميمون طيّب من القبرِ

أبا طارقٍ جلَّ المصابُ لفقدكُم

ثمانيةٌ زهرٌ كما الأنجمِ الزّهرِ

واليومَ يُحاكمُ الشّيخُ وقد تركَ أطفالَه يتامى بعد وقتٍ يسيرٍ من فقدِ أمّهم في حادثِ سيرٍ مؤلم، وتطلبُ النّيابة السّعوديّة قتله تعزيرًا.

 والقتلُ تعزيرًا هو أيضًا من عبارات الفقهاء ومن الأحكام التي تحدثوا عنها في معرض العقوبات، ولكن من هو المستحقّ للقتلِ تعزيرًا؟ لقد بيّن الفقهاء بأنّ الأصل في التّعزير أن لا يبلغ القتل، لكنَّ بعضهم ذهب إلى جواز القتل تعزيرًا في جرائم معيّنةٍ بشروطٍ مخصوصة.

 وضربوا لذلكَ مثالًا قتل الجاسوسِ أو من تكرَّر منه الإفساد، وفي ذلكَ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه السّياسة الشّرعيّة: "إنّ المفسدَ إذا لم ينقطع شرّه إلَّا بالقتل فإنّه يُقتَل".

 وواضحٌ من هذا أنَّ القتل تعزيرًا لا يكون إلَّا في حالاتٍ يدقُّ فيها القضاء ناقوس الخطر من شخصٍ استعصى على العلاج وعظمت جريمته وتعاظم خطره على المجتمع حتّى لم يعد من حلٍّ إلَّا التخلّص منه.

 وبناءً على التّهم المفرج عنها إلى الإعلام من التهم السبع وثلاثين الموجّهة إلى الشّيخ سلمان العودة، فإنّنا نتوقّع إثراء الفقه الإسلاميّ بمسائل ونماذج وأمثلةٍ جديدة متعلقةٍ بالجرائم التي تبيح لوليّ الأمر طويل العمر القتل تعزيرًا؛ ولا نستغربُ أن تطالعنا الشّاشات والمصنّفات الفقهيّة المعتقلةِ بأحكام فقهيّةٍ جديدة منها على سبيل المثال:

مَن كانَ مساعدًا للإرهابيّ يوسف القرضاوي وعضوًا في الكيان الإرهابيّ المسمّى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فإنّه يُقتَلُ تعزيرًا.

ومن كانَ عضوًا في الكيان الإرهابيّ المُسمّى المجلس الأوربيّ للإفتاء فإنّه يقتَل تعزيرًا.

ومن افتأتَ على وليّ الأمرِ فغرّد على موقع التّواصل الكُفريّ المسمّى تويتر بتغريدةٍ تدعو إلى الوفاق بين الأشقاء المتخاصمين فإنّه يقتَل تعزيرًا.

لماذا لا يقولونَ الحقيقة؟!!

هل حقّا يُحاكَم سلمان العودة لأجل انتمائه للاتحاد العالميّ لعلماء المسلمينَ والمجلس الأوربيّ للإفتاء وبعض تغريداتٍ على تويتر؟! ولماذا لا يريدون قول الحقيقة؟!

 لماذا لا يقولونَ: إنّ السّعودية الجديدة التي يرسم ابن سلمان وجهها لا تحتمل في ربوعها كلَّ واسعِ القلبِ، بعيدِ الأفق، ممتدّ التَّأثير، صلبِ المراسِ، ومن يدخل قلوب الشباب دونما استئذان، ويمتلكُ جرأة الاعتذار، وشجاعة المراجعة، والقدرة على قول لا، وثقافة التآخي الحقيقي؟!

لماذا لا يقولونَ: إنَّ أمثال سلمان لا يروقون لابن سلمان لا في منهجهم ولا في سلوكهم وتوجّهاتهم ولا حتى في صمتهم.

 لماذا لا يقولون: إنَّ الوجه الجديد للسعودية يقتضي قتلَ وحبسَ ونفيَ وتحييدَ كلّ من يمكن أن يعكّر صفو تبديل الجلد من الثّوب الإسلامي المعلن لعلمانيّة المملكة إلى الجلد العلماني الواضح، وهذا يقتضي إزالة كلّ من يمكن أن يشوّش بشكل مباشر أو غير مباشر على ذلك "وكله بما يُرضي الله طبعا".

إنَّ هذه المحاكمة بهذا الشّكل هي جسّ نبضٍ لردود أفعال الدّاخل السّعوديّ والخارج الإسلاميّ.

 وإن كانت ردودُ الأفعال هي آخر ما يهمّ المستبدَّ حينَ يفقدُ صوابه غير أنَّ ردود الأفعال الباهتة والباردة وغير المكترثة تغري الطاغية بالسّيرِ قدمًا في جريمته وتعطيه قوّةً دافعةً لمزيدٍ من التّصرفات التي لا تتوقّع الجماهير أن تصل الوقاحة بالمستبدّ إلى فعلها.

ليسَ بعيدًا أن لا يأخذ القاضي باقتراح النيابة العامة، أو أن يصدر وليّ الأمر؛ طويل العمرِ عفوًا عن الشّيخ سلمان العودة فلا يمكّنُ حدَّ السّيف من عنقه، غير الغاية التي هي التّعزيرُ الذي يعني التّأديب قد وصلت رسالتها.

 فالمستبدّ يتعامل مع الرعيّة على أنّهم ثلّةٌ من الرّعاع أو قطيعٌ من الأغنامِ أو فريقٌ من الكلابِ يجب تعزيرهم بين الفينة والأخرى.

 وخير وسيلةٍ لتعزيرهم هيَ إهانة رموزهم وعلمائهم ومفكريهم، حتّى لا يستطيع أحدٌ منهم رفع رأسه، وهنا تكونُ الرّعيّة أمام اختبارها المصيريّ  كما قال الكواكبي: "المستبدّ يودُّ أنْ تكون رعيته كالغنم درًّا وطاعةً، وكالكلاب تذلُّلاً وتملُّقًا، وعلى الرَّعية أنْ تكون كالخيل إنْ خُدِمَت خَدمتْ، وإنْ ضُرِبت شَرست، وعليها أن تكون كالصّقور لا تُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصّيد كلِّه، خلافًا للكلاب التي لا فرق عندها أَطُعِمت أو حُرِمت حتَّى من العظام. نعم؛ على الرّعية أن تعرف مقامها؛ هل خُلِقت خادمةً لحاكمها، تطيعه إنْ عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمها كيف شاء بعدلٍ أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟ والرَّعية العاقلة تقيَّد وحش الاستبداد بزمامٍ تستميتُ دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزَّت به الزّمام وإنْ صال ربطتْه".

المصدر

http://mubasher.aljazeera.net/opinion/%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AA%D9%84%D9%8F-%D8%AA%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D9%8B%D8%A7

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة