النصر بين الله والعباد

السبت 06 أكتوبر 2018 12:17 م بتوقيت القدس المحتلة

النصر بين الله والعباد

أحمد الشرباصي

يقول الله عز وجل: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] {محمد:7} 
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق‏ ـ أي: لأجله ـ ظاهرين إلي يوم القيامة».وفي رواية:«لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي‏ أمر الله»!...
 من سمات الإيمان حبّ الأوطان، ومن طبائع الأحرار الغيرة على الحمى وصيانة الذمار، ومن خلائق الكرام إباء الضيم ودفع الهوان...
 ومن سنن الله في كونه أن الأمة الحيَّة من الأمم إذا طاف بها طائف من بغي أعدائها عليها، فوطئوا أرضها، وانتهكوا حرمتها، وهضموا حقوقها، تنبَّهت مشاعرها،  وثارت عواطفها، واندفعت كالطوفان العارم، أو البركان الحاطم، تثأر لكرامتها،  وتغضب لعزتها؛ فلا تنام ولا تهدأ حتى تطهر أرضها من معرة البغي عليها بالزكي الغالي‏ من دماء أبنائها، لا تدخر في ذلك وسعا، ولا تستعظم فيه تضحية!!...
 وإذا كانت هذه الأمة المظلومة المكافحة أمة مؤمنة بربها مقبلة عليه، لا تريد علواً في الأرض ولا فساداً، فإنَّ الله واهب القوى والقدر يسندها ويؤيدها، ويعينها ويمدها،  ويكون لها ومعها عند الملمات وإبان الأزمات، وصدق العلي الكبير إذ يقول[أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ(41)]. {الحج}. 
ومن شأن الأمة المؤمنة أن تتحمل في حياتها-راضية صابرة ثابتة-مواقف البأس‏ والشدة، ودروس الابتلاء والتمحيص، وتبعات الكفاح والجهاد؛ لأن الثبات في الشدائد والصبر على المكاره هما طريق النصر وثمن الفوز، وهما أيضاً صراط الله الحكيم الذي‏ شرعه لعزة عباده:
 

[أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ] {البقرة:214}  [حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ] {يوسف:110}  
 
ويقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه من وصيته لعبد الله بن عباس رضوان الله عليهما: «واعلم أن النصر مع البصير، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا»وفي أول‏ غزوة بدر وقف النبي عليه الصلاة والسلام يخطب في صحابته مشجعاً لهم ومحرضاً، فكان‏ مما قاله: «وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم، وينجي به من الغم»!!.
 
والله يطالب عباده-لينصرهم-بأن ينصروا دينه وملته، وأن يخلصوا توحيده‏ وعبادته، وأن يحسنوا الرجوع إليه، والإيمان به، والاعتصام بحبله المتين،  [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] {الرُّوم:47} 

يقول الراغب الأصفهاني:«ونصرة الله للعبد ظاهرة، ونصرة العبد للّه هي نصرته‏ لعباده، والقيام بحفظ حدوده، ورعاية عهوده، واعتناق أحكامه، واجتناب نهيه» ـ مفردات القرآن لللأصفهاني ص514ـ 

وإذا ما أراد الله النصر لقوم فقد ذلَّت لهم الصعاب، واندكت أمامهم الجبال، لأن‏ الله خير الناصرين: [إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] {آل عمران:160} 

أي: إن يعاونكم ربك على أعدائكم‏ بسبب طاعتكم له، فلن يقدروا على هزيمتكم، ولو كثر عددهم، وتضخمت عددهم: [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] {البقرة:249} ، وإن يخذ لكم الله‏ ويمنعكم معونته ورعايته بسبب معصيتكم له وإعراضكم عنه، فلن تجدوا بعده ولياً ولا نصيراً ، [وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ] {آل عمران:126} . 

وهذا نوح عليه السلام، يكذبه قومه ويتطاولون عليه، مع أنه رسول ربهم إليهم‏ ليهديهم ويسعدهم، ويلجأ نوح المؤمن الموقن إلى ربه يستعينه ويستنصره،  فيستجيب الله له‏ ويجعل قلته كثرة، وضعفه قوة، ويذيق الذين طغوا الوبال والنكال: [كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ(9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ(10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ(11) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ(12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ(13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ(14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ(16) ]. {القمر}. 

والمهم في الاستعانة بالله هو: أن يتحقق شرطها، وهو طاعة المستعان والإيمان‏ بالديَّان والاهتداء بهديه سبحانه.
 
 ولقد كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص-رضي الله‏ عنهما- يوصيه هو ومن معه من الجنود، فقال له:
 
أما بعد، فاني آمرك ومن معك‏ من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب؛ وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم،  فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله،  ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن‏ استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم‏ بقوتنا؛ فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم،  ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا:إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا...فربَّ قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل -لما عملوا لمساخط الله- كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، واسألوا الله‏ العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم».

وقد نسب ابن الجوزي وابن عبد الحكم إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه خطاباً مشابهاً لخطاب جده الفاروق السابق، وقد كتبه عمر بن عبد العزيز إلى منصور بن غالب‏ حين بعثه على قتال أهل الحرب ـ انظر كتاب جمهرة رسائل العرب ج1 ص233 وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص71 ـ ولابن الجوزي ص204 ، والعقد الفريد ج1ص40ـ  ولا عجب فالخلف الصالح يقتدي بالسلف الصالح: [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] {آل عمران:34} 

وقد شاءت إرادة الحكيم العلىم أن تتعرض بلادنا العزيز الغالية لاعتداء ظالم غاشم،  تولت كبره مجموعة مغترة من الأعداء، فوقفنا لهم وصبرنا أمامهم، وغضبنا من أجل‏ بلادنا وكرامتنا ومعتقداتنا، وسألنا الله عز وجل أن ينصرنا، وأن يثبت في سبيل الحق‏ والصدق أقدامنا، ذاكرين في أنفسنا وعلى ألسنتنا أننا أبناء كنانة الله في أرضه، ومن‏ أرادها بسوء قصمه العزيز الجبار، لأنه المنتقم العادل؛وقد تلطف الله بنا، وتفضل‏ علينا، فلم يكتب علينا الاندحار أو الفناء، بل دفع عنا الكثير من البأساء والضراء،  وتكشفت سحب البغي والعدوان عن غد مشرق، فيه -بمشيئة الله تعالى- عزة وكرامة؛ وفيه تماسك وقوة؛ولقد كان أعداؤنا يريدون لنا الفناء العاجل أو الذل الدائم، ولكن‏ الله الغلاب القهار أراد غير ما أراده المعتدون، وإذا أراد الله أمرا قضاه: [وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] {يوسف:21}  .
 
والنصر نوعان: نصر بالغلبة والقهر، ونصر بالحجة والبرهان؛ ولقد مرت علينا خلال المحنة لحظات شدة، وأوقات بأس، سالت خلالها منا دماء، وسقط لنا شهداء،  وأصابتنا ألوان من البأساء، ولكننا في الوقت نفسه صبرنا وصابرنا، وكنا نتسمع إلى‏ دول العالم الرشيدة وهي تجمع كلمتها -إلا ما شذ- على وصف أعدائنا بالطغيان والإجرام،  كما تجمع على وصف وطننا المكافح الصابر بالتضحية والثبات والإقدام...
 
ولعل هذا يفسر قول أبي القاسم البلخي:«المؤمنون منصورون أبدا، إن غَلبوا  ـ بفتح الغين ـ فهم المنصورون بالغلبة، وإن غُلبوا ـ بضم الغين ـ فهم المنصورون‏ بالحجة، ولا يجوز أن ينصر الله الكافر على وجه»!!!... وصدق العلي الكبير حيث يقول: [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] {الصَّفات:173} .
 
ولقد يقبل جنود البغي وجيوش الطغيان عن يمين وشمال، وهم يباهون بعَدَدهم‏ وعُدَّتهم، ويغترون بآلاتهم وأسلحتهم؛ويعتدون على الآمنين والمسالمين، وهم يحسبون‏ أن الأمر أمر كثرة وقلة في السلاح والجنود فحسب، ولكن القهار الجبار جلَّ جلاله‏ يقف بحوله وطوله إلى جانب القلَّة المؤمنة في وجه الكثرة الكافرة الباغية، وينتصف‏ بقهره وجبروته للضعفاء من الطغاة الأقوياء، وهو القائل لعباده: [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] {الأنفال:26}!!..
 
وهؤلاء هم المسلمون الأوائل يوم الخندق..لقد أحاطت بهم جموع الشرك وأحزاب‏ الكفران من كل جانب، وكان التفاوت في العدد والسلاح كبيراً خطيراً .
 
ويصف‏ القرآن الصدوق هول هذا الموقف فيقول[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا(9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا(10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11) ]. {الأحزاب}. 

وليس وراء ذلك الهول من هول...فماذا كانت النتيجة؟كانت كما يخبر عنها القرآن‏ الكريم[وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا(25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا(26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا(27) ]. {الأحزاب}. 

ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه من رسالة لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: (واعلموا أنه ليس بالجمع الكثير كنا نَهزم الجمع الكثير، ولا بالجمع الكثير كان الله ينزل‏ النصر عليهم؛ ولربما خذل الله الجموع الكثيرة، فوهنت وفَلَّت وفشلت، ولم تغن عنهم‏ فئتهم شيئاً، ولربما نصر الله العصابة القليل عددها على الكثير عددها من أعداء الله، فأنزل‏ الله عليكم نصره، وعلى المشركين من أعداء الله وأعداء المسلمين بأسه ورجزه» ـ فتوح الشام ص141ـ ؟.
 
وجاء في تفسير«المنار»منسوبا إلى الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده:«سنة الله‏ تعالى قد مضت بأن ينصر الحق وحزبه على الباطل وأحزابه، ما استمسك حزب الله بحقهم‏ فأقاموه، ودعوا إليه، ودافعوا عنه، وأن القعود عن المدافعة ضعف في الحق يغري به‏ أعداءه، ويطمعهم بالتنكيل بحزبه، حتى يتألبوا عليهم ويوقعوا بهم، وإنه قد سبق في‏ علم الله تعالى أن الله لا بد أن يظهر دينه، وينصر أهله على قلتهم، ويخذل أهل الباطل‏ على كثرتهم» ـ تيسير المنار ج2ص314ـ !...
 
حتى غير رجال الدين والعقيدة...نراهم يقررون أن العاقبة للحق مهما طال بغي‏ الباطل؛فها هوذا الكاتب الغربي المشهور«توم بين»كان في أول أمره انجليزياً، ولكنه ضاق بمكر انجلترا وغدرها، فتركها إلى أمريكا، وخاض معركة التحرير الأمريكية ضد الاستعمار الإنجليزي، وكافح طغيان انجلترا وبغيها، وقال فيما قال منذ أكثر من مائة وثمانين سنة:«إنني من أقل الناس إيماناً بالغيبيات، ولكن نجواي‏ كانت وما زالت على الدوام أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يترك شعباً يواجه الفناء بالحرب، إذ يتخلى عنه حتى يهلك، مادام هذا الشعب قد حاول في جد وعزم، وفي إصرار وإلحاح، أن يتجنب ويلات الحرب بكل وسيلة مقبولة يمكن أن توحي بها الحكمة.ولست كذلك من الكفر والجحود بحيث أعتقد أنه سبحانه وتعالى قد تخلى عن‏ حكم العالم، وأسلمنا إلى عناية الشياطين؛ولهذا لا أفهم على أيِّ أساس تستطيع بريطانيا أن تتطلع إلى السماء، وتستعين بها علينا، فإن حقها في طلب هذا العون لا يزيد عن حق‏ القاتل العادي، أو قاطع الطرق، أو سارق البيوت» ـ جريدة الجمهورية عدد 15 ديسمبر سنة 1956م ـ !!...
 
إن عدالة الله تأبي- مهما طال الأجل، وامتدت فترة الابتلاء والإمهال- إلا أن‏ ينصر الله الحق وأتباعه، ويخذل الباطل وأشياعه، فإذا أهل الحق مهما قلوا في عزة ورشاد، وإذا أهل الباطل مهما استطالوا في ذلة وكساد، وإن الحق لن ينقلب باطلا مهما قل متبعوه، وإن الباطل لن ينقلب حقا مهما كثر مشايعوه: [وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ] {يونس:82}.ووعد الله بنصر الحق وأهل باق موصول[إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ(51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(52) ]. {غافر}.!!.
 
فلنستدم نصر الله بالإقبال عليه، والاعتزاز به، والاستمساك بحبله سبحانه، وأخذ الأهبة لكل طارئ، وإعداد العدة لكل احتمال:  [رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ] {البقرة:250} .
 
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
 
نقلاً عن  مجلة الأزهر المجلد 28 جمادى الآخرة 1376 عدد 6. 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة