وقفات مع مجزرة نيوزلندا

السبت 16 مارس 2019 05:50 م بتوقيت القدس المحتلة

وقفات مع مجزرة نيوزلندا

عبد الرحمن حمد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله العليم الحكيم الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أيُّنا أحسن عملا, والصلاة والسلام على الصادق الأمين الذي قال: "إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ", وبعد:

فقد ساءنا جميعاً وآلم قلوبنا ما حصل بالأمس من مجزرةٍ مُروعةٍ بحقِّ المسلمين المصلين الآمنين العزل في نيوزلندا, والتي أسفرت عن مقتل خمسين مسلماً, وأمام هذا الحدث الجلل لا بد وأن نقف بعض الوقفات لنضع  النقاط على الحروف, ولنستخلص العبر والعظات لما هو آت.

الوقفة الأولى: إنَّ من سنن الله الكونية وقوع البلاء على المؤمنين اختباراً لهم, وتمحيصاً لذنوبهم, وتمييزاً بين الصادق والكاذب منهم, قال تعالى:[أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ]{العنكبوت:2-3}, وقال تعالى:[وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ]{البقرة:155}, وقال صلى الله عليه وسلم: "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" رواه مسلم.

وما أشبه اليوم بالبارحة.., فحادثة نيوزلندا تُذكرنا بحادثة بئر معونة, حين أرسل النبي صلى الله عليه وسلم وفدًا من الدعاة إلى نجد مكونًا من سبعين من الصحابة الكرام لدعوتهم وتعليمهم الإسلام، فاغتالوهم جميعاً في حادثةٍ فاجعةٍ خلَّدها التاريخ الإسلامي من أشهر حوادث اغتيال الدعاة, ولكن هذه الدماء لم تذهب هدراً, بل كانت لعنةً على مقترفيها, وفتحاً على الإسلام والمسلمين بعد ذلك, وعند النظر إلى  جريمة الأمس من هذا المنظار فهي ضريبةٌ يجب أن تُدفع في طريق الإسلام والدعوات نحو النصر والتمكين في الدنيا, ونحو الجنة والخلود في الآخرة, وهذه الدماء لن تذهب هدراً بإذن الله, بل ستكون صحوةً لعقول وقلوب الكثير من المسلمين وغير المسلمين, وشعلةً تضيء لهم طريقهم نحو الخيار الصحيح, وكذلك هي شهادةٌ وشفاعةٌ ورفعةٌ لأصحابها عند الله عز وجل.

الوقفة الثانية: إنَّ هذه الجريمة النكراء ليست هي أول مرة تُراق فيها دماء المسلمين في التاريخ المعاصر، فلم ننس بعد الاحتلال الغربي للدول الإسلامية وقتلهم الملايين من الأبرياء, ولم تجف بعد دماء المسلمين في بورما وكوسوفو والبوسنة والهرسك والعراق وأفغانستان وفلسطين وغيرها, وإنَّ مثل هذه الأحداث لن تتوقف على مر التاريخ, لأن هناك حقيقةً وسنةً كونيةً لا بد أن تترسخ في فهم وإدراك كلِّ مسلم, وهي سنة التدافع بين الحق والباطل, وأنَّ الباطل لن يرضى يوماً بوجود الحق, حتى ولو كان هذا الحق حقاً ضعيفا مستسلماً, وحتى ولو قدَّم هذا الحق لهم الورود والرياحين ورفع لهم غصن الزيتون فلن يرضوا عنه ولن يكفوا عن قتاله ومعاداته, قال تعالى:[وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ]{البقرة:120}, وقال تعالى:[وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا]{البقرة:217}.

إنَّ الضمان الوحيد لبقاء الحق وأهله وحفاظهم على أنفسهم ومقدراتهم من تغوُّل أهل الباطل عليهم, هو أن يمتلكوا أسباب القوة وأن يدافعوا عن أنفسهم, وإلا سيفسد هذا الكون وسينتشر الباطل ويعم الشر في كل مكان, قال تعالى: [وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ]{البقرة:251},  فامتلاك القوة والإعداد الجاد هو السبيل الوحيد للحفاظ على الحق, والحق الذي لا تحميه قوة يضيع, وهذا العالم الظالم لا يفهم إلا لغة القوة, وامتلاك القوة هو الذي يُرهب العدو ويردعه عن غيِّه, قال تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ]{الأنفال:60}, ولو كانت هناك قوة للمسلمين تردع أعدائهم لما تجرَّأ هذا الآثم على القيام بفعلته الشنيعة, وقتله المسلمين بهذه الطريقة البشعة, ولو كانت هناك قوةٌ رادعةٌ لدى المسلمين لقامت الدولة التي يسكن فيها هذا المجرم باعتقاله قبل تنفيذ جريمته خوفاً على مصالحها, وخاصة أنه كان يُصرِّح بالعداء للإسلام والمسلمين ونيته قتلهم, ويُصنَّف عندهم بأنه متطرف, ولو كان هناك خوف من ردة فعل المسلمين لقامت هذه الدول بحماية وتأمين المساجد في بلادها كما يقوم المسلمون اليوم بحماية وتأمين مصالح الغرب في دول الإسلام خوفاً من ردة فعلهم, ولكننا لما تركنا الإعداد وفقدنا أسباب القوة هُنَّا على أعدائنا, وسُلِّط علينا الذل, كما قال صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ". أخرجه أبو داود وهو حديث صحيح.

الوقفة الثالثة: إن هذه المجزرة المروعة تُذكرنا بالإرهاب الصهيوني عندما دخل المجرم باروخ جولدشتاين المسجد الابراهيمي في مدينة الخليل في فلسطين بتاريخ ٢٥/٢/١٩٩٤م، وقتل قرابة ثلاثين مصلياً وجرح مئةً وخمسين آخرين، فالإرهاب أينما وجد تفوح منه رائحة الصهيونية الخبيثة, وإنَّ هذه المجزرة المروعة قد أسقطت القناع عن الوجه القبيح لأدعياء الحضارة والانسانية!, وأماطت اللثام عن التعاليم والأفكار الإجرامية التي تقف خلف هذه المجزرة, وإنَّ سكوت العالم والإعلام المنافق عن الحادث وعدم تسليط الضوء عليه كما يفعلون عندما يتحدثون عن الإسلام بأنه دين الارهاب, لَيدلُّ دلالةً واضحةً على ازدواجية المعايير, وعلى الحقد الدفين الذي يملأ قلوب هؤلاء المجرمين القتلة الإرهابيين، الذين يكرهون كل خيرٍ في هذه الدنيا, وإنَّ هذه المجزرة لهي نتيجةٌ متوقعةٌ لخطاب الكراهية المتنامي تجاه الإسلام في دوائر الإعلام ‏والسّياسة الغربيّة وفي مقدمتها أمريكا راعية الارهاب العالمي، والصليبية الحاقدة، والصهيونية الماكرة.

الوقفة الرابعة: إنَّ قتل المسلمين في نيوزلندا بالأمس هو اعتداء على كل المسلمين في الأرض, وإنَّ أمتنا الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها هي أمةٌ واحدة, ويجب أن تكون كالجسد الواحد في شعوره بألم أعضائه وترابط مكوناته, كما قال صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" رواه مسلم, ولذلك يجب على كل مكونات الأمة أن تقف عند مسؤولياتها في مثل هذه الأحداث, كلٌّ بما يستطيع وحسب إمكانياته, فالمؤمنون إخوة وألمهم واحد, وكلنا إلى ربنا راجعون, وعن أعمالنا ومواقفنا لمسؤولون, والله غالب على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة