بين يدي رمضان

الخميس 25 أبريل 2019 06:51 م بتوقيت القدس المحتلة

بين يدي رمضان

د. أحمد نجيب

نحن اليوم بين يَدَيْ موسمٍ من مواسم الخير و البَرَكة ، اختصّه الله بما شاء من فضله و كَرَمه ، فأنزل فيه أفضَل كُتُبَه ، و تعبّدَنا فيه بالصيام و القيام و الإطعام ، فجَعلَ صيام نهاره فريضةً ، و قيام ليله نافلةً ، و فضّل لياليَه على سائر ليالي السنّة ، و اصطفى من بينها ليلةً ، سلامٌ هي حتى مَطلَعِ الفَجر ، و خيرٌ هي من ألفِ شَهر .

و إنّ غائباً يعود مرّة في العام لأهلٌّ أن يُتهيَّأ لاستقباله ، و يُستعدّ لقدومه ، و بخاصةٍ إذا كان خيره و بركته عمِيمَين ، فطوبى للمشمّرين .

ما فتئ رمضان يعود علينا عاماً بعد عام ، و نحن نخرج منه كما نلقاه ، و قليل منّا من يكون بَعدَه على أحسن ممّا كان عليه قَبْلَه ، أفلَم يأنِ لنا أن نعزم على اغتنام موسم قد لا ندركه فيما نستقبل من أعوام ، و نكفّ عن التسويف و التأجيل و عَدَم المبالاة و قلّة الاهتمام ؟!

{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه و من كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون }.

عباد الله ! إنّها فرصة لا يُفوِّتُها إلا متهاون مغبون ، و لا يزهد فيها إلاّ جاهل محروم ، أما من أنار الله قلبه ، و نقّى فؤادَه ، فتراه يستعد لرمضان قبل أن يلقاه ، بأمور كثيرة من أهمّها ، أن يُقدّمَ بين يديه صيام شعبان جلّه أوكلّه ، تأسياً بنبيّه صلى الله عليه وسلم الذي دأبَ على ذلك ، حتى قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان ، و ما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان ، و كان يقول : ( خذوا من العمل ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ) رواه البخاري .

و ليس المقصود بذلك المواظبة على صيام شعبان كلّه ، و لكن المقصود هو الإكثار من الصيام فيه . قال ابن المبارك كما في سنن الترمذي عنه : جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال : صام الشهر كله ، و يقال : قام فلان ليله أجمَعَ ، و لعله تعشَّى و اشتغل ببعض أمره .

و يؤيد هذا ما رواه مسلمٌ في صحيحه عن الصدّيقة رضي الله عنها أنّها قالت : ( كان صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان إلا قليلاً ) .

غير أنّه يُنهى عن تخصيص النصف الثاني من شعبان بالصيام لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ، الذي رواه الترمذي و حسّنه ، و الحاكم و صحّحه ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ) ، أمّا من صام في أوّل الشهر فلا جناح عليه أن يصوم نصفه الثاني بَعضَه أو كلّه ، و كذلك من كانت له عادة صيام صامها ، كيومي الاثنين و الخميس من كلّ أسبوع ، فيصومهما و لا حَرج .

و لا يجوز للصائم أن يتقدّم رمضان بصيام يومٍ أو يومَين لحديث الصحيحين : ( لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم صوماً فليصم ) .

و لهذا النهي حِكَمٌ جليلةٌ منها : الاحتياط لرمضان لئلا يزاد فيه ما ليس منه ، و منها الفصل بين صيام الفرض و النفل لأن جنس الفصل بين النوافل و الفرائض مشروع ، كما في النهي عن وصل صلاة مفروضة بصلاةِ نافلةٍ حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام ، و منها التقوي على صيام رمضان ، فإن مواصلة الصوم قد تضعف عن صيام الفرض .

و ممّا ينبغي أن يُستقبَل به شهر الصيام و القيام أيضاً ، المبادرة بالتوبة من الذنوب صغيرها و كبيرها ، و الإكثار من الطاعات دُقِّها و جُلِّها ، فهذا زمان التوبة .

يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب *** حتى عصى ربه في شهر شعبان

لقد أظلك شهـر الصوم بعدهمـا *** فلا تصيره أيضاً شهر عصيـان

واتل القرآن وسبح فيـه مجتهـداً *** فإنـه شهـر تسبيـح وقــرآن

عباد الله !

كم من أخ نعرفه صام معنا و قام في رمضان الماضي و ما قَبله ، ثمّ صار إلى عالَمِ الدود و اللحود ، بعد أن استلّه هاذم اللذّات من بينِنَا ، و سيأتي الموت على الجميع ، إن عاجلاً و إن آجلاً .

تمر بنا الأيام تترى و إنمـا *** نساق إلى الآجال و العين تنظر

فليسَ عن لُقيا المنيّةِ صارفٌ *** و ليس من يدري الأوان فيُنـذِر

يا نفس فالتمسي النجاة بتوبة *** فبتوبتي نحـو النجـاة سأُبحِـرُ

فهلا اغتنما هذه الفرصة للتزوّد ، فإنّ خير الزاد التقوى ، و هي الغاية الكبرى من مشروعيّة الصيام .

قال تعالى :{ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .

فالصائم الصادق الصالح هو الذي يتّّق الله في صومه ، فيصوم جوفه ، و فرجه ، و سائر جوارحه ، صوماً يكفّه عن المعاصي ، و يحجزه عن الحرمات ، فلا يقول إلاّ خيراً ، و لا يسمع إلاّ خيراً ، و لا يفعل إلاّ خيراً ، و يُقلِع عن قول الزور و العمل به ، فمن لم يكن كذلك فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه ، كما صحّ بذلك الخبر عن خير البَشَر فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه .

كيف لا ، و للصيام منزلة رفيعة بين العبادات ، ففي الحديث القدسي الذي رواه الشيخان يقول ربّ البريات : ( كل عمل ابن آدم له , الحسنة بعشر أمثالها إلاّ الصوم فإنه لي و أنا أجزي به ) ، و الحكمة في ذلك أنّ الصوم سرٌ بين العبد و بين ربه ، لا يطلع عليه أحد سواه ، و قيل : ( فإنّه لي ) أي لم يُتعبَّد أحد بمثله إلا أنا ، فالعباد يركعون لبعضهم و يسجدون ، و ينفقون تزلفاً و تملّقاً ، و يقصد بعضهم بعضاً ، إلى غير ذلك مما يصرفه بعضهم لبعضٍ من الأعمال .. أمّا الصوم فلا يُعرَف أنّ أحداً يصوم لأحدٍ غيرِ الله .

و المؤمن الرشيد – يا عباد الله - يقدّم بين يدي رمضان توبة تحجزه عن الملاهي و المنكرات ، التي تكتظ بها و سائل الإعلام و الإجرام ، و يتزوّد بالتقوى و الإنابة ، قبل تزوده بالطعام و الشراب و الثمار المستطابة .

مضى رجب و ما أحسنت فيـه *** و هذا شهر شعبـان المبـاركْ

فيا من ضـيَّع الأوقات جهـلاً *** بقيمتها أفق و احـذر بَـوَارَكْ

تدارَك ما استطعت من الليالـي *** فخير ذوي الفضائل من تداركْ

 

و عليكم في رمضان خاصة بكتاب ربّكم خيراً ، فإن القرآن و رمضان شفيعان مشفّعان يوم القيامة ( يقول الصيام : أي رب ، منعته الطعام و الشهوات بالنهار ، و يقول القرآن : منعته النوم بالليل فشفعني فيه ، فيشفعان ) كما في المسند .

منع الكتاب بوعـــده و وعيــده *** مـقـل العيون بليلها لا تهجـــع

فهمـوا عن الملك العظيـم كلامــه *** فهماً تذل له الرقــاب و تخضـع

وفّقني الله و إيّاكم لخيرَيْ القول و العمَل ، و عصمنا من الضلالة و الزلل

أقول قولي هذا و استغفر الله الجليل العظيم لي و لكم من كلّ ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

و صلّى الله و سلّم و بارك على نبيّه محمّد و آله و صحبه أجمعين

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة